د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

ما المكاسب التي ستجنيها إسرائيل من تهافت العرب على

ما المكاسب التي ستجنيها إسرائيل من تهافت العرب على

قد يكون من المفارقة أن بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة اليمينية الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل هو الذي تتهافت العديد من الدول العربية والإسلامية على التطبيع مع تل أبيب في عهده.

ففي الوقت الذي تتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية عن اتصالات لتدشين علاقات دبلوماسية مع البحرين والسودان، وفي أعقاب زيارة عمان، والمؤشرات الفجة التي تدلل على طابع الشراكات والتعاون بين إسرائيل ونظام الحكم السعودي، وزيارة رئيس تشاد، الدولة الإفريقية الإسلامية لتل أبيب، تعلن حكومة نتنياهو عن إجراءات عملية لاقتطاع الضفة الغربية بالكامل مع خلال ضم المستوطنات النائية، التي أقامتها في أطراف الضفة إلى مناطق التفضيل القومي من حيث الموازنات والموارد، وفي ظل عكوفها على خطة لأسرلة القدس الشرقية بالكامل.

ولكي يدلل نتنياهو عن أن سياسات حكومته المتطرفة تجاه الصراع مع الفلسطينيين لا تعد عائقا مع تحسين بيئة إسرائيل الإقليمية فقد تباهى أمس أمام كتلة حزبه البرلمانية بأنه لديه 40 دعوة لزيارة دول منها دول عربية وإسلامية، وأنه عازم على إجابة أربع دعوات فقط.

ومن الواضح أن صناع القرار في تل أبيب باتوا يرون في الاستعداد للتطبيع ضوء أخضر عربي لحكومة اليمين المتطرف باستنفاذ مخططاتها الهادفة إلى حسم مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ وهذا ما يفسر أن وزراء في حكومة نتنياهو كثفوا مؤخرا من دعواتهم لضم مناطق "ج"، التي تمثل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية لإسرائيل، وزيادة وتيرة تنفيذ مشروع "E1"، الذي سيفضي إنجازه إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها؛ لمنع قيام دولة فلسطينية ذات إقليم متصل.

وبات في حكم المؤكد أن موجة التطبيع الواسعة ستحسن من هامش المناورة أمام إسرائيل في إدارة علاقتها بالأطراف العربية التي تربطها بها اتفاقات سلام وتسوية، سيما الأردن، والسلطة الفلسطينية.

فمن الواضح أن هناك ميل واضح لدى العديد من نظم الحكم العربية بعدم ربط علاقتها بإسرائيل بطابع سلوك تل أبيب إزاء الصراع، مما يعني انكشاف قيادة السلطة الفلسطينية، التي سيكون من الصعب عليها مواصلة تبرير نمط علاقتها الحالي مع تل أبيب في ظل السعي الحثيث لحسم مصير الأراضي الفلسطينية. وهذا ما دفع السلطة للدعوة لعقد اجتماع للجامعة العربية لمناقشة مخاطر التطبيع وانعكاسه على القضية الفلسطينية.

إلى جانب ذلك، فأن موجة التطبيع ستضعف موقف الأردن الذي قد يواجه حاليا إجراءات عقابية إسرائيلية في حال لم يتراجع عن قراره بوقف تأجير منطقتي "الباقورة" و"الغمر"، كما يطالب وزراء في حكومة نتنياهو.

في الوقت ذاته، فأن تطور العلاقة بين تل أبيب والدول العربية سيفرض على نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بذل جهود أكبر للحفاظ على مكانته لدى الإدارة الأمريكية وإسرائيل.

ومن الواضح أن موجة التطبيع تعني توفير بيئة إقليمية تسمح لإسرائيل باستنفاذ مخططاتها العسكرية لمواجهة التحديات على الجبهتين الجنوبية والشمالية. وإن كان نتنياهو يلمح بأن إسرائيل في أوجه معركة لم تنته، فأن موجة التطبيع ستحسن من قدرة إسرائيل على العمل لمواجهة حركة حماس في الجنوب أو حزب الله والإيرانيين في الشمال. مع العلم أن بعض نظم الحكم العربية لم تخف موقفها المعادي مع القوى التي في حال صراع متواصل مع إسرائيل.

فعلى الرغم من أن حركة حماس لم يحدث أن استهدفت السعودية، إلا أن ولي العهد السعودي وصف الحركة بأنها "تهديدا للأمن القومي" السعودي، في مقابلة مع إحدى الصحف الأمريكية.

ونظرا لحاجة بن سلمان إلى مواصلة الدعم الإسرائيلي  في محاولته الإفلات من تبعات قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، فأن الرياض يمكن أن تذهب شوطا أبعد في تعاونها الإستراتيجي والأمني مع إسرائيل. وقد سبق أن أقر وكيل الخارجية الإسرائيلي الأسبق دوري غولد بأنها بناء على طلب إسرائيل قامت السعودية بفرض قيود على حركة نقل الأموال للأراضي الفلسطينية المحتلة حتى لا تصل لحركات المقاومة.

في الوقت ذاته، فأن التطبيع مع العالم العربي يسمح لإسرائيل باستنفاذ الطاقة الكامنة في المشاريع الإقليمية الضخمة التي تراهن على عوائدها في تحسين واقعها الاقتصادي، سيما خط السكة الحديدي الذي يفترض أن يربط تل أبيب بعدد من الدول الخليجية. مع العلم أن التقديرات الأولية في إسرائيل تفيد بأن عوائد سنوية بقيمة مليارات الدولارات ستعود على الخزانة الإسرائيلية في حال تم تدشين المشروع.

من ناحية ثانية فأن إسرائيل تراهن على دور موجة التطبيع في مساعدتها على تحقيق مكاسب أمنية ذات طابع إستراتيجي. فعلى سبيل المثال، فأن إسرائيل ترى أن نظام الحكم في السودان المعني بالخروج من قائمة الإرهاب الأمريكية قد يكون مستعدا ليس فقط لبناء علاقتها دبلوماسية معها، بل أيضا يمكن أن يتعاون في منع حركة نقل السلاح الإيراني إلى حزب الله وحركة حماس، حيث أن إسرائيل كانت تتهم السلطات السودانية بالسماح بنقل السلاح إلى هذين الفصيلين، مع العلم أن إسرائيلس سبق أن شنت عمليات قصف داخل الأراضي السودانية.

كما  تجاهر المحافل الإسرائيلية بأن العلاقة مع السودان قد تسمح لطائرات شركة الطيران الإسرائيلية "إل عال" بتقصير المسافة التي تقطعها في ذهابها وإيابها من البرازيل، في حال تم سمح لها بالتحليق في الأجواء السودانية.

ومما لا شك فيه، فان انفتاح المزيد من الدول العربية على إسرائيل سيشجع دولا إسلامية لا تقيم علاقات مع إسرائيل على تدشين علاقات معها، حيث أنه لولا التحول على مواقف الدول العربية لما أقدمت دولة إسلامية مثل تشاد على تطوير علاقتها مع إسرائيل على هذا النحو.

وتنطوي بعض الاختراقات في العلاقات مع بعض الدول على مكاسب هائلة  لإسرائيل بشكل خاص. فعلى سبيل المثال، فأن أهم المكاسب التي تراهن إسرائيل على جنيها من تطوير العلاقة مع تشاد يتمثل في استيراد اليورانيوم، حيث أن تشاد تضم احتياطيا كبيرا من هذا المعدن، الذي ترى تل أبيب في مواصلة الحصول عليه ضمانة لتعاظم مشروعها النووي العسكري.

وتراهن تل أبيب على موجة التطبيع في تحسين مكانتها الدولية من خلال زيادة الدعم لها في المحافل الأممية، سيما إحباط مشاريع القرارات والقوانين التي تستهدفها، سيما في الجمعية العامة.

ومن نافلة القول، إن موجة التطبيع ستحسن مكانة اليمين في إسرائيل وستفضي إلى مزيد من التراجع على مكانة القوى التي تمثل الوسط واليسار.

 

 

 

فحتى خصوم نتنياهو الأكثر صخبا داخل إسرائيل يقرون أنه يتمكن، على نحو غير مسبوق، من تحسين مكانة إسرائيل الإقليمية، على الرغم من إصرار حكومته على مواصلة الاستيطان والتهويد ورفض الوفاء بأدنى استحقاقات تسوية الصراع مع الفلسطينيين.

ومما سبق يتضح أنه إن كانت بعض قوى اليمين في إسرائيل مستعدة لتقديم تنازلات للفلسطينيين في إطار تسوية إقليمية شاملة مقابل تطبيع الدول العربية علاقتها مع تل أبيب، فأن موجة التطبيع الحالية تدلل على تل أبيب تغنم مكاسب جمة بدون أي مقابل، وهو ما يعني أن التسوية الإقليمية تستحيل تدريجيا إلى الحل الإسرائيلي.