د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

حماس والخروج الآمن من حكم غزة

حماس والخروج المن من حكم غزة
مقالات / 2019-05-20

تدل كل المؤشرات على أن الإستراتيجية التي تعتمدها حركة حماس في مواجهة الحصار المفروض على قطاع غزة قد استنفذت الطاقة الكامنة فيها؛ ولم يعد من المجدي التشبث بها. فالعمل وفق هدي هذه الإستراتيجية بات يمنح الفرصة لأطراف دولية وإقليمية وداخلية للتدخل والتأثير في القطاع بما يخدم إما المصالح الصهيونية أو مصالح دول في المنطقة ترى في غزة، إحدى الساحات التي يمكن توظيفها في إدارة صراع بالوكالة ضد خصومها.

لقد بات في حكم المؤكد أن مواجهة الحصار من خلال المساعدات ذات التأثير المحدود، التي يتم تأمينها في أعقاب التوصل لتفاهمات التهدئة التي يتم التوصل إليها في أعقاب كل جولة من جولات التصعيد يمثل الوصفة الأنجع لتمكين حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب من تنفيذ إستراتيجيتها ضد قطاع غزة، والقائمة على إدارة الصراع لا حله.

فمع كل الاحترام لمصر وقطر، ومع التقدير لنوايا الطرفين الطيبة، فأن تحركات مصر في أعقاب جولات التصعيد والتي تنتهي بالتوصل لتفاهمات تهدئة، والدعم المالي الذي تقدمه قطر لضمان توفير بيئة تسمح باحترام هذه التفاهمات، باتا يمثلان العماد الفقاري لإستراتيجية "إدارة الصراع" الذي تعتمدها حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب.

وإن كانت حركة حماس تنطلق في حرصها على منح الفرص لإنجاح الجهود المصرية والقطرية من التزامها بالعمل على تخفيف حدة الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتهاوية في قطاع غزة، دون المخاطرة بإشعال فتيل حرب قد تكون نتائجها كارثية على القطاع؛ إلا أن التجربة قد دللت على أن هذا النهج في مقاربة الأمور قد فشل تماما.

فإلى جانب أن المساعدات المالية التي تقدم في أعقاب التوصل لأي تفاهم تهدئة أقل بكثير من الحد الأدنى الذي يمكن أن يسهم في تخفيف الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في القطاع؛ فأن حكومة الاحتلال تخضع التزاماتها في هذه التفاهمات إلى السجالات الصهيونية الداخلية؛ على الرغم من أن تل أبيب لا تتحمل أي عبء مادي جراء في أعقاب التفاهمات.

الذي يزيد الأمور تعقيدا حقيقة أن الكلفة الاقتصادية التي يدفعها الفلسطينيون في جولات التصعيد، باتت أكبر من قيمة المساعدات التي تقدم في إطار تفاهمات التهدئة، التي يتم التوصل إليها في أعقاب هذه الجولات، كما دللت على ذلك نتائج الجولة الأخيرة من التصعيد.

ومن الواضح أن تولي أفيف كوخافي، رئاسة أركان جيش الاحتلال مؤخرا، سيرتبط بسعي صهيوني لجباية أثمان متعاظمة من المقاومة ومن الجمهور الفلسطيني؛ حيث أن كوخافي يرى في موقعه العسكري طريقا للوصول إلى رئاسة الحكومة في تل أبيب في يوم من الأيام.

في الوقت ذاته، فأن تواصل جولات التصعيد على هذا النحو يعني توفير بيئة لقضم مقدرات المقاومة وإضعافها بالتدريج تمهيدا للمواجهة الشاملة التي يمكن أن يبادر إليها الكيان الصهيوني في التوقيت والظرف المناسب له.

إلى جانب ذلك، فأن تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية يسمح باهتزاز الجبهة الداخلية الفلسطينية في القطاع غزة، بحيث يوفر بيئة تسمح لأطراف داخلية بتوظيف هذا الواقع في التحريض على حكم حماس من خلال الدفع نحو تنظيم حراكات تحت يافطات مطلبية ومعيشية.

ليس هذا فحسب، بل أن هذا الواقع يضعف حركة حماس في مواجهة أطراف فلسطينية تنتمي إلى معسكر المقاومة، حيث أن هذه الأطراف عمدت في كثير من الأحيان إلى التصعيد مع الاحتلال بشكل أحرج حماس أمام القوى الإقليمية التي تتدخل في الشأن الغزي، ناهيك عن أن سلوك هذه الأطراف منح الكيان الصهيوني الفرصة لضرب مقدرات حماس العسكرية واستهداف عناصرها البشرية على حين غفلة، كما حدث في الجولة الأخيرة، دون أن يكون لدى حماس هامش مناورة في مواجهة هذا السلوك.

من هنا، فأن حماس باتت مطالبة باستعادة زمام المبادرة عبر قلب الطاولة على الجميع والتخلص من تبعات التزامتها تجاه الجمهور الفلسطيني من خلال "الخروج الآمن" من حكم قطاع غزة.

ونقصد بالخروج "الآمن"، هو الخروج الذي يضمن احتفاط حماس بقوتها العسكرية ولا يمس بمكانتها كأكبر وأقوى فصيل مقاوم في القطاع، ويرمي إلى إيجاد بديل "أليف" للمقاوم ليحل محل حكم الحركة.

لكن كيف يمكن لحماس أن تضمن "الخروج الآمن" من حكم غزة؟

هناك وسيلتان يمكن أن تلجأ إليهما الحركة لتحقيق هذا الهدف.

الأولى: فرص نجاحها تبدو ضئيلة، وقد طرحها النائب عن حماس يحيى موسى، والتي تقوم على إقدام حماس على دعوة القوى والفصائل الفلسطينية على التوافق لإدارة حكم غزة، على اعتبار أن مثل هذه الفكرة تضمن أيضا نزع المسوغات التي يستند إليها محمود عباس في فرض العقوبات على القطاع.

وتبدو فرص نجاح هذه التكتيك متواضعة، على اعتبار أن هناك شكوك أن تتطوع التنظيمات والقوى الفلسطينية للاستجابة لطلب حماس هذا، على اعتبار أن معظمها إما يخشى قطع المساعدات التي تقدمها له السلطة أو أنه ببساطة مرتاح للوضع القائم حاليا، والذي يعفيه من تبعات أية مسؤولية تجاه الجمهور الفلسطيني.

في الوقت ذاته، فأنه حتى لو قبلت الفصائل على نفسها هذه المهمة، فأن هذا لا يعني أن إسرائيل يمكن أن تتوقف عن استهداف حركة حماس عسكريا.

الثانية: أن تستغل حماس أية جولة تصعيد قادمة مع الاحتلال لتغيير قواعد اللعبة تماما، عبر رفضها الاستجابة لجهود الوساطة التي يمكن أن تقوم بها مصر أو غيرها لوقف هذه الجولة وإنهائها من خلال التأكيد على أن حماس لم تعد العنوان السلطوي في غزة، وبالتالي فأنه يتوجب على "الوسطاء" التوجه للقوى الفلسطينية العاملة في القطاع بهدف التوصل معها لتفاهمات جذرية لمشكلة الحصار.

موقف حماس هذا قد يفضي إلى إطالة أمد جولة التصعيد وقد تستحيل إلى مواجهة شاملة، لكنها حتما ستفضي إلى النتائج التالية:

  • حماس لم تعد مسؤولة أمام الجهور الفلسطيني عن الواقع الإنساني والمعيشي في القطاع، مما يمكنها التفرغ فقط للمهمة التي وجدت من أجلها وهي الفعل المقاوم.
  • نزع الشرعية عن تواصل الحصار الذي يفرضه الاحتلال والعقوبات التي يفرضها عباس على القطاع.
  • تعرية الأطراف الفلسطينية التي تحاول توظيف الفعل المقاوم في ابتزاز الحركة وإحراجها.
  • تحرر الحركة من أية التزامات تجاه أي طرف دولي، إقليمي.