د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

تديين الليكود

تديين الليكود

بات أتباع التيارات الدينية في الكيان الصهيوني يدركون آليات توظيف الديموقراطية بالشكل الذي يحقق لهم أكبر قدر من التأثير على مجريات الأمور وذلك عن طريق إغراق الاحزاب العلمانية، وبالذات الليكود، بالمنتسبين المتدينين . من هنا، فأن أن نجاح المتديين في اختراق حزب الليكود يمثل أحد أوجه هذا التوظيف. لكنه في الوقت ذاته يدلل على أن المتدينين يستغلون غياب الحماس لدى الأجنحة العلمانية، وتقاعسها عن التحرك للتأثير على مجريات الأمور في الدولة، وهي ظاهرة يلمسها كل من يحاول تفحص طبيعة الحراك في المشهد الإسرائيلي.

لقد استغلت نخب من التيار الديني الصهيوني الدافعية الكبيرة التي يتسم بها أتباع هذا التيار، سيما من بين أوساط المستوطنين ورغبتهم في الانخراط في العمل السياسي العام من أجل التأثير على القيادة. ولعل من أوضح مظاهر نجاح المتدينين في إملاء توجهاتهم على قيادة حزب الليكود هو نجاح "القيادة اليهودية"ـ، وهو المعسكر الذي يمثل المتدينين في الحزب، في إقناع معظم منتسبي حزب الليكود بالتصويت ضد خطة "فك الارتباط"، في الاستفتاء الذي أجري في أوساطهم في الثالث من مارس 2005؛ وهي الخطة التي تم بموجبها تفكيك مستوطنات قطاع غزة وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في محيطه، وهو ما جعل شارون ينسحب من حزب الليكود الذي يرأسه ليشكل حزب "كاديما"، حتى يتمكن من تنفيذ الخطة.

 لقد نجح موشيه فايغلين، الذي تزعم "القيادة اليهودية" في إجبار الحكومات المتعاقبة على إضفاء الشرعية على عدد كبير من البؤر الاستيطانية التي أقامها المستوطنون بدون إذن الحكومة الإسرائيلية وإغداق الموازنات عليها.

ودفعت النجاحات التي حققها فايغلين إلى حد أنه وضع هدفاً لنفسه أن يصبح رئيساً للوزراء في إسرائيل في المستقبل؛ ولتحقيق هذه الغاية فقد تنافس مرتين أمام بنيامين نتنياهو على زعامة حزب الليكود، وتمكن من حصد ثلث الأصوات؛ وأصبح يقدم نفسه على أنه منافس شرعي على زعامة الحزب والدولة. ونظراً لارتباط الظاهرة بفايغلين، فقد مثل اختراق المتدينين للأحزاب العلمانية في الواقع مدرسة جديدة في العمل السياسي، اصطلح على تسميتها بـ "الفايغلينية".

 ومن الملاحظ أن الجزء الأساسي من الدعم الذي كان يحظى به فايغلين في البداية كان يأتي من بعض جماعات اليمين المسيحي في الولايات المتحدة التي تؤمن بوجوب إقامة دولة يهودية خالصة "قبل حرب يأجوج ومأجوج" . لكن ازدياد نفوذ فايغلين في حزب الليكود، واعتباره أحد أقوى الساسة في الحلبة الحزبية الإسرائيلية جعل عدداً من رجال  الأعمال الإسرائيليين يسارعون للتبرع له؛ حيث إن أبرز المتحمسين للتبرع له حالياً هو رجل الأعمال شلومو بن تسفي الذي يملك القناة العاشرة الفضائية التي تعتبر أهم قناة فضائية باللغة العبرية؛ وكما يقول فايغلين فإنه بات لا يتحمس لتقبل مزيداً من العروض لدعمه بسبب كثرة العروض .

لا تكمن خطورة تسلل المتدينين إلى داخل الأحزاب العلمانية اليمينية، وتحديداً إلى قلب الحزب الحاكم فقط في كونها باتت ظاهرة سياسية؛ بل أيضاً لأن هذه الظاهرة تنطوي على تداعيات بالغة الخطورة على مستقبل إسرائيل ذاتها وعلاقاتها الخارجية، بسبب طابع المنطلقات الفكرية التي تحكم فايغلين وجماعته. ولاستجلاء هذه القضية، فإن الباحث سيعرض بعض المنطلقات الفكرية التي تحكم توجهات هذه الجماعة.

لقد اختارت القاعدة الحزبية لحزب الليكود، أكبر حزب علماني في إسرائيل أن تثق في المسوغات التي تقدمها جماعة فايغلينن الذي يجاهر بتعلقه بنظرية "صراع الحضارات" في مواجهة الإسلام . وتعتبر "القيادة اليهودية" الحركة السياسية الإسرائيلية الأولى التي تعطى وزناً كبيراً في تراثها الفكري  لحتمية "صراع الحضارات" بين اليهودية والإسلام.

 يقول فايغلين أن الغرب بجهله يركز على ظاهرة أسامة بن لادن، كما لو كانت ظاهرة منعزلة عن طبيعة الإسلام. ويضيف "كل طفل يولد في القاهرة هو ابن لادن، أن حلم كل طفل مصري يتمحور بشكل تلقائي حول أي برج سكني يمكنه اسقاطه". ويعتبر الإسلام في نظر فايغلين "اجرامي"، يتوجب" مواجهته بدلاً من التزلف له، ونفاق معتنقيه" . ويجزم أن الولايات المتحدة تعيش حالياً حالة تفكك متواصلة على كل الأصعدة؛ وهذا بالضبط ما سيشجع المسلمين على التوجه للسيطرة على العالم، منوهاً إلى أن التاريخ دل على أنهم قادرون على ذلك.

    ويرى فايغلين  وجوب توجيه ضربة استباقية للعالم الإسلامي، والحرص على تجريده من كل أسباب القوة التي يمكن أن يركن إليها المسلمون في مسعاهم للقفز الى قيادة العالم. ويعتبر أن  اسرائيل صاحبة المصلحة الأولى في القضاء على كل أسباب القوة للمسلمين؛ فإسرائيل – وفق رؤيته – هي التي ستُطالب بدفع فاتورة الصراع بين الاسلام والعالم المسيحي. ولا يتأثر فايغلين كثيراً بالتوصيفات التي تطلق على بعض أنظمة الحكم في العالمين العربي والإسلامي، على اعتبار أن هذا النظام حليف لأمريكا أو يقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. هو يرى وجوب التحرك ضد جميع الدول الاسلامية والعربية، بدون استثناء .