د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

ما وراء رهانات إسرائيل الهائلة على الرئيس البرازيل

ما وراء رهانات إسرائيل الهائلة على الرئيس البرازيل
مقالات / 2018-11-01

خرجت حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب عن طورها في الترحيب بفوز مرشح اليمين المتطرف جاير بوسلنارو في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، وتنافست النخب اليمينية الإسرائيلية فيما بينها على التوسع في عرض رهاناتها على صعوده.

وقد سارع رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين إلى الاتصال ببوسلنارو لتهنئته وأبلغه بأنه سيحرص على المشاركة في حفل تنصيبه. وقد كتب نتنياهو على حسابه على تويتر: "أتوقع أن يقود فوز بوسلنارو إلى تكريس صداقة عظيمة بين شعبينا وتعاظم التعاون بين دولتينا".

وقد وصف وزير الاقتصاد الإسرائيلي إيلي كوهين في تغريدة على حسابه على تويتر فوز بلوسنارو بأنه يؤذن ببداية "عهد جديد من التعاون السياسي والاقتصادي بين إسرائيل والدولة الأكبر في أمريكا الجنوبية".

وقد نقل أرئيل كهانا، المعلق السياسي في صحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية عن مصدر حكومي في تل أبيب قوله إن البرازيل ستدعم إسرائيل بشكل مطلق بعد فوز بولسنارو.

وقد بدا احتفاء النخبة اليمينية في إسرائيل بفوز بوسلنارو جليا، حيث اعتبر شمعون ريكلين، مقدم البرامج الحوارية في قناة "20" اليمينية في تغريدة على حسابه على "تويتر" بولسنارو الذي وصفه بـ "المحب جدا لإسرائيل والذي لا يهمه استمرار الاحتلال" بأنه  يعكس" انتصار البرازيل للحكمة والتعقل".

وعند رصد تعهدات بولسنارو وتصريحاته أثناء حملته الانتخابية يتبين أن رهانات الحكومة والنخبة اليمينية في إسرائيل تبدو في مكانها. فبولسنارو، المتدين الذي ينتمي للتيار "الإنجليكاني"، وهو التيار الذي يدعم إسرائيل من منطلقات دينية، قد تعهد بنقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس، إلى جانب التزامه بأن تكون إسرائيل أول دولة يزورها بعد توليه مقاليد الحكم.

إلى جانب ذلك، فقد تعهد الرئيس البرازيلي الجديد بإغلاق السفارة الفلسطينية في البرازيل قائلا إن فلسطين لا تمثل دولة.

في الوقت ذاته، فأن بولسنارو، الذي زار تل أبيب قبل شهر من انتخابه، حرص على إبداء إعجابه بإسرائيل وأعرب عن رغبته في الاستعانة بالخبرات العلمية الإسرائيلية في مجال الزراعة وتحلية المياه والتقنيات العسكرية والسايبر.

ولا يعود الترقب الإسرائيلي لاستغلال فوز بولسنارو فقط لرغبة تل أبيب في توظيف الطاقة الكامنة في العلاقة مع العهد الجديدة في البرازيل، إلى مكانة هذه الدولة السياسية وبوصفها أحد الاقتصاديات العملاقة في العالم، بل أيضا لأن القيادة الإسرائيلية تتطلع أن يقطع الرئيس الجديد مع السياسات التي اعتمدها أسلافه من اليسار الاشتراكي تجاه إسرائيل.

فقد وجهت البرازيل صفعة مدوية لإسرائيل خلال حرب 2014 على قطاع غزة عندما سحبت سفيرها من تل أبيب، حيث وصفت الرئيسة البرازيلية دليما روسيف الحرب بأنها "مجزرة".

وقد اشتاطت إسرائيل غضبا من القرار البرازيلي، حيث وصف الناطق بلسان الخارجية الإسرائيلي القرار البرازيلي بأنه " هو تجسيد مؤسف للسبب الذي يجعل البرازيل، العملاق الاقتصادي والثقافي، تبقى قزمًا دبلوماسيً".

وقد وجهت الرئيسة روسيف صفعة أخرى لحكومة اليمين المتطرف في تل أبيب عندما رفضت اعتماد داني ديان، الذي رشحه صديقه نتنياهو ليكون سفيرا هناك، بسبب خلفيته كمدير عام مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وهو ما اضطر نتنياهو إلى تعيين ديان قنصلا في نيويورك.

وقد اعترفت البرازيل، تحت حكم اليسار الاشتراكي، بالدولة الفلسطينية وهو ما شجع الكثير من دول أمريكا الجنوبية على اتخاذ موقف مماثل، إلى جانب حقيقة أن البرازيل ظلت تصوت بشكل مثابر ضد إسرائيل في المحافل الدولية.

وبوصفها عضو في مجموعة "الدول ذات الاقتصاديات الصاعدة"( BRICS)، التي تضم: الصين، الهند، روسيا، وجنوب أفريقيا،  اتخذت البرازيل موقفا متشددا إزاء إسرائيل، ورفضت الدعوات للتعاون معها.

وقد استاءت إسرائيل كثيرا من معارضة البرازيل فرض العقوبات ضد إيران في العام 2009، إلى جانب استقبالها الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، وقيام الرئيس اليساري لويس لولا بزيارة طهران.

وقد أثار لولا حنق الإسرائيليين عندما رفض عند زيارته تل أبيب عام 2010 وضع أكليل من الزهور على ضريح مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزيل، في حين لم يتردد في اعتمار الكوفية الفلسطينية وزيارة ضريح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال زيارته لرام الله.

من هنا، فأن إسرائيل تراهن على فوز بولسنارو في تعزيز مكانتها الدولية مستغلة مكانة البرازيل كقوة إقليمية رئيسة في أمريكا الجنوبية وكقوة دولية، ناهيك عن أن رهان تل أبيب على حدوث تحول على أنماط تصويت البرازيل في المحافل الدولية بما يمثل إسنادا لسياسات تل أبيب تجاه الشعب الفلسطيني.

وتتوقع تل أبيب أن تعمد البرازيل تحت قيادة بولسنارو إلى تقليص علاقتها مع إيران وأن تتعاون مع إسرائيل في وقف تسلل طهران إلى أمريكا الجنوبية، عوضا عن إزالة الموقف القضية الفلسطينية كأحد الاعتبارات التي تحكم سياستها تجاه تل أبيب.

وقد استمدت إسرائيل الكثير من التشجيع من بعض مقربي بولسنارو، الذين عبروا خلال حملته الانتخابية على رفضهم لحركة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل (BDS).

ولا يساور المسؤولين الإسرائيليين شك بأن رغبة بولسنارو الجامحة في تعزيز العلاقة مع إدارة ترامب سيمثل عاملا مهما إضافيا في دفعه لتعزيز العلاقات مع تل أبيب.

لكن في المقابل، فأن هناك في تل أبيب من يدعو القيادة الإسرائيلية للتعامل مع بولسنارو بحذر والحرص على عدم التماهي مع خطابه العنصري، على اعتبار أن هذا السلوك قد ينعكس سلبا على مصالح إسرائيل في مناطق أخرى وفي البرازيل في في مرحلة ما بعد سولسنارو.