د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

الأمن والإعلام في إسرائيل

الأمن والإعلام في إسرائيل

يتناول الكتاب العلاقة القائمة بين المؤسسة الأمنية ووسائل الإعلام في إسرائيل، في ضوء الإشكاليات التي وقعت مؤخراً بين الجانبين، ومدى تحمل مسئولية كليهما عن أمن الدولة، في ظل ثورة المعلومات، وتراجع صلاحيات "مقص الرقيب"، لاسيما مع ارتفاع حدة التهديدات والتحديات الأمنية المحيطة بإسرائيل، واللوم الذي توجهه دوائر صنع القرار فيها إلى قطاعات واسعة من الحقل الإعلامي ممن لا "يتبنون" الرواية الرسمية، خاصة في الأحداث التاريخية الكبرى.

ويؤكد الكتاب في فصوله أن العلاقة بين الأجهزة الأمنية والإعلام الإسرائيلي فيما يتعلق بالقضايا الأمنية الحساسة معقدة وحساسة جداً، بسبب عدم قدرة التشريعات والقوانين على ضبط حدودها، مشيراً إلى أن الأولى تعمد في كثير من الأحيان إلى عدم التدخل فيما ينشر عبر الثانية, إلا أنها تتدخل بقوة حينما تقتضي الضرورة ذلك, مؤكداً أنها تلجأ للقضاء في كثير من القضايا، لمنع نشر معلومات "مشفرة وسرية" خشية تدهور الوضع الأمني، مع أن سبب التوجه للقضاء هو الاختلاف القائم في فهم القوانين, التي لا تضبط العلاقة بشكل تام, ففي حين أن امتلاك معلومات سرية مشفرة غير قانوني, لكن المحكمة تدافع عن الإعلام الذي ينشر ملفات ووثائق سرية، شرط ألا تضر بأمن الدولة.

ويستدرك المؤلف بالقول: الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تتدخل حين يكون هنالك معلومات سرية للغاية سربت، ولا يجب أن تنشر، وقد تصل إلى أيدي العدو, رغم أن ذلك قد يترك انطباعاً حقيقياً للمتابعين للإعلام الإسرائيلي أنه حاد عن الأسس التقليدية والمتعارف عليها في الأعراف الصحفية والإعلامية، وتجلى ذلك بصورة واضحة خلال العديد من الأحداث التي عاشتها إسرائيل.
 

  • التهويل والتستر

ورغم الإمكانيات الهائلة المتاحة لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ومساحات المناورة الشاسعة الممنوحة لها، نظرياً على الأقل، فإنها تراجعت في أدائها لمهامها إلى درجة صحافة مجندة أحادية الجانب، ولم تكتف بتزويد متلقيها بمستجدات الأمور والأحداث المتلاحقة، بل لجأت للتهويل تارة، والتستر تارة أخرى، وبدلاً من محاولة إيجاد رأي عام من خلال عرض تعددي لوجهات النظر، فقد أخذت على عاتقها -من خلال حفنة ضئيلة من رجال الإعلام المدعين لمعرفة واسعة في الشؤون الفلسطينية والعربية- تعبئة الرأي العام الإسرائيلي، عبر التهويل وعدم الدقة والتحامل والتحريض.

ويرى الكتاب أن المراسلين العسكريين، والمحللين للشؤون العربية، والناطقين بلسان الجيش والحكومة، باتوا نجوم وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال مختلف السنين والمراحل التاريخية، بعد أن أتقنوا عرض وجهة النظر الرسمية لما يحدث، وفي بعض الأحيان لا تستطيع أن تميز إن كان المراسل ناطقاً بلسان الجيش، أو أن الناطق العسكري هو المراسل، بعد أن غاب التوازن المعقول والمقبول بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، في المقابلات ونقل المواقف.

وبرز ذلك ليس فقط في قلة عدد الفلسطينيين الذين قوبلوا في التقارير الصحفية والإعلامية، بل في التوجه العدائي والاستفزازي والاستعلائي للصحفيين، وتبني مواقف الحكومة، وعدم الميل لانتقادها، على غير عادتها في تغطية جملة سياسات الحكومة ونهجها في القضايا الداخلية: الشؤون الاقتصادية والسياسية والتعليمية، وانتقادها وتحليلها لكل صغيرة وكبيرة في هذه المجالات، بحيث نادراً ما وجد لدى هذه الوسائل ميلاً نقدياً وتحليلياً واضحاً.

أكثر من ذلك، ترى بعض فقرات الكتاب أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لعبت دوراً تعبوياً يميل إلى التصرف كامتداد للمؤسسة السياسية، وبالتالي الاصطفاف بجانب المؤسسة العسكرية والأمنية، ومن ذلك أن الجندي الإسرائيلي هو المهاجم والمعتدى عليه دائماً، والقصف وإطلاق النار على الفلسطينيين دفاع عن النفس، ورد على اعتداءات، وأصبح الضحايا الفلسطينيون في الإعلام الإسرائيلي مجرد أرقام، لا أسماء لهم ولا أهل ولا أمهات، والخسائر المادية والأضرار ليس لها أي قيمة، والبيوت التي تقصف هي ثكنات للمنظمات الفلسطينية، وليس لها أصحاب، ولا تسكنها عائلات وأطفال.