د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

ترامب إذ يوجه ضربة قاضية لليسار في إسرائيل

ترامب إذ يوجه ضربة قاضية لليسار في إسرائيل
مقالات / 2019-04-22

أسهم صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل كبير في إعادة رسم موازين القوى داخل الخارطة الحزبية في إسرائيل؛ حيث أفضى هذا التطور بشكل خاص إلى المس بمكانة وحجم قوى اليسار وقلص إلى حد كبير من الفروق الأيدلوجية بين القوى السياسية الإسرائيلية.

 قد نزعت الإدارة الأمريكية الجديدة الشرعية عن المنطلقات الأيدلوجية لقوى اليسار الإسرائيلي، التي ظلت تنادي بحل الدولتين، كالحل الأمثل للصراع مع الفلسطينيين، عبر سلسلة المواقف التي عبر عنها عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين، ومن خلال قرارات ترامب، التي تمثل تبنيا صريحا للمنطلقات الأيدلوجية لليمين الإسرائيلي، سيما الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.

فبالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي، لم يعد من المقبول أن تتبنى قوى اليسار مواقف من الصراع مع الفلسطينيين تعد أكثر مرونة من الموقف الذي تتبناه الإدارة الأمريكية.

ونظرا لأن قوى اليسار كانت تستغل مواقف إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الناقدة لسياسات حكومات نتنياهو تجاه الصراع مع الشعب الفلسطيني، في اتهام اليمين بتهديد مصالح إسرائيل الإستراتيجية عبر المخاطرة بالمس بالعلاقات الحيوية مع الولايات المتحدة؛ فأن صعود ترامب وإسناده لحكومة اليمين الحالية حرم قوى اليسار من القدرة على مواصلة التشبث بهذه الحجة.

إلى جانب ذلك، فقد أسهم صعود ترامب في تقليص حدود ومساحات الجدل الداخلي حول التأثيرات السلبية لاحتلال الضفة الغربية والقدس وغزة؛ مع العلم أن هذه القضية ظلت تستأثر بمساحة كبيرة من الجدل الإسرائيلي، منذ تفجر الانتفاضة الأولى أواخر العام 1987.

ويعد صعود ترامب أحد أهم الأسباب التي أفضت إلى تهاوي الفروق الأيدلوجية بين القوى السياسية الإسرائيلية، الذي أفضى بدوره إلى إعادة صياغة الخارطة الحزبية بشكل كبير، كما ظهر ذلك جليا عشية الانتخابات التشريعية الأخيرة.

ومما يدلل على أن الانتخابات التشريعية الأخيرة التي نظمت في إسرائيل شهدت عمليا منافسة بين قوى اليمين، حقيقة أنه باستثناء حزب العمل وحركة "ميريتس"، فأن أي حزب صهيوني لم يعلن تأييده لفكرة حل الدولتين.

وقد فطن نتنياهو إلى توجهات الرأي العام الإسرائيلي الرافضة لتوجهات "اليسار" التقليدية، وأخذ يتهم تحالف "كحول لفان"، الذي نافسه في الانتخابات الأخيرة بأنه  يمثل "اليسار الضعيف"، فما كان من هذا التحالف إلا أن دافع عن نفسه بالقول إنه يمثل "اليمين الحقيقي والعاقل"، كما صدر على لسان تسفي هاوزر، أحد قيادات هذا التحالف.

ومما يدلل على صوابية ما ذهب إليه هاوزر، حقيقة أن الكثير من قادة تحالف "أزرق أبيض" كانوا من قادة سابقين في الليكود، مثل وزير الحرب الأسبق موشيه يعلون، وبوعز هندل، المستشار الإستراتيجي الأسبق لنتنياهو، وهاوزر نفسه، الذي عمل كسكرتير لحكومة نتنياهو وغيرهم الكثيرين.

من هنا، فأنه حتى بالاستناد إلى تعريف القوى الحزبية في إسرائيل لذاتها، فأن الخارطة الحزبية الإسرائيلية باتت تنقسم إلى يمين وقوى هامشية لليسار، حصلت مجتمعة فقط على 11 مقعدا في الانتخابات الأخيرة.

وبسبب تأثير مواقف وسياسات ترامب، فأن قوى اليمين،  التي يمثلها تحالف "كحول لفان" برئاسة بني غانز ميزت ذاتها عن قوى اليمين الأخرى التي يمثلها الليكود والأحزاب والحركات التي تقف إلى يمينه، عبر طرح مخططات للانفصال عن الفلسطينيين، تقوم على ضم المناطق التي تعد ضمن خارطة المصالح الإستراتيجية لإسرائيل.

فحسب ما صدر عن قادة "كحول لفان"، عشية الانتخابات، فأن على إسرائيل الاحتفاظ بالتجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، التي تمثل 12% من مساحة الضفة، ومنطقة القدس الكبرى، التي تضم أيضا التجمع الاستيطاني "غوش عتصيون"، وهي منطقة تبلغ مساحتها حوالي 10%، ومنطقة غور الأردن التي تبلغ 28% من مساحة الضفة؛ مما يعني أن "كحول لفان" معني باحتفاظ إسرائيل بحوالي 50% من مساحة الضفة في أية تسوية سياسية للصراع.

وقد أثر خطاب بعض موظفي إدارة ترامب على مواقف القوى الحزبية في إسرائيل من المستوطنات. ويمكن الافتراض أن حرص السفير الأمريكي في إسرائيل دفيد فريدمان على إجراء العديد من المقابلات مع وسائل وصحف إسرائيلية للتأكيد على وجوب عدم تفكيك المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية قد أثر على الجدل السياسي الإسرائيلي الداخلي إزاء المستوطنات.

فحتى آفي جباي، رئيس حزب العمل، الذي يؤيد "حل الدولتين" بات يجاهر بأنه لا يجوز في أي حال من الأحوال تفكيك أية مستوطنة يهودية في الضفة الغربية؛ في حين من أن تسفي هاوزر، من قادة "كحول لفان" ينتقد حكومة نتنياهو لأن وتيرة البناء في المستوطنات "منخفضة"، على حد تعبيره.