د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

الابتزاز وسيلة الاستخبارات الإسرائيلية الأبرز في ت

الابتزاز وسيلة الاستخبارات الإسرائيلية الأبرز في ت

تدلل التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية في فلسطين وفي العديد من الدول العربية مع عملاء تم تجنيدهم لصالح إسرائيل على الدور الحاسم والكبير الذي يلعبه الفضاء الإلكتروني في تمكين المخابرات الإسرائيلية من الاحتفاظ باحتياطي من المصادر البشرية، التي لا تسهم فقط في تزويد الصهاينة بالمعلومات الاستخبارية الدقيقة، بل أن هذه المصادر باتت تعد مركبا أساسيا من مركبات الجهد الميداني والعملياتي للمخابرات الصهيونية.

وقد منح الفضاء الإلكتروني المخابرات الإسرائيلية بتصنيفاتها المختلفة: جهاز المخابرات والمهام الخاصة (الموساد)، جهاز المخابرات الداخلية (الشاباك)، وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، فرصا كبيرة وحسن من قدرتها على تجنيد العملاء. فقد ألقى الفضاء الإلكتروني تأثير قيود الجغرافيا وقلص الحاجة إلى الاحتكاك المباشر بين رجل المخابرات الإسرائيلي والعناصر العربية المرشحة للتجنيد.

فمن خلال مكتبه في تل أبيب، بإمكان رجل المخابرات، تحت اسم مستعار، التواصل مع شرائح مختلفة من الجماهير العربية التي ترتاد مواقع التواصل الاجتماعي.  ونظرا لأن الحسابات الشخصية وصفحات مرتادي مواقع التواصل تتضمن معلومات شخصية حولهم، فقد سهل الأمر على رجل المخابرات الإسرائيلية مهمة تحديد الأشخاص المناسبين للتجنيد. في الوقت ذاته، فأن نشاط الشباب العربي على مواقع التواصل وطابع ما ينشرونه من معلومات شخصية يمثل رافدا آخر يصب في تحقيق نفس الهدف.

وتبادر المخابرات الإسرائيلية إلى تدشين حسابات وصفحات بهدف استدراج الشباب الفلسطيني والعربي لبراثن العمالة. فعلى سبيل المثال، هناك ما يدلل على أن بعض الصفحات على "الفيسبوك" تهدف بشكل خاص إلى تجنيد الشباب الفلسطيني لصالح المخابرات، مثل صفحة "قرفان من غزة"، حيث تعرض الصفحة على الشاب الفلسطيني المساعدة في الهجرة وتطلب منهم أن يكتبوا أسماءهم وأرقام هواتفهم من أجل التواصل بهدف الاستدراج.

وقد دلت التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في قطاع غزة وبعض الدول العربية أن المخابرات الإسرائيلية تلجأ إلى نشر إعلانات عن فرص عمل على مواقع التواصل بهدف الاستدراج للعمالة.

فعلى سبيل المثال، دلت الاعترافات التي أدلى بها بعض عملاء ألقت السلطات المصرية القبض عليهم قبل عامين أنهم استدرجوا من قبل "الموساد" من خلال نشر إعلان عن فرص عمل.

وقد مثلت مواقع التواصل الاجتماعي حلا لمعضلات واجهتها المخابرات الإسرائيلية بسبب تحولات سياسية وأمنية أو نتاج قيود الجغرافيا. فعلى سبيل المثال بعد تطبيق خطة فك الارتباط في قطاع غزة وانسحاب الجيش الإسرائيلي وتفكيك المستوطنات في القطاع، تقلصت فرص الاحتكاك المباشر بين المخابرات الإسرائيلية والفلسطينيين.  وتدل التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية في فلسطين أن مواقع التواصل والهواتف الذكية هي الوسيلة الأهم في  الاستدراج نحو التجنيد.

وتمكن مواقع التواصل الاجتماعي المخابرات الإسرائيلية من تجنيد نوعين من العملاء. أشخاص يوافقون على الارتباط بالمخابرات الإسرائيلية ويعرفون أنهم يطبقون تعليماتها وأشخاص يرتبطون بالمخابرات الإسرائيلية ويطبقون تعليماتها دون أن يعرفوا أنهم يعملون لصالحها.

ويتضح مما تقدم أن الحلقة التي تستغل المخابرات الإسرائيلية غيابها في تجنيد العملاء هي ضعف مستوى الوعي. ولكي نوضح خطورة غياب الوعي، علينا أن نشير أن أحد الوسائل التي تستخدمها المخابرات الإسرائيلية في التجنيد هو تسجيل "مماسك أخلاقية" وتهديد الشخص بفضحه ونشرها في حال لم يوافق على الارتباط ويتطوع لتقديم المعلومات الاستخبارية التي تطلب منه. مع العلم من أنه بديهيات الوعي أن يدرك هذا الشخص أن المخابرات الإسرائيلية لا يمكنها أن تنفذ تهديدها.

وهناك حادثة واقعية في عالم الجاسوسية تدلل على أن المخابرات لا يمكنها أن تفي بتهديداتها بنشر المماسك الأخلاقية. يروي معلق الشؤون الاستخبارية الصهيوني يوسي ميلمان أن الموساد تمكن أواسط سبعينيات القرن الماضي من تصوير جنرال عربي أثناء زيارته لباريس وهو يمارس الرذيلة مع إحدى عميلات الموساد، وعندما حاول أحد مسؤولي الموساد ابتزاز الجنرال بتهديده بنشر الصور، سخر منه الأخير واقترح عليه أن يقوم هو بنشر الصور.ويضيف ميلمان أن شموئيل غورين، الذي كان يقود شعبة "تسوميت" المسؤولة عن تجنيد العملاء في الموساد طلب من أشهر ضباط جمع المعلومات والذين أثبتوا فعالية كبيرة في تجنيد العملاء في محاولة الضغط على الجنرال العربي، لكن تبين أنه "نواة صلبة"، فما كان من الموساد أن طلب من رجاله تركه الجنرال وشأنه. 

قصارى القول، يتوجب تجذير الوعي بوسائل المخابرات الصهيونية في تجنيد العملاء والتحذير منها.