د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

من الذي عليه أن يقلق بعد قرارات المجلس المركزي؟

من الذي عليه أن يقلق بعد قرارات المجلس المركزي
مقالات / 2018-10-30

عمد القائمون على مجلس عباس المركزي مجددا إلى التضليل، حيث قدموا التوصيات التي أصدرها المجلس بوقف التعاون الأمني وتجميد الاعتراف بإسرائيل على أنها قرارات ملزمة، من أجل تضليل الرأي العام ومحاولة التغطية على حقيقة أنه سبق لهذا المجلس أن أصدر عدة توصيات مماثلة في الماضي، وتجاهلها عباس.

وقد بدأت هذه المسرحية بحرص عباس خلال كلمته أمام المركزي على تكريس انطباع بأن المجلس سيتخذ في هذه الدورة جملة من القرارات التأسيسية في كل ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة وحركة حماس.

وقد تحدث عباس بصراحة عن ضرورة أن يخرج المجلس في دورته بقرارات ليس فقط تصلح لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وحماس، بل أنه توعد بأن يحرص المجلس على تطبيق القرارات التي سبق أن اتخذها ضد الأطراف الثلاثة.

ولعل العبارة التي تضمنتها كلمة عباس وتعد الأكثر تعبيرا عن محاولته تكريس هذا الانطباع تأكيده بأنه "آن الأوان لتنفيذ قرارات المجلس (المركزي) بخصوص أمريكيا وإسرائيل وحماس"

عباس عزا لهجته المتشددة ضد إسرائيل إلى سياساتها الاستيطانية والتهويدية ورفضها الاستجابة لمتطلبات التسوية، في حين بدا مجددا غاضبا على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب خطته للتسوية، التي أسماها "صفقة القرن".

وفي المقابل  ألمح عباس بأن هناك سلسلة من الإجراءات العقابية الجديدة ضد قطاع غزة، مبررا ذلك تأييد حماس لفكرة "الدولة في حدود مؤقتة"، ناهيك عن تلميحاته بأن الحركة تتعاون مع "صفقة القرن".

لكن عند اختبار سلوك عباس والسياسات التي ينتهجها ويمليها على السلطة نجد أنه من ناحية عملية أت رئيس السلطة حرص على تعطيل كل القرارات التي سبق أن اتخذها المجلس المركزي للرد على سلوك إسرائيل والولايات المتحدة.

فقد سبق للمجلس المركزي، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة وفي دورتين، أن أصدر توصيات واضحة وصريحة بوقف التعاون الأمني مع إسرائيل وإعادة النظر في العلاقة معها وإعادة تقييم كل الاتفاقات الموقعة مع تل أبيب، ردا على سياسات التهويد والاستيطان وتنكر حكومة نتنياهو لمتطلبات تسوية الصراع.

 ناهيك عن أن المجلس في دورته قبل الأخيرة أصدر قرارا بوقف كل أشكال التواصل مع الولايات المتحدة ردا على قرار نقل السفارة السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة.

لكن عباس لم يحرص عمليا فقط على تجاهل توصيات المركزي بشأن التعاطي مع إسرائيل، بل أنه خرج عن طوره لطمأنة حكومة اليمين المتطرف بأن يحرص على ضبط الأمور في الضفة الغربية بحيث لا تبرز أية تحديات يمكن أن تهدد قدرة هذه الحكومة على إمضاء سياساتها الاستيطانية والتهويدية.

ويعكف عباس، وبشكل تظاهري وفي أوقات متقاربة، على استضافة نخب سياسية وإعلامية وثقافية إسرائيلية لكي تتحول هذه اللقاءات إلى تظاهرات يؤكد فيها على التزامه بالتعاون الأمني مع الاحتلال. ويحرص على لفت أنظار ضيوفه الإسرائيليين أنه يصدر تعليمات لقادة أجهزته الأمنية بعقد لقاءات يومية مع نظرائهم الإسرائيليين لتوثيق التعاون الأمني الذي يهدف بشكل أساس إلى تجفيف بيئة المقاومة؛ التي تمثل مصدر التهديد الأبرز للمشروع الاستيطاني والتهويدي.

ليس هذا فحسب، بل أنه في الوقت الذي يؤكد عباس للإسرائيليين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرفض عقد لقاءات معه، فأنه يحرص على عقد لقاء شهري مع نداف أرغمان رئيس المخابرات الداخلية الإسرائيلي (الشاباك)، وهو الجهاز الذي يتولى بشكل رئيس مهمة التصدي للمقاومة الفلسطينية وتجفيف منابعها.

المفارقة، أن حرص عباس على إبراز حماسه للتعاون الأمني يأتي في ظل حملة انتقادات كبيرة تشنها بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية ضد حكومة نتنياهو و"الشاباك" بسبب التساهل مع التشكيلات الإرهابية اليهودية التي تستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية.

ويكفي المرء أن يستمع لمحطات الإذاعة المحلية التي تبث من مدينة الخليل ليتابع حوادث الاعتداء التي ينفذها المستوطنون هناك بقيادة باروخ مرزيل، أحد قادة حركة "كاخ" الإرهابية اليهودية، والذي أعلن مؤخرا أنها سيتنافس على رأس قائمة في انتخابات الكنيست القادمة.

وفيما يتعلق بقرار عباس الظاهري وقف التواصل مع الإدارة الأمريكية فيبدو غير مصداق، حيث أن عباس جاهر واعترف في لقاء عقد مؤخرا مع مجموعة من الساسة الإسرائيليين، بأنه يستقبل بين الحين والآخر مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية "السي آي إيه".

إلى جانب، أن ماجد فرج، مدير المخابرات العامة في السلطة قام بزيارة للولايات المتحدة بعد القرار وقف الاتصالات مع واشنطن.

اللافت أن إدارة ترامب هي التي واصلت اتخاذ القرارات العملية ضد السلطة والشعب الفلسطيني، حيث إنه إلى جانب طرد ممثل المنظمة من واشنطن، فقد أوقفت الولايات المتحدة تقديم الدعم المالي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أنروا"، وجمدت كل برامج المساعدات الأخرى، باستثناء تلك الموجهة لأجهزة السلطة الأمنية بهدف تشجيعها على مواصلة التعاون مع جيش ومخابرات الاحتلال.

وفي المقابل، وفيما يتعلق بغزة وحركة حماس، فأنه يحدث العكس تماما؛ حيث أن المجلس الوطني أوصى في جلسته الأخيرة بإلغاء كل الإجراءات العقابية التي أصدرها عباس ضد غزة. فعباس لم يرم بعرض الحائط توصيات "الوطني"، بل أنه يهدد بوجبة عقوبات أكبر وأعمق تأثيرا على الواقع الاقتصادي، وهو ما ألمح إليه بشكل واضح في كلمته أمس.

من هنا، فأنه بالاستناد إلى تجربة الماضي ومراقبة سلوك عباس، فأنه يتوجب على غزة وقاطنيها الشعور بمزيد من القلق من قرارات عباس القادمة.