موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
صناعة النكبة………الشهادات التي لم تسمعوها

أشفقت على زوجها محمد الذي كان قد عاد في نفس الليلة من سفر للسعودية على ظهر جمل في رحلة تجارية امتدت اربعين يوماً، عندما استيقظت صباح ذلك اليوم الذي كان في مطلع يونيو من العام 1948، ووجدت أن ابنتهما " ثريا " التي تبلغ من العمر عامين، تعبث بشعر أبيها الطويل، بينما كان يغط في نوم عميق.  خشيت " فريجة أبو سليسل" أن توقظ ثريا والدها الذي كان يبلغ من العمر 23 عاماً، فحملتها الى بهو المنزل الطيني، تداعبها بينما كانت أشعة الشمس تتلسلل عبر النوافذ الخشبية الى أرجاء المنزل. بعد أن أنهت فريجة التي كانت تبلغ في ذلك الوقت 19 عاماً ترتيب المنزل، قررت مفاجأة محمد بجلب بضع قطوف العنب من كرم العائلة الذي يقع على مسافة 200 متر من المنزل الذي يقع في قرية " الشويحي "، للغرب من مدينة " بئر السبع "، جنوب فلسطين التي كانت تقطنها أساساً بضع عشرات من العائلات البدوية التي استقرت في المنطقة منذ مئات السنين.

سارت فريجة التي كانت تتبعها ثريا صوب كرم العنب وسط مناظر الطبيعة الخلابة التي زادها روعة الهدوء الذي كان يخيم على تلك المنطقة، والذي لم يكسره إلا شقشقة العصافير، لكنها ما أن أصبحت على بعد بضع أمتار من بوابة الكرم، حتى أطلقت صرخة مدوية، إذ وجدت والد زوجها إبراهيم (55 عاماً )، وشقيقه الأكبر سلام ( 28 عاماً )، مدرجين بدمائهما، اقتربت بعض الشئ فوجدت أن كلاً منهما قد أصيب بعدة أعيرة نارية في منطقتي الرأس والصدر، رجعت فريجة للخلف وحملت ثريا وهي تهرول صارخة لإخبار زوجها وبقية افراد العائلة بما رأته، لكنها بينما كانت تقترب من منازل القرية، حتى شاهدت رجالها ونساءها وأطفالها يفرون هائمين على وجوههم بإتجاه الغرب. وبينما كانت تتقدم في ذهول إقترب منها اخوها مسلم، وهو يحمل ابنته البكر " فضية "،وابلغها أن أفراد عصابات " الهاغناة " الذراع العسكري للحركة الصهيونية يقومون بإطلاق النار على كل من يشاهدونه في المنطقة، وأن عليها مغادرة المنطقة غرباً صوب قطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري في ذلك الوقت. اتجهت فريجة نحو منزلها، واخذت توقظ زوجها بسرعة، واخبرته بما حدث، بشكل هستيري حاول محمد التوجه نحو كرم العنب لمعاينة جثتي والده وشقيقه، لكن فريجة حالت بينه وذلك، واقنعته أنه سيحكم على نفسه وعليها وعلى ثريا بالموت أن تلكأ في مغادرة المنطقة صوب غزة التي تبعد مسافة 40 كلم. هذه التفاصيل روتها لكاتب هذه السطور فريجة التي تبلغ حالياً من العمر 79 عاماً والتي تقطن في منزل ولدها البكر عوني في معسكر " المغازي للاجئين وسط قطاع غزة. فريجة التي تم اقتلاع عينها اليسار بسبب التهاب مزمن عانت منه، لها ثلاثة أولاد وبنتان، و30 حفيداً، بينما ثريا التي تبلغ من العمر حاليا 62 عاماً تعيش بالقرب منها، بعد أن عاشت 30 عاماً مع زوجها في الكويت، قبل ان تتجه للعراق في اعقاب حرب الخليج الأولى، ولتضطر للعودة الى غزة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. رغم اعتلال صحتها،إلا أن ذاكرة فريجة لازالت قوية، وهي تذكر أنه قبل اليوم الذي قام فيه عناصر " الهاغناة " بتهجير الأهالي من قريتها كان حديث الناس في القرية عن المحصول الوفير وغير المسبوق للموسم الزراعي في القرية.

إلقاء العجائز في الآبار

رمضان عوض الله (74 عاماً )، الذي يقطن حالياً منطقة " بركة الوز "، في المنطقة الوسطى من قطاع غزة ، كان عمره 14 عاماً عندما قامت العصابات الصهيونية بتهجير أبناء قريته " كوكبا "، الواقعة على بعد 20 كلم شمال قطاع غزة، في يونيو من العام 1948. لازال عوض الله يذكر مشاهد الدماء التي سالت في قريته عندما أقتحم عناصر عصابات " الهاجناة ". "  كنت أنظر من نافذة المنزل عندما قام عناصرالهاجناة بحمل عجوز يدعى محمود ابو سمرة يبلغ من العمر 85 عاماً، وقذفوا به حياً في بئر المياه الرئيسي في القرية، وبعد ذلك قذف جثته بالحجارة ". ويشير الى أن الأهالي في القرية الذين كانوا يشاهدون مثله ما كان يجري قرروا الرحيل بمجرد أن يغادر الصهاينة القرية.

وأضاف أن الصهاينة تدرجوا في عملياتهم الإرهابية التي كانت تهدف الى اقتلاع الأهالي في القرية من قريتهم، مشيراً الى أن عناصر " الهاغناة " قاموا في البداية بحرق كروم العنب والزيتون وبساتين البرتقال، بالإضافة الى قتل الماشية والأبقار التي يملكها المزارعون، والذين كانوا لا يملكون أي سلاح للدفاع عن أنفسهم، وعندما وجدوا أن هذه الوسائل لم تفلح في دفع الناس للرحيل عن منازلهم، أصبحوا يغيرون ليلاً على الناس ويقومون بقتلهم. ويؤكد رمضان أن جميع الأهالي غادروا القرية واتجهوا نحو قطاع غزة دون أن يأخذوا حتى ملابسهم، مشيراً الى أن عناصر " الهاجناة " كانوا يصطادون الفارين ويقتلونهم. " كان لدينا أمل أن تعيدنا الأمم المتحدة، أو تعيدنا الجيوش العربية بعد انتصارها في الحرب، لم نعلم أننا كنا نتعرض لمؤامرة كبيرة على هذا النحو ". صمت رمضان فترة، فإذا بالدموع تتدفق لتبلل لحيته البيضاء، ثم قال أبياتاً من الشعر الشعبي تدلل على تعلقه بأرضه التي إقتلع منها، مؤكداً أنه يؤكد لأحفاده العشرين أن عليهم ألا ينسوا " كوكبا " أبداً.

 

تهشيم الرؤوس بالبلطات

ولا تختلف شهادة عبد الحي عوض (75 عاماً )، عن شهادة رمضان. فعندما تم اقتلاعه من قريته " حمامة "، التي تبعد 25 كلم الى الشمال عن قطاع غزة، كان عبد الحي يبلغ من العمر 15عاماً، ويقول أن أول حدث عاينه وشكل دليلاً على عزم الصهاينة على طرد أهالي قريته، كان في أواخر شهر مايو من العام 1948. ويضيف أنه كان وابوه وشقيقه الأكبر عبد الرحمن يقومان بفلاحة أرضهم التي تقع في التخوم الشرقية للقرية عندما فوجئوا بإطلاق نار كثيف من ناحية الشمال، فإنبطحوا، وزحفوا مغادرين المكان باعجوبة، منوهاً الى أنه بعد أن عاد للمكان بعد مغادرة العصابات الصهيونية وجد أن ثلاثة من جيرانه من الفلاحين قد قتلوا بعد أن اطلقت عليهم النار من مسافة صفر بينما كانوا يتناولون طعام الغداء في كوخهم. وأضاف " أبشع ما شاهدته عيناي كان في مطلع شهر يونيو، فقد رأيت بأم عيني مجموعة من عناصر الهاجناة يقومون بضرب ثلاثة من الفلاحين على رؤوسهم بالبلطات حتى هشموها "". واضاف أنه عندما امتنع الأهالي عن الذهاب الى مزارعهم وبساتينهم وظلوا في بيوتهم، قامت طائرات الهاجناة بقصف منازل القرية الأمر الذي ادى الى مقتل عشرين شخص وتدمير عشرة منازل.و يوضح أن الأهالي بعد هذه الحادثة فروا على وجوههم جنوباً باتجاه قطاع غزة. ويشير الى أن مختار القرية ويدعى ابو مصطفى، وبعد أن غادر القرية تذكر أنه نسى مبلغاً من المال فرجع للقرية لأخذه، وبعد أن عثر عليه وكان في طريقه للحاق ببقية الأهالي اقتحم الصهاينة القرية، فرفع العجوز السبعيني الراية البيضاء ظناً منه أن هذا سينجيه، فقام عناصر " الهاغناه " بإطلاق النار عليه وقتله. استقر عوض بعد تشريده من قريته في مخيم اللاجئين يقع للغرب من مدينة خانيونس، جنوب القطاع، وعلى الرغم من عمره الكبير، فأنه يعيش وزوجته وحدهما في المنزل، فجميع اولاده الخمسة يعيشون في دول العربية وأوروبا.

 

 

 

الحرب النفسية

حسين نعيمات (80 عاماً )، الذي تم تشريده من قريته " فطيس " البدوية،الى تقع على بعد 40 كلم للشرق من قطاع غزة، يروي أن الصهاينة اتبعوا أسلوب أخر غير عمليات القتل في تشريد الناس. وقال: " لقد ادركوا حجم تعلق البدو بدوابهم وخصوصاً الخيل، فكانوا يقومون بنهب الدواب والخيول، ويهددون الناس بأنهم في حال لم يغادروا المكان، فأنهم سينهبون كل ما لديهم من دواب، فغادر الناس المكان بسرعة ". ويضيف أن الذي ساعد على سرعة فرار الناس من قريته هو الحرب النفسية التي مارستها العصابات الصهيونية، حيث أنهم تعمدوا تسريب معلومات حول المجازر التي كانت ترتكبها في القرى في مختلف ارجاء فلسطين، الأمر الذي جعل الناس مستعدين نفسياً للفرار.

 

وهناك من فروا وهم أطفال ولازالوا يذكرون شئياً من ذكريات التشرد، مثل عماد حسن (67 عاماً )، الذي كان يبلغ من العمر سبعة أعوام عندما تم تشريده مع بقية الأهالي من قريته " الجية "، الى تقع على مسافة 30 كلم للشمال الشرقي من قطاع غزة.  " لازلت أذكر اليوم الذي تم تشريدنا من القرية، ففي رحلة الفرار طرحتني أمي أرضاً فجأة في أحد حقول القمح، وجلست بجانبي عندما سمعت صوت سيارة، ظناً منها أنه عربة لعصابات الهاجناة "، قال ل " ويكلي ".

 

ما لم يدركه في ذلك الوقت هؤلاء البائسين، وكشف النقاب عنه الكثير من المؤرخين الجدد في إسرائيل، حقيقة أن عمليات التشريد المنظمة كانت عبارة عن تطبيق لخطة " دالت "( دالت الحرف الهجائي الرابع في اللغة العبرية )، التي أمرت بتنفيذها الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية في مطلع العام 1948، وأشرف على تنفيذها يغآل يادين، الذي كان في ذلك الوقت قائد شعبة العمليات في " الهاغناة "، والذي تولى بعد ذلك منصبي رئيس هيئة أركان الجيش ونائب رئيس الوزراء في أول حكومة شكلها مناحيم بيغن في العام 1977. ويؤكد المؤرخ ميخائيل بارزوهر  الذي كتب السيرة الذاتية لدفيد بن غوريون الذين كان  رئيساً الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية وأصبح أول رئيس وزراء لإسرائيل أن بن غوريون قد أصدر تعليماته لقيادة " الهاغناة " بإتباع " كل السبل " من أجل إقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر