د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

الحالة الدينية في إسرائيل: إطار مفاهيمي

الحالة الدينية في إسرائيل إطار مفاهيمي

تتسم الحالة الدينية في إسرائيل بكثير من التعقيد والإلتباس وذلك بسبب الطبيعة الفسيفسائية للمجتمع الإسرائيلي و تعقيد تركيبته الطائفية والعرقية وتأثيرها المباشر على الحالة الدينية، وهو ما عقد تأثير هذا الواقع على نشوء وتعاظم دور القوى الدينية.

 ومما زاد الأمور تعقيداً اختلاط الديني بالعرقي في إسرائيل، حيث أن بعض القوى الدينية في إسرائيل وبخلاف ما هو عليه الحال في كثير من المجتمعات في العالم تحرص على تمثيل قطاعات سكانية محددة لاعتبارات عرقية، كما هو الحال مع حركة "شاس"، وهو ما يجعل من الصعب تبني تصور نظري محدد لتفسير تنامي تأثير القوى الدينية في إسرائيل وعلاقتها بالمجتمع، بحيث أن أي تصور نظري يصلح لتفسير تنامي قوة دينية محددة قد لا يصلح لتفسير تنامي القوى الأخرى. لكن ومع ذلك فإن هناك بعض النظريات التي تصلح لتفسير تعاظم التيارات الدينية في إسرائيل، وهو ما استفادت منه القوى الدينية في مراكمة القوة. ولا يمكن إغفال الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية التي كان لها دور في توفير البيئة المناسبة لتنامي القوى الدينية. ونحن هنا سنعرض للعوامل التي كان لها بالغ الأثر على الحالة الدينية في إسرائيل.

وتعتبر نظرية التواصل الثقافي أحد النظريات التي تفسر تنامي دور التيار الديني في إسرائيل. وكما يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي سامي ساموحا فإن الثقافة لعبت دوراً في تحول المزيد من العلمانيين للتدين، حيث أن قطاعات واسعة من اليهود ترى في مظاهر التدين علامة ثقافية قومية مميزة، مشيراً إلى ولادة ما يصفه بـ "الثقافة الجديدة" التي يعكسها اتساع دائرة ممارسة الطقوس الدينية والتوجه للكنس والتعلق بالتراث الديني .

 وقد شهد العقدان الأخيران تعزيزاً لنزعة التقرب من الدين بشكل متواصل أو إلى أنماط دينية في التفكير والحياة ودراسة الدين والتراث اليهودي بين الشرائح العلمانية في إسرائيل، ولا يأتي ذلك فقط بهدف التعرف على هذا التراث وإنما من أجل بلورة الهوية الثقافية المميزة في شقيها الشخصي والجماعي. ويتمثل هذا التحول في ظهور عدد من المعاهد والكليات في العقد الأخير والتي تهدف بشكل أساسي إلى إطلاع الشريحة  اليهودية العلمانية على الدراسات الدينية وتعليمهم التراث اليهودي حتى في جوانبه الصوفية.

 ولا تتم هذه الجهود دائماً بواسطة أدوات دينية، بل أحياناً من خلال أدوات علمانية، لكنها تؤدي نفس النتيجة، حيث تنكشف المزيد من القطاعات العلمانية على التراث الديني، وهو ما يوفر البيئة المناسبة لزيادة الدعم الشعبي للقوى الدينية. والذي يدلل على التوظيف الثقافي للدين بالنسبة للعلمانيين في إسرائيل هو توبيخ الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس لمجموعة من الشبان العلمانيين الذين انتهكوا حرمة يوم السبت في مدينة تل أبيب التي تعتبر معقل العلمانيين في إسرائيل، حيث قال " على كل اليهود متدينين وعلمانيين الالتزام بحرمة السبت " .

ويرى عالم الاجتماع الصهيوني يوآف بيليد أن نظرية "توزيع العمل الثقافي" تصلح لتفسير ظاهرة إقبال الفئات الهامشية الفقيرة من الأصول الشرقية في المجتمع الإسرائيلي على تأييد الحركات الدينية ذات النزعة الاجتماعية مثل حركة "شاس". وهذا ما يدلل على إن القوة الانتخابية للأحزاب الدينية في إسرائيل لا تتوقف على دعم جماهيرها من المتدينين، مع إن السواد الأعظم من الفئات الفقيرة في إسرائيل هم من التقليديين .

أن أبناء الطوائف الشرقية من اليهود الذين يشكلون حوالي 45% من مجمل اليهود في إسرائيل احتلوا قاع الهرم الثقافي وتعرضوا لتمييز على أسس عنصرية، وضمن ذلك حاولت القيادة العلمانية الغربية للدولة إرغامهم على التخلي عن المضامين الثقافية التي جاؤوا بها من البلدان العربية والإسلامية التي هاجروا منها، ضمن ما كان يعرف بإستراتيجية "بوتقة الانصهار"، والتي هدفت إلى صهر ثقافات اليهود المهاجرين لإنتاج ثقافة إسرائيلية واحدة تكون ذات مضامين غربية علمانية صرفة . لذا فإن العودة للدين وتأييد حركة "شاس" الدينية التي انطلقت لرفع راية الدفاع عن حقوق الفئات الشرقية الفقيرة مثل ردة فعل احتجاجية على ممارسات القيادة العلمانية للدولة.

ويقول كل من ايرز صفديا وأورن يفتاحيل أن نظرية "سياسة الهوية" تصلح أيضاً لتفسير اقبال الفئات الهامشية الفقيرة وتحديداً ذات الأصول الشرقية على التدين، على اعتبار أن هذه الفئات كانت ترغب في الحصول على اعتراف بهويتها الثقافية المميزة ونيل الشرعية من المجتمع المحيط بهذه الهوية ذات المضامين الدينية .