د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

كيف تجند الاستشراق الإسرائيلي للدفاع عن السيسي وتش

كيف تجند الاستشراق الإسرائيلي للدفاع عن السيسي وتش

يعربد التسطيح وتسود الركاكة وتعصف الضحالة بالمقارنة التي يعقدها رؤفين بيركو بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والحجاج بن يوسف الثقفي.

فبيركو،الذي ينظر إليه في إسرائيل والغرب كـ "مستشرق" أراد أن يلفت نظر الغرب إلى "العوائد الإيجابية" للاستثمار في دعم نظام السيسي،من خلال المحاججة بأن تاريخ الشرق أثبت أن الحكام الذي يعتمدون القمع الوحشي ضد شعوبهم هم فقط الذين يضمنون الاستقرار،الذي يفضي في النهاية إلى تأمين مصالح الغرب.

فمن خلال كتاباته في صحيفة "يسرائيل هيوم"،يحاول بيركو بشكل بائس،أن يثبت أنه بنظرة للوراء فقد تبين أن "سيف الحجاج" وليست "شعرة معاوية" هو من ضمن الاستقرار في المنطقة لحقبة طويلة من الزمن.

لو أن جمهور قراء بيركو يقتصر على الصهاينة في إسرائيل لما كان الأمر يستدعي الاهتمام والملاحظة، فالحقائق لا تعني شيئاً بالنسبة لهؤلاء،حيث تعد المواقف المسبقة خلفية الأحكام على العربي. لكن الكثير من مراكز التفكير ووسائل الإعلام في الغرب تبدي اهتماماً بمعرفة وجهة نظر بيركو كـ "مستشرق" في كل ما يتعلق بشؤون المنطقة. وفي بعض الأحيان،فأن بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية تستضيفه ليدلي بدلوه.

 إن أياً من المؤسسات البحثة والإعلامية التي تحرص على استضافة بيركو لم تحاول أن تتعرف على الخلفية المهنية التي أهلته ليكون "مستشرقا". إن مقاربات بيركو للشرق وقضاياه لا تتأثر بشكل رئيس من دراسته للدين الإسلامي وتاريخ الشرق والثقافة العربية،بقدر تأثرها بالخبرات التي كان مطالباً باكتسابها عندما عمل لعقدين من الزمن كضابط في وحدة "العملاء والأسرى" في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، والتي يطلق عليها "الوحدة 504".

 وتتخصص هذه الوحدة في تجنيد العملاء في صفوف العرب والتحقيق مع المقاتلين العرب الذين يأسرهم الجيش في حملاته وحروبه. فقد تم اعداد بيركو،وزملاءه، ليملكوا الأدوات التي تؤهلهم لاقناع ضعاف النفوس من العرب بقبول العمل كمخبرين ودفع الأسرى الذين يقعون في أيدي جيش الاحتلال لتقديم اعترافات تحت الإكراه والتعذيب الوحشي. لقد كان بيركو زميلاً لدورون زهافي،الملقب بـ "كابتين جورج الرهيب"،الذي كان يحرص على اغتصاب الأسرى العرب من أجل دفعهم لتقديم اعترافات بشكل سريع،كما أكد القضاء الإسرائيلي العام الماضي.

من هنا،فأن عالم بيركو المعرفي والسيكلوجي حول العرب تبلور بشكل أساس داخل سلخانات التعذيب وأقبية التحقيق في سجون الاحتلال. لا يعد بيركو بدعاً من "المستشرقين" الصهاينة،فكثير من هؤلاء كانت خلفياتهم المهنية العمل في أحد الأجهزة الاستخبارية الرئيسة،وهي: الموساد،أمان، أو "الشاباك".

 وإن كان إداورد سعيد قد عرف الاستشراق بأنه:"نوع من الإسقاط الغربي على الشرق وإرادة حكم الغرب للشرق"، فأن الاستشراق الصهيوني يمثل التجسيد الأكثر فظاظة لهذا المفهوم. فاستناداً إلى دراسات الاستشراق واستنتاجاتها تم تشكيل وحدات المستعربين التي عملت ضد الفلسطينيين منذ أوساط الثلاثينيات القرن الماضي وأسهمت في إعداد خطة "دالت" التي تم من خلالها تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، وتطور عمل المستعربين بعد ذلك لتتولى وحداتهم حتى يومنا هذا تنفيذ عمليات الاغتيال ضد قادة ونشطاء المقاومة الفلسطينية. لا يتردد المستشرقون الصهاينة في لي أعناق النصوص والولوج إلى نتائج غير مصداقة من أجل تشويه الإسلام على نحو لم يجرؤ عليه أحد قبلهم عليه.

 فالمستشرق  إيلي بن بورات يستعرض آيات من سورة المائدة لكي يدلل على أن القرآن يؤسس لصراع الحضارات من خلال التحريض على محاربة غير المؤمنين به.

 ويشكك إيلي عيزري في أصالة النصوص القرآنية من خلال بحث تناول "الناسخ والمنسوخ في القرآن" لكي يصل في النهاية إلى استنتاج مفاده أن الإسلام يعتمد "إستراتيجية واضحة للتخلص من النصوص التي يراها إشكالية.

 إن خطورة ما يقدمه المستشرقون الصهاينة تكمن في أن الغرب،وتحديداً الولايات المتحدة،قد منح هؤلاء منابر بحثية وإعلامية لتسويق ما يلفظوه من لغو وهذيان،وهو ما يسهم في تشويه صورة الإسلام لدى الغرب.

 لقد تحول المستشرقون الصهاينة إلى ضيوف رئيسيين في المؤتمرات والمنتديات التي تنظمها مراكز التفكير الأمريكية. لكن مما لا شك فيه أن أكثر ما يثير حماس المستشرقين الصهاينة هو محاولة اقناع الغرب بدعم الثورات المضادة في العالم العربي بكل ما أوتي من قوة من خلال التحذير من خطورة دمقرطة العالم العربي.

 ويكفي للمرء أن يطلع على ما ينشره "مركز يروشليم لدراسات المجتمع والدولة"،الذي يديره دوري غولد،كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو،والذي يستكتب بعض صغار الكتبة ممن يسمون أنفسهم مستشرقين،حيث يخرج هؤلاء عن طورهم في محاولة اقناع الغرب بدعم النظم الديكتاتورية في العالم العربي.

وتقتصر الأوراق التي يعدها تسفي مزال،السفير الأسبق لإسرائيل في القاهرة،والذي هو من فريق الباحثين في المركز، على إبراز العوائد "الإيجابية الهائلة" التي سيكسبها الغرب وإسرائيل في حال نجح نظام عبد الفتاح السيسي في البقاء،وتحذيره من التداعيات الكارثية لفشل هذا النظام على المصالح الغربية والإسرائيلية. لا يكتفي هؤلاء المستشرقين بتقديم رؤى فضفاضة حول دعم وتمكين الثورات المضادة في العالم العربي،بل أنهم يقدمون مقترحات تفصيلية لدعم هذه الثورات.

إن هناك حاجة لتحرك عربي وإسلامي جاد لمواجهة غثاء الأدبيات الاستشراقية الإسرائيلية والتصدي لها وفضح ركاكتها والتدليل على عدم تماسكها لإفشال الحرب الهادفة إلى تشويه الإسلام واستنفار الغرب لدعم نظم الاستبداد.

 وفي المقابل،هناك حاجة ماسة للفت نظر العالم لخطورة الخطاب العنصري والفاشي السائد في إسرائيل،والمستند للتراث الديني اليهودي تجاه الفلسطينيين والعرب. ولا حاجة هنا للإشارة للمقال الذي نشره رئيس الكنيست الأسبق أبراهام بورغ،الذي عد الفتاوى التي يصدرها الحاخامات هي أكبر مصدر لصراع الحضارات في المنطقة.