موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
توجّهات مقلقة للسلطة بعد " فك الارتباط "

الاسلام اليوم 17/08/2005
في الوقت الذي يحتفل فيه الفلسطينيون بإنجازهم التاريخي المتمثل في إرغام الاحتلال على الانحسار عن جزء من أرض فلسطين، يبدو في الأفق العديد من المؤشرات المقلقة على طابع سلوك السلطة بعد تنفيذ خطة " فك الارتباط ". وقد وبات واضحاً أن السلطة الفلسطينية معنية بإرساء قواعد جديدة للتعامل في الساحة الفلسطينية، ونسف أسس التعامل القائمة، والتي حكمت العلاقات الداخلية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى الآن. ليس هذا فحسب، بل إن هناك تخوفاً من إمكانية مبادرة السلطة لتصعيد التناقضات في الصف الفلسطيني الداخلي في مرحلة ما بعد خطة فك الارتباط لدرجة الصدام. ومن المؤشرات المقلقة على هذه التوجهات هو إصرار السلطة على رفض أي دور لفصائل المقاومة الفلسطينية في الإشراف على تطبيق خطة فك الارتباط، وإخضاع ملف الانسحاب لإشراف الفصائل. ويتمثل هذا الموقف في رفض السلطة الشديد لدعوة حركة حماس لتشكيل لجنة وطنية عليا للإشراف على ملف الانسحاب. على الرغم من أن حركة حماس تشدّد على أنها لا تريد أن تكون هذه اللجنة بديلاً عن السلطة الفلسطينية ووزاراتها ومؤسساتها، بل ينحصر دورها في الجانب الرقابي والإشراف على كيفية إدارة الموجودات في المستوطنات من أراضٍ ومؤسسات وغيرها، على اعتبار أن التجربة دلّت على أن الفساد وسوء استخدام المال العام هي السمة الغالبة لمؤسسات السلطة ومسئوليها، وباعتراف كبار مسئولي السلطة والمجلس التشريعي وجميع مؤسسات المجتمع المدني. وهنا يتوجب أن نشير إلى أنه على الرغم من أن موافقة رئيس السلطة محمود عباس على بعض صيغ الإشراف والرقابة خلال اجتماعه مع ممثلي حركة حماس، كما حدث في اللقاء الأخير الذي جمعه بقادة الحركة في غزة، إلا أنه سرعان ما نسف هذه الوعود عبر التجاهل العملي لوجود الفصائل.
مسؤولو السلطة يدّعون أن السلطة وحدها هي المسؤولة عن إدارة شؤون القطاع والتحكم بالموجودات داخل المستوطنات. ومن المؤسف أن السلطة التي ترفض التعاون مع فصائل المقاومة في تنسيق الإشراف على تنفيذ خطة فك الارتباط، لا تفوّت فرصة في تنسيق المواقف مع الجانب الإسرائيلي. مع أنه كان من الأفضل لو كان تحمّس السلطة للتنسيق مع الإسرائيليين يقابله بعض التحمّس للتنسيق مع فصائل المقاومة.
تتعمد السلطة التقليل من شأن دور فصائل المقاومة في دفع إسرائيل لتنفيذ خطة فك الارتباط، وبالذات التعريض بموقف حركة حماس، والتشديد على أن دورها لا يتجاوز دور أي فصيل فلسطيني آخر. بالطبع لا تقصد السلطة إنصاف بقية الفصائل بقدر ما تهدف للمس بحركة حماس بصفتها القوة السياسية ذات العمق الجماهيري الأكبر في الساحة الفلسطينية. ويحاول مسؤولو السلطة -وبشكل منهجي وثابت ومثابر- نزع الشرعية عن سلاح المقاومة في قطاع غزة، بعد تنفيذ خطة فك الارتباط، وذلك عبر تكرار شعار "سلطة واحدة سلاح واحد".والمنطق الذي يحاول مسؤولو السلطة ترويجه هو أنه بعد إخلاء مستوطنات قطاع غزة، فإن مهمة التحرير انتهت، ولا مبرر لوجود سلاح إلا سلاح السلطة، وأنه يتوجب البحث في سبل نزع السلاح وجمعه.
بالطبع إن نجاح السلطة في نزع الشرعية عن سلاح المقاومة وجمعه سيكون مقدمة لنزع الشرعية عن وجود حركات المقاومة نفسها وبالذات حركة حماس. على كل ثبت أن هناك تدرجاً في عمل السلطة ضد حركة المقاومة، ولاسيما حركة حماس. الذي يدل على ذلك بشكل لا يقبل التأويل هو التعهد الذي قطعه أبو مازن على نفسه لنائب وزير الخزانة الأمريكي في لقائه به مؤخراًً؛ إذ أكد أبو مازن للمسؤول الأمريكي أن السلطة ستعمل على اعتماد سياسة " تجفيف المنابع " في مواجهة حركة حماس عبر اتخاذ الخطوات لمحاصرة عمل المؤسسات الخيرية والاجتماعية التابعة للحركة، لا سيما منع عمليات تمويل هذه المؤسسات.
الذي يثير المخاوف أكثر من أي شيء آخر هو حقيقة أن السلطة لا تتخذ موقفاً واضحاً إزاء مطالبة إسرائيل والولايات المتحدة بإنهاء وجود حركات المقاومة ونزع الشرعية هنا. وما يقلق أيضاً هو وجود مؤشرات على أن قيادة السلطة غير معنية بلعب الفصائل دوراً في الحياة السياسية، وبالذات في المشاركة في الانتخابات التشريعية.
وتتخذ قيادة السلطة موقفاً غامضاً وضبابياً من تنظيم الانتخابات التشريعية واستكمال المراحل المتبقية من الانتخابات المحلية. وعلى الرغم من إعلان أبو مازن من أن الانتخابات التشريعية ستنظم في كانون ثاني المقبل، إلا أن عدداً من مسؤولي السلطة وحركة فتح يؤكدون أنه ليس من الوراد لدى قيادة السلطة تنظيم هذه الانتخابات. وبالمناسبة فإن أبو مازن ربط بين إجراء الانتخابات التشريعية وبين استكمال الإجراءات لسن قانون انتخابي جديد. وبإمكان أبو مازن أن يؤجل الانتخابات مجدداً بحجة أنه لم يتم التوصل لصيغة مقبولة للقانون الانتخابي.
عدم تحمس قيادة السلطة وفتح لتنظيم انتخابات تشريعية يرجع إلى التخوف من تحقيق حركة حماس فوزاً كاسحاً في هذه الانتخابات. لكن المقلق هنا هو أن هناك العديد من التسريبات الإسرائيلية التي تؤكد أن أبو مازن قام بتأجيل إجراء الانتخابات التشريعية خوفاً من ردة فعل إسرائيل على مشاركة حركة حماس في هذه الانتخابات. وهنا من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن وزيرة القضاء الإسرائيلي تسيفي لينفي قد استندت إلى أحد نصوص اتفاقيات أوسلو التي جاء فيها أنه لا يجوز لأي جهة فلسطينية تنادي بالعنف (أي المقاومة) المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي.
اللافت للنظر أن كل ذلك يحدث في الوقت الذي لا يفوّت فيه الإسرائيليون لحظة واحدة دون التأكيد خلالها على أنهم يهدفون من تنفيذ خطة فك الارتباط سلخ الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، والانفراد بها وتركها نهباً لمخططاتها الاستيطانية، ولا مجال هناك لسرد تصريحات المسؤولين الصهاينة في هذا الشأن.
واضح تماماً أن المخططات الإسرائيلية يتوجب أن تشكل تحدياً للشعب الفلسطيني، بحيث إنه في اليوم الذي يلي تنفيذ خطة فك الارتباط يتوجب أن يكون على رأس اهتمامات الفلسطينيين الإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن مواصلة مشوار التحرير ومواجهة المخططات الإسرائيلية في الضفة الغربية؟؟ هذا السؤال -على ما يبدو- لا يقلق كثيراً دوائر صنع القرار في السلطة، ليس هذا فحسب، بل إن السلطة لا تريد أن تهتم فصائل المقاومة بما تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية من إرساء للحقائق الاستيطانية على الأرض. وتؤكد السلطة بشكل واضح أنه لن يكون من المسموح به لفصائل المقاومة في قطاع غزة أن تردّ على ممارسات إسرائيل في الضفة الغربية. وإذا عرفنا أن حركات المقاومة في الضفة الغربية تعاني من تأثير ضربات قاسية وجهتها لها قوات الاحتلال ومخابراته، وإن قدرتها على العمل المسلح حالياً ليست في أوجها بسبب توالي الحملات الأمنية التي تتواصل على مدار الساعة، فإن هذا يعني أن إسرائيل بإمكانها أن تواصل جرائمها دون رد مؤثر من قبل الشعب الفلسطيني.
موقف السلطة هذا يعني إطلاق يد إسرائيل لتعمل ما يحلو لها في الضفة الغربية دون أن يكون من حق الفصائل الرد بشكل مناسب. وإلا ما مغزى مطالبة السلطة جمع سلاح المقاومة مادامت الضفة الغربية ما زالت تحت الاحتلال!!

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر