د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

غزة بعد جولة التصعيد الأخيرة: حرب شاملة أم تهدئة؟

غزة بعد جولة التصعيد الأخيرة حرب شاملة أم تهدئة
مقالات / 2018-11-15

ستؤثر نتائج جولة المواجهة القصيرة التي اندلعت قبل ثلاثة أيام بين المقاومة الفلسطينية في غزة وإسرائيل والتي تواصلت على مدى 48 ساعة، بشكل كبير على مستقبل الأوضاع في القطاع والعلاقة بين غزة وتل أبيب.

فعند محاولة استجلاء نتائج هذه المواجهة، التي تعد، رغم قصرها، الأعنف منذ انتهاء حرب 2014، يبدو للوهلة الأولى أنه يمكن الولوج إلى استنتاجات متضاربة بشأن تأثيرها على مستقبل الواقع السياسي والأمني والاقتصادي في قطاع غزة، حيث أنها يمكن أن تسهم هذه الجولة في تحسين فرص انجاز مسار تهدئة، يفضي إلى انهاء حالة الحصار المفروض على غزة، أو على الأقل يحسن من الظروف الاقتصادية في القطاع بشكل جذري. وفي الوقت ذاته، فأن بعض تداعيات هذه المواجهة يمكن أن تمهد الطريق تحديدا لاندلاع مواجهة شاملة بين المقاومة وإسرائيل.

فالذي يستنتج أن هذا المواجهة ستحسن فرص التوصل لمسار تهدئة طويل وثابت بين إسرائيل والمقاومة قد يعزو ذلك إلى أن السلوك الإسرائيلي خلالها دلل على أن تل أبيب غير معنية بالتصعيد، حيث ردت إسرائيل بشكل محدود نسبيا على تجرؤ المقاومة على السير خطوة إضافية في سعيها لتغيير قواعد الاشتباك عبر قصف العمق الداخلي الإسرائيلي بصواريخ ذات قدرة تدميرية كبيرة مقارنة بالجولات الماضية.

وفي الواقع، فأن النخب الحكم  الإسرائيلية الأكثر قربا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد أعادت للأذهان أثناء المواجهة التذكير بالعوامل التي تدفع الأخير إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة مع حركة حماس.

 فحسب هؤلاء، فأن أية حرب شاملة يمكن أن تشنها إسرائيل على غزة ستنتهي إلى نفس النتائج التي انتهت إليها حرب 2014؛ على اعتبار أن إسرائيل ستظل تواجه تداعيات المعضلة الإنسانية في القطاع، مع كل ما ستتحمله إسرائيل من خسائر بشرية ومادية وسياسية.

 إلى جانب ذلك، فأن الذي يرفضون الانجار لمواجهة شاملة يشيرون إلى أنه لا يوجد هناك طرف ثالث يمكن أن يتولى مقاليد الأمور في القطاع في حال عمدت تل أبيب إلى إسقاط حكم حماس بعد تنفيذ حرب برية في عمق القطاع؛ مع إيضاحهم أنه ليس في حكم الوارد التورط بإعادة احتلال القطاع بسبب ما ينطوي عليه الأمر من مخاطر إستراتيجية.

إلى جانب ذلك، فأن أولئك الذين يدافعون عن قرار نتنياهو الموافقة على وقف إطلاق النار يرون أن التهدئة مع حماس استحقاق تفرضه متطلبات مواجهة التحديات الكبيرة على الجبهات الأخرى، سيما الشمالية، والحاجة إلى تجنب أي مسار يمكن أن يؤثر سلبا على نجاح موجة العقوبات التي فرضها الإدارة الأمريكية على إيران بهدف إجبارها على الموافقة على إعادة التفاوض على مستقبل برنامجها النووي.

لكن، رغم كل ما تقدم، فأن هناك ما يدفع للاعتقاد أن الجولة الأخيرة ستمهد لاندلاع مواجهة شاملة مع المقاومة في قطاع غزة، على الرغم  من كل المسوغات الإستراتيجية التي ساقها المقربون من نتنياهو لتبرير الموافقة على وقف إطلاق النار مع المقاومة.

إن أكثر العوامل التي قد تسهم في تجنب إسرائيل العودة لمسار التهدئة وتدفعها للاستعداد لشن حرب شاملة على القطاع يتمثل في حقيقة أن الجولة الأخيرة، رغم محدوديتها، قد تركت أثارا عميقة على الرأي العام الإسرائيلي، الذي رأى في نتائجها خنوعا لحركة حماس.

فقد تجاوزت ردة الفعل الجماهيرية الغاضبة على نتائج الجولة الأخيرة رد الجمهور الإسرائيلي على نتائج حرب 2006، التي وصفت في حينها بأنها حرب فاشلة، حيث أنه لم يحدث منذ حرب 73، أن انطلقت مظاهرات عفوية احتجاجا على نتائج مواجهة أو حرب مع طرف عربي، كما حدثت في المواجهة الأخيرة.

 ومما يزيد من خطورة دلالات ردة الفعل الجماهيرية حقيقة أنها تركزت في المناطق التي تحتضن قواعد اليمين والليكود على وجه الخصوص، في سديروت، نتيفوت، أوفاكيم وغيرها.

إلى جانب ذلك، فأن استقالة وزير الحرب أفيغدور ليبرمان احتجاجا على ما اعتبره "الخضوع الإسرائيلي للإرهاب"، ستقلص من هامش المناورة أمام نتنياهو داخل الائتلاف الحاكم وستزيد من الضغوط عليه لاستعادة الردع في مواجهة حماس من خلال شن حملة واسعة على القطاع.

في الوقت ذاته، فأن أن كلا من المعارضة "اليسارية" ومعظم النخب العسكرية في الاحتياط ووسائل الإعلام تحرص على عرض نتيجة الجولة الأخيرة من المواجهة كخنوع لحماس، وهو ما يضعف موقف نتنياهو ويدفعه لإعادة تقييم موقفه من أنماط التعاطي مع التحدي الذي تمثله غزة.

وهناك ما يدلل على أن نتنياهو، بات لا يأخذ فقط هذه الانتقادات بالاعتبار، بل أنه ألمح بعد انتهاء الجولة الأخيرة بأن لديه نية لشن حملة كبير على القطاع، على الرغم من أن المسوغات التي ساقها حتى الآن لتبرير عدم الإقدام على هذه الحملة.

وقد نقلت "هارتس" في عددها الصادر اليوم عن نتنياهو قوله: "لا يمكنني أن أقدم إيضاحات حول مخططاتنا للمستقبل، لكننا سنختار الظروف والتوقيت المناسب للعمل الملائم لأمن إسرائيل". ومما يعزز الاعتقاد بأن إسرائيل ستتجه إلى شن عمل عسكري واسع ما قاله الوزير يوآف غالانت، عضو المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن، الذي قال في مقابلة مع قناة التلفزة الثانية الليلة الماضية: "قد نصل في النهاية لمواجهة شاملة لكن وفق الظروف التي نحددها نحن وليس وفق الظروف التي تحددها حماس".

ومن الواضح انه في حال عمدت إسرائيل لشن حملة عسكرية فأنه ليس بالضرورة أن تفضي إلى إعادة احتلال القطاع؛ بل يمكن أن تأخذ شكل توجيه ضربات جوية متلاحقة على مدى زمني طويل، وتنفيذ عمليات اغتيال واسع، مع تنفيذ عمليات توغل محدودة، كما يدعو لذلك وزير التعليم نفتالي بنات.

وليس من المستبعد أن تعمد إسرائيل إلى اصطياد هدف ثمين لحماس في الخارج، وعلى وجه الخصوص صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، الذي تتهمه إسرائيل بالاشراف على توجيه العمليات ضدها في الضفة الغربية.

الذي يدفع للاعتقاد أن هذا مسار التحرك الإسرائيلي حقيقة أن الولايات المتحدة قد وضعت العاروري على قائمة الإرهاب وخصصت 5 مليون دولار لمن يدلي معلومات حوله.

وعلينا أن نتذكر أن كل الشخصيات التي قامت إسرائيل باغتيالهم من حزب الله تم الأمر بعد إعلان الولايات المتحدة أهم ضمن قوائم الإرهابيين لديها.

وبغض النظر عما إذا كان سيناريو العمل العسكري سيتحقق أم لا، فأنه من شبه المؤكد أن نتائج المواجهة الأخيرة ستؤثر سلبا على الجهود الهادفة لتحقيق التهدئة.

ومما يفاقم الأمور تعقيدا حقيقة أن تعذر التوصل لاتفاق مصالحة داخلية يسمح بعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع سيقلص من فرص نجاح الجهود الهادفة للتوافق على مسار تهدئة يفضي إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في القطاع، دون أن تكون حماس في صورة المشهد.

فمن المستبعد أن تسمح إسرائيل بعد هذه الجولة بتسهيلات جوهرية للقطاع، على اعتبار أن الرأي العام الإسرائيلي سيفسر ذلك على أنه "مكافأة" لحماس. وإذا سمحت تل أبيب بمثل هذه التسهيلات فقد يكون الأمر مرتبط بخديعة تهدف إلى دفع المقاومة للتراخي من أجل تحسين قدرة إسرائيل على توجيه ضربة موجعة لها.