د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

هل تدفع حماس ثمنا مبالغا فيه للحفاظ على علاقتها بإ

هل تدفع حماس ثمنا مبالغا فيه للحفاظ على علاقتها بإ
مقالات / 2019-07-29

تثير العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وإيران الكثير من الجدل العام سواء في الساحة الفلسطينية أو العربية. وتكمن المفارقة أن الجدل حول هذه العلاقة يثور بشكل خاص في أعقاب إبعض التصريحات التي تصدر عن بعض قيادات "حماس"، والتي يعمدون فيها إلى الإشادة بإيران ودورها في نصرة القضية الفلسطينية وإسنادها لمقاومة الشعب الفلسطيني.؛ أو التصريحات التي تصدر عن مسؤولين إيرانيين بشأن هذه العلاقة في أعقاب زيارة وفود تمثل الحركة إلى طهران.

وتنحصر دعاوى المنتقدين للعلاقة مع إيران بشكل خاص في محاججتهم بأن طهران تستغل العلاقة مع حماس وتصريحات قيادات الحركة المطنبة عليها في التغطية على الجرائم التي ترتكبها بحق شعوب عريية مظلومة، سيما في سوريا، العراق، واليمن.

كاتب هذه السطور من أولئك الذين يعتقدون أن إيران ارتكبت، ومازالت، جريمة كبرى بحق الشعب السوري المظلوم من خلال إسناد نظام مستبد طائفي بغيض، ما كان يجب أن يستمر بالبقاء.

لكن الذين يحاسبون حماس من خلال الموقف من جرائم إيران في سوريا يتجاهلون حقيقة أنه قد سبق لحركة حماس أن اتخذت موقفا مبدئيا من جرائم الأسد وأعلنت وقوفها إلى جانب الشعب السوري وثورته ودفعت ثمن ذلك تمثل في مغادرة سوريا، وهو ما أفضى إلى حدوث قطيعة بينها وبين طهران.

لقد فرضت تحولات الإقليم على حماس أن تستعيد علاقتها بإيران. فحماس حركة تحرر وطني فلسطينية، تحتاج إلى أي إسناد مادي ودعم سياسي يعينها على تحمل عبء مقاومة كيان أخذ على عاقته اجتثاث الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته.

فليس سرا، أن أحد الأسباب التي شجعت حماس على القطيعة مع إيران في حينه تمثل في تفجر ثورات الربيع العربي، وآمال الحركة (وغيرها) في أن تسفر هذه الثورات عن بيئة سياسية عربية تمثل حاضنة للمقاومة، بشكل يلغي الحاجة إلى الدعم الإيراني أو يقلصها.

لكن استعادة النظام القديم زمام المبادرة من خلال الثورات المضادة أصاب رهانات حماس في مقتل، وأفضى إلى تهاوي بيئة المقاومة الإقليمية بشكل غير مسبوق.

ولا حاجة للتذكير بالحرب التي شنها نظام السيسي على المقاومة، وضمن ذلك المزايدة على الكيان الصهيوني في فرض الحصار على غزة وتشجيعه على استهداف المقاومة، كما برز ذلك خلال حرب 2014؛ إلى جانب الجهود التي بذلتها ماكنته الإعلامية والقضائية في شيطنة هذه المقاومة.

إلى جانب جملة الإجراءات والمواقف التي صدرت عن السعودية والإمارات ضد حماس، سيما تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة بأن "حماس تمثل تهديدا للأمن القومي السعودي"!!.

في ظل هذا الواقع الإقليمي وفي ظل وجود حكومة يمينية، هي الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان الصهيوني، لم يعد أمام حماس من بد إلا العمل على تحسين قدرتها على الوفاء بمتطلبات مواصلة العمل المقاوم ومحاولة تقليص الأضرار التي لحقت بها والقضية الفلسطينية جراء الثورات المضادة.

في ظل هذا الواقع، لم يكن من المعقول أن ترهن حماس علاقتها بحماس بالموقف من الثورة السورية، سيما بعد أن تركت الدول العربية الساحة السورية لإيران، فاضطرت لاستعادة العلاقة مع طهران.

لكن على الرغم من كل ما تقدم، فأن نظرة متفحصة تدلل على أن حركة حماس في سعيها للحفاظ على العلاقة مع إيران وتطويرها، تدفع ثمنا أكبر بكثير من الثمن الذي كان بالإمكان دفعه.

ونظرا لأن الحكمة والوعي السياسي يقتضيان دوما تقليص الثمن الذي تدفعه الدول والحركات في سبيل بناء علاقة مع طرف آخر، أو من أجل الحفاظ على علاقة قائمة بالفعل، فأنه كان يتوجب على قيادة حماس أن تسعى إلى تخفيض قيمة الثمن الذي تدفعه من أجل مواصلة علاقتها بإيران.

ومما لا شك فيه أن تعمد بعض قيادات حماس الإطناب والإشادة بإيران والمبالغة في ذلك بمناسبة ودون مناسبة يستنزف من الحركة ثمنا سياسيا كبيرا، لا يوجد ما يسوغه.

وفي تقديري، فأن هناك ما يدلل على أن قيادة حماس لا تعي أن حاجة إيران لها أكبر بكثير من حاجتها لإيران.

فإن كانت إيران تخوض مواجهة مع الكيان الصهيوني على خلفية تصميم تل أبيب على إحباط تمركزها العسكري في سوريا وسعيها لإفشال تطلعاتها النووية، بالتعاون مع إدارة ترامب، فأن طهران تكون معنية بشكل خاص بوجود ساحة إقليمية تشاغل إسرائيل عسكريا وتسهم في تقليص قدرتها على استنفاذ جهدها الحربي ضدها.

ومما لا شك فيه أن غزة تمثل الساحة الوحيدة، بين الساحات الإقليمية التي تخوض مواجهة مباشرة، وبشكل متواصل مع الكيان الصهيوني؛ مما يعني أن إيران، عمليا، لا تسدي معروفا لحماس في حال قامت بمساعدتها وعمدت إلى تحسين قدرتها على مواجهة إسرائيل. سيما في ظل حرص إيران على التجلد واحتواء مئات الغارات التي تشنها إسرائيل على مراكز تواجدها في سوريا، والتي أدت إلى مقتل عدد كبير من عناصر الحرس الثوري. وفي ظل الهدوء التام الذي تشهده الساحة اللبنانية.

ومن نافلة القول، إن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن ترهن حماس وحركات المقاومة الفلسطينية المقاومة الأخرى العمل المقاوم ضد الاحتلال بمصالح إيران وتوجهاتها، حيث أن الفعل المقاوم الفلسطيني يجب أن يحتكم فقط إلى محددات المصلحة الفلسطينية؛ مع العلم أن طهران تفيد من هذا الفعل لمجرد وجوده وليس فقط بسبب دوافعه.

على حماس أن تستفيد من تجربة جماعة الحوثي في اليمن، التي تعمل على تقليص كلفة العلاقة مع إيران. فعلى الرغم من أن الحوثيين يحصلون على مساعدات من إيران، تبلغ أضعاف أضعاف ما تحصل عليه حماس، فأنهم يحرصون على نفي الحصول على هذه المساعدات، وذلك بهدف التخفيف من الكلفة السياسية للعلاقة مع طهران.

في الوقت ذاته، فأن تطوع قيادات من حماس بالإقرار بالدعم الذي تقدمه إيران لللحركة لا يعكس حكمة وحنكة سياسيةـ سيما في ظل المواجهة الدائرة مع الولايات المتحدة.

فهذه الإقرارات، التي لا طائل منها، من السهولة توظيفها وإرفاقها بلوائح الإدانة الأمريكية والصهيونية والعربية، التي تسوغ محاصرة الحركة وضربها.

في الوقت ذاته، يتوجب على حماس بلورة رهانات واقعية على العلاقات مع إيران.

فعلى سبيل المثال، بات من الوهم الانطلاق من افتراض مفاده أن العلاقة مع إيران وحزب الله يمكن أن تساعد على عودة الحركة إلى سوريا. فإلى جانب أن كل المؤشرات على أن النظام أبعد ما يكون عن استعادة السيطرة على سوريا حتى بعد كل ما حققه بفعل الدعم الإيراني والروسي، فأن إيران وحزب الله غير قادرين على تمكين حماس من العودة إلى الشام، لأنهما ببساطة ليسا الطرف الأقوى في التأثير على نظام الأسد.

فروسيا هي الطرف الأكثر تأثيرا على هذا النظام، والروس، وبسبب طابع علاقتهم الوثيق مع الكيان الصهيوني، لا يمكن أن يسمحوا للنظام بالإقدام على أية خطوة تثير حفيظة تل أبيب، مثل السماح لحماس بالتواجد في سوريا مجددا.