د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

الكارثة الاقتصادية التي خشيتها إسرائيل بعد ثورة 25

الكارثة الاقتصادية التي خشيتها إسرائيل بعد ثورة 25

ساد قلق عميق في إسرائيل من إمكانية أن تفضي ثورة 25 يناير إلى حدوث تحولات تفضي إلى ضائقة اقتصادية، نتاج تعاظم النفقات الأمنية. فقد أسهمت اتفاقية "كامب ديفيد" وانهاء حالة العداء مع مصر إلى تحسن الظروف الاقتصادية في إسرائيل بشكل جذري.

فحسب المعطيات الرسمية الإسرائيلية، فقد مثل التوقيع على هذه الاتفاقية نقطة تحول فارقة ساعدت على حدوث طفرة اقتصادية كبيرة، بسبب تقليص النفقات الأمنية بشكل كبير، إلى جانب السماح  بتوجيه الموارد التي كانت مخصصة لمتطلبات الأمن نحو الاستثمار في مجال البنى التحتية المدنية والتقنيات المتقدمة، وغيرها من المجالات. وإثر هذا الواقع  حدث تراجع كبير على حجم الحصة التي تشغلها موازنة الأمن من كل من موازنة العامة لإسرائيل ومن إجمالي الناتج المحلي.

وقد بلغت موازنة الأمن الإسرائيلية بعد حرب العام 1973 حوالي 47% من الموازنة العامة للدولة، وهو ما مثل 37% من إجمالي الناتج المحلي، في حين انخفضت الموازنة بعد التوقيع على "كامب ديفيد" لتصبح 15.1% من الموازنة العامة، وهو ما يمثل 6% من إجمال الناتج المحلي . وقد أطلق خبراء الاقتصاد على العقد الذي تلا حرب 73 مصطلح "العقد المفقود"، حيث أن قيمة ما دفعته إسرايئل خلال هذا العقد من مستحقات على فوائد ديونها فاق حجم ما خصصته من موارد لموازنات: التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي والإسكان مجتمعة .

وقد جزم الجنرال بني غانز رئيس هيئة أركان الجيش، عند اندلاع الثورة، بأن التحولات التي يمكن أن تشهدها مصر بعد الثورة توجب تخصيص موازنات إضافية للجيش . ولم يكن من سبيل الصدفة أن بادرت إسرائيل في أعقاب ثورة 25 يناير بمطالبة الولايات المتحدة بدفع  عشرين مليار دولار كمساعدة إضافية لموازنة الأمن، إسهاماً منها في تحمل تبعات ثورة 25 يناير على على أمنها القومي .

وقد ساد قلق أن تفضي تبعات ثورة 25 يناير ليس فقط إلى زيادة نفقات الأمن بشكل كبير، بل أيضا إلى تقليص معدلات النمو وبروز مظاهر الركود الاقتصادي، مما سيجد ترجمته في تراجع إجمال الناتج المحلي الإسرائيلي بشكل كبير . وهذا يعني مضاعفة الحيز الذي تشغله موزانة الأمن من كل من الموازنة العامة للدولة ومن إجمالي الناتج المحلي، أي إن إسرائيل – وفق هذه التوقعات - مهددة بالعودة- لنفس الظروف التي مرت فيها بعد حرب عام 1973، مع كل ما يعنيه هذا من استحالة النمو إلى ركود، واستفحال التضخم .

وقد توقع الخبراء الاقتصاديون في إسرائيل أن يسفر تعاظم مستويات الإنفاق الأمني المتوقع في أعقاب ثورة 25 يناير عن انتهاج سياسة تقشف اقتصادية، ستفرض التراجع عن توجهات سابقة للحكومة لتقليص الضرائب، على اعتبار أـن المبدأ السائد في إسرائيل يقول إنه عند المفاضلة بين المناعة الأمنية والمناعة الاجتماعية يتوجب تفضل الخيار الأول بدون تردد . وسادت توقعات بأن تسفر تبعات تعاظم النفقات الأمنية في أعقاب ثورة 25 يناير عن تراجع في حجم فائض الدخل القومي السنوي بشكل كبير بما يقلص من قدرة الحكومة على مواصلة الوفاء بدفع مخصصات الضمان الاجتماعي للجمهور، سيما للطبقات الضعيفة .

وهناك  من حذر من أن زيادة النفقات الأمنية المتوقعة في أعقاب ثورة 25 يناير ستزيد وتعمق ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة، مما يقلص من استقلالية القرار السياسي الإسرائيلي. فنظرا لأن إسرائيل لا يمكنها أن تزيد موازنة الأمن بشكل كبير بدون مساعدة خارجية، سيما في ظل الأزمة الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد العالمي، فأن الخيار الوحيد المتاح أمامها يتمثل في مطالبة الولايات المتحدة بزيادة المساعدات الأمنية بشكل كبير . وقد تم التحذير من أن زيادة ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة سيقلص من هامش المناورة السياسية لدى النخب الحاكمة في تل أبيب . ومما زاد الأمور تعقيدا، أن زيادة اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة تزامن مع تراجع المكانة الأمريكية في العالم العربي.

وهناك من المحللين الإسرائيليين من رأى أن زيادة النفقات الأمنية ستحول إسرائيل إلى عبء على الغرب وعلى الولايات المتحدة تحديداً، وذلك بخلاف الاستنتاج الذي وصل إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي زعم بأن التحولات في العالم العربي  تفرض على الغرب تقديم الدعم المادي لإسرائيل، على اعتبار إنها تمثل "واحة ديموقراطية واستقرار في منطقة غير مستقرة "، وهذا ما يمثل خدمة استراتيجية للولايات المتحدة والغرب .