د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

تأجيج الوعي لمواجهة التطبيع

تأجيج الوعي لمواجهة التطبيع
مقالات / 2018-12-08

على الرغم من أنه سبق لأنظمة الحكم العربية أن عمدت في الماضي إلى المبادرة إلى أنماط تطبيع متباينة مع الكيان الصهيوني، إلا أن موجة التطبيع الحالية مع الاحتلال تمثل نقلة نوعية في تعاطي هذه النظم في التواصل مع الكيان إسرائيل.

ولا تمثل هذه الموجة فقط تحولا لجهة حجمها ومظاهر التصميم الذي تظهره الأنظمة في إمضائها، بل بشكل أساس لأنه، بخلاف ما كانت عليه الأمور في موجة التطبيع الماضية التي جاءت بعيد التوقيع على اتفاقيات أوسلو وفي ظل وجود حكومة إسرائيلية تتبنى المفاوضات وتعلن استعدادها لحل الدولتين، فأن موجة التطبيع الحالية تأتي في ظل وجود حكومة يمينية هي الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان، وتعلن بشكل واضح صريح رفضها الوفاء بأدنى متطلبات تحيق التسوية.

مسوغات التطبيع

تدعي نظم الحكم والنخب المرتبطة بها أن التطبيع مع الاحتلال الصهيوني بات ضرورة لمواجهة تحديات مشتركة تواجه الطرفين وأنه لا يمكن التفريط بالتعاون مع الكيان الصهيوني والتنازل عن عوائده بسبب عدم التوافق على حل للقضية الفلسطينية.

وعادة ما تتم الإشارة إلى مواجهة "التهديد الإيراني" كمصلحة مشتركة لتسويغ للتطبيع مع الصهاينة. لكن وإن كان التهديد الإيراني قائم بالفعل بالنسبة لبعض دول الخليج، إلا أن السبب الرئيس وراء موجة التطبيع يكمن تحديدا في أزمة الشرعية التي تواجهها بعض نظم الحكم في هذه الدول.

فهذه الأنظمة، التي تحتاج إلى الغطاء الأمريكي، تعتقد أن الطريق إلى قلب ترامب يمر بالضرورة بتل أبيب، وهذا ما يفسر طغيان الرسائل التي تبعث بها بعض أنظمة الحكم الخليجية، وبشكل خاص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي التقى وفد الإنجليكانيين الصهاينة بقيادة الصهيوني جويل روزنبيرغ، الذي قال إن بن سلمان لم يطلعهم فقط على طابع وعمق العلاقات السرية التي تربط تل أبيب بالرياض، بل إنه وعدهم بأن يدفع "رجال الدين لديه" بأن يسوغوا السماح لليهود والمسيحيين ببناء دور عبادة لهم في السعودية.

ومما لا شك فيه أن الأزمة الخليجية لعبت دورا رئيسا في تسويغ التطبيع، حيث أن الاندفاع للتطبيع جاء بفعل الاستجابة لتوصيات شركات العلاقات العامة العاملة في واشنطن، والتي أقنعت أنظمة الحكم في هذه الدول بأن مظاهر التطبيع مع الصهاينة ستسمح بتجنيد الإدارة والكونغرس لصالح هذا الطرف أو ذاك، مما أوجد حالة تنافس على التطبيع، أفادت منه تل أبيب، دون أن تقدم أية تنازلات.

هل بالإمكان مواجهة التطبيع؟

لأول وهلة، ونظرا لأن التوجه نحو التطبيع هو خيار أنظمة الحكم السياسية ذات التوجه الاستبدادي التي لا تقيم وزنا للرأي العام، فأنه يبدو أن مواجهة التطبيع لن تؤت أكلها.

لكن في الحقيقة أنه بالإمكان ليس التصدي لقطار التطبيع وفرملته، بل يمكن أيضا تقليص هذه الموجة إلى حد كبير، ونزع الشرعية عن هذا الخطر الذي يتهدد منعة الأمة، في حال تم تبني آليات عمل مناسبة لمواجهته.

فعلى الرغم من الطابع الاستبدادي لنظم الحكم التي تندفع للتطبيع، فأنها في الوقت ذات تبدي حساسية كبيرة إزاء ما يستقر في ضمير الأمة كمحرمات ومسا بمقدساتها وتعديا عل ثوابتها.

لذلك، فأن هذه الأنظمة قد مهدت لموجة التطبيع من خلال حملة تنفذها نخب العار المرتبطة، حيث هدفت الحملة إلى المس بالمسوغات التي يقدمها أحرار الأمة لمواجهة التطبيع، سيما التركيز على قضية فلسطين والقدس والأقصى وعداء الصهاينة للأمة، إلى جانب إطناب هذه النخب في الحديث عن "إيجابيات" الكيان الصهيوني ودوره "الإيجابي" وإمكانية التعاون معه في مواجهة التحديات المشتركة.

من هنا، فأن آليات مواجهة التطبيع يجب أن تركز، ليس فقط على مواجهة هذه الحملة وإبراز حجم وطابع الجرم الذي يمثله التطبيع مع الاحتلال، بل أيضا التدليل على أن التطبيع يفضي إلى النقيض من "الإنجازات" التي تدعي أنظمة الحكم أنها تراهن على تحقيقها من خلاله.

من هنا، فأن مقاومة التطبيع يجب أن تنطلق من التركيز على أنماط التحرك الهادفة للتأثير على الوعي الجمعي للجمهور العربي والإسلامي وتأجيجه ضد هذا الوباء.

تأجيج الوعي العربي ضد التطبيع

على الرغم من أن هناك الكثير من آليات التحرك التي يمكن القيام بها لمواجهة التطبيع، إلا أن أكثر الآليات نجاعة في المرحلة الأول هي تلك المتعلقة باستثارة الوعي الجمعي للجمهور العربي والإسلامي.

من هنا، فأنه يتوجب توظيف كل الأدوات والمساحات التي يمكن عبرها الوصول إلى الجماهير العربية والإسلامية للتأثير على وعيها، سيما وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن بواسطها تجاوز القيود التي تفرضها الأنظمة والتي تراهن عليها في التحكم بالمعلومة.

ويمكن أن يتم تصميم آليات التحرك لمواجهة التطبيع لتحقق الأهداف التالية:

أولا: لفت نظر الجمهور العربي والإسلامي لطابع السياسات العدائية التي يتبعها الكيان الصهيوني لتهويد القدس والمس بإسلامية المسجد الأقصى وإبراز جرائمه ضد الشعب الفلسطيني من خلال إحصائيات موثقة.

ثانيا: إبراز مظاهر العنصرية الصهيونية ضد العرب (وليس فقط الفلسطينيين) من خلال الإشارة إلى نتائج الأبحاث الإسرائيلية التي تدلل على ذلك. فعلى سبيل المثال، الإشارة إلى حقيقة أن شعار "الموت للعرب" هو الشعار الذي يردده مشجعو فرق كرة القدم الإسرائيلية إلى جانب أنه الشعار الذي تختاره أغلبية الإسرائيليين لصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ثالثا: التركيز على الملفات السوداء للمسؤولين الصهاينة الذين يتم استقبالهم في العواصم العربية. فعلى سبيل المثال، قامت وزيرة الثقافة والرياضة الصهيونية ميري ريغف بزيارة لأبو ظبي حيث رأست وفدا رياضيا للمشاركة في مسابقة الجودو، حيث سمحت السلطات الإماراتية بإنشاد النشيد "الوطني" الصهيوني، وتم تنظيم زيارة لريغف في مسجد "زايد" في المدينة.

 وكان بالإمكان إبراز الوجه الحقيقي لريغف، من خلال الإشارة إلى كونها إحدى القيادات المتطرفة في حزب الليكود، ومن الذين برزوا بشكل خاص في التعدي بشكل عنصري على الأمة ورموزها. ويمكن لفت الجمهور العربي والإسلامي إلى أن ريغف وصفت الآذان الذي يصدح في المسجد الأقصى بأنه "نباح كلام محمد".

ويمكن على نفس النسق إبراز سجل المسؤولين الصهاينة الذين يديرون ملف التطبيع مع العالم العربي، وهما رئيس الموساد يوسي كوهين، ومستشار الأمن القومي لنتنياهو مئير بن شابات.

رابعا: التركيز على حقل العنصرية الصهيونية في شقها الديني من خلال لفت نظر الجمهور العربي والإسلامي إلى الطابع العنصري الدموي للسجال الفقهي الدائر حاليا بين المرجعيات اليهودية والذي تعكسه الفتاوى التي يصدرها كبار الحاخامات، والتي تحث بشكل سافر على استباحة دماء العرب كونهم عربا وتدعو لتدمير مقدسات المسلمين في كل مكان، ناهيك عن تحقير هذه الفتاوى للعربي والحط من قدره.

خامسا: نسف الحجة القائلة بأن التطبيع مع الصهاينة يمثل مقدمة للاستفادة من خدماتهم في مواجهة تحديات مشتركة، سيما "التهديد الإيراني"، من خلال تقديم ما يدلل بشكل قاطع على دور الصهاينة في المس بمصالح الدول التي تطبع أنظمة حكمها معهم.

 فعلى سبيل المثال، تمكن الإشارة بالتوثيق إلى إقرار الصهاينة بالتحرك لدى واشنطن لمنعها من تزويد السعودية والإمارات بطائرات متطورة من طراز "إف 35" ومفاعلات نووية، بزعم ان نظامي الحكم في هاتين الدولتين يمكن أن يسقطا، مما يعني أن هذه المقدرات العسكرية يمكن أن تقع في أيدي جهات معادية.

إلى جانب إبراز حقيقة أن إسرائيل تصمم حملتها ضد المشروع النووي الإيراني لكي تستفيد هي فقط وأنها توظف دول الخليج فقط من أجل مساعدتها على تحقيق أهدافها.

ويمكن أن يتم ترجمة هذه الرسائل عبر حملات على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال اعتماد تسويق المناشير والتغريدات الممولة، وترجمتها باللغات السائدة في عدد من الدول الإسلامية، سيما تلك المرشحة لسلوك مسار التطبيع.

وبالطبع يمكن استنباط الكثير من الأدوات والأفكار التي يمكن عبرها التأثير على وعي العرب والمسلمين الجمعي وتجنيده ضد التطبيع وصولا إلى شيطنته ونزع الشرعية عن حق أنظمة الحكم في مواصلته.