موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تأجيل "فك الارتباط".. والانتفاضة الثالثة

الاسلام اليوم 19/05/2005

في الآونة الأخيرة طفت على السطح الكثير من علامات الاستفهام حول جدية الحكومة الإسرائيلية في تطبيق خطة " فك الارتباط " التي أعلنت عنها. فقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون تأجيل تنفيذ فك الارتباط الى النصف الثاني من شهر آب أغسطس القادم، بحجة أن موعد التنفيذ الذي حدد سابقاً في النصف الثاني من تموز يوليو يتزامن مع احتفال اليهود بذكرى تدمير الهيكل الثاني.
وهناك مؤشر ثاني يرسم ظلالاً من الشك حول النوايا الإسرائيلية عندما صرح وزير الخارجية سيلفان شالوم بأنه في حال حققت حركة " حماس " فوزاً في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة، فإن الدولة العبرية ستقوم بتجميد تنفيذ خطة " فك الارتباط ".
اللافت للنظر أن قرار شارون بتأجيل تنفيذ " فك الارتباط "، قد أثار الدهشة حتى لدى كبار قادة الجيش الإسرائيلي الذين اعتبروا أن تأجيل التنفيذ يسمح فقط للمستوطنين والجماعات الارهابية اليهودية بتنظيم عمليات الاحتجاج العنيفة بشكل أفضل. ويستهجن هؤلاء ألا يكون شارون على علم مسبق بموعد إحياء ذكرى تدمير الهيكل الثاني المزعوم حتى يبدي كل هذه الحساسية تجاهها. أما الربط بين تنفيذ " فك الارتباط " ونتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، فهو مؤشر آخر على أن شيئاً ما استجد لدى شارون. فشارون قبل غيره يعي أنه ليس من حق " إسرائيل " التدخل في الشؤون الفلسطينية الداخلية بهذا القدر الفج، بحيث تقرر تجميد تنفيذ " فك الارتباط " لمجرد تحقيق حركة حماس الفوز في الانتخابات التشريعية.

شارون يخشى فقدان زعامة " الليكود "

وزير الخارجية الأمريكي الأسبق اليهودي هنري كيسنجر قال ذات يوم إن إسرائيل لا تملك سياسة خارجية، بل سياسة داخلية، في إشارة الى طغيان تأثيرات السياسة الداخلية والحسابات الحزبية الضيقة على دائرة صنع القرار في الدولة العبرية. وهذا الذي يفسر التغير الحاصل في توجهات شارون إزاء خطة " فك الارتباط ". فشارون يعتبر أن خطة " فك الارتباط " تمثل مصلحة استراتيجية للدولة العبرية، على اعتبار أنها تسمح بتعزيز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، فضلاً عن أن تنفيذ " فك الارتباط " يساعد " إسرائيل " على رفض خوض غمار أي تسوية سياسية تقوم على التفاوض مع السلطة الفلسطينية. ناهيك عن أنه بفضل هذه الخطة حاز شارون على ضمانات الرئيس الامريكي جورج بوش الشهيرة، والتي تعفي الدولة العبرية من السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين، والانسحاب الى حدود الرابع من حزيران للعام 1967، فضلاً عن أضفاء شرعية على ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية لإسرائيل. ويمكن رصد العديد من الأهداف الاستراتيجية التي تحققها اسرائيل من خلال " فك الارتباط "، أهمها تخفيف آثار المشكلة الديموغرافية، والتخلص من أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في قطاع غزة.
إذن لماذا يتلكأ شارون في تنفيذ " فك الارتباط "؟؟
الذي بات واضحاً الآن أن شارون بات يربط خطة " فك الارتباط " بمستقبله السياسي كزعيم لحزب الليكود وكرئيس للوزراء. فشارون لا يريد أن يؤثر تطبيق " فك الارتباط " على فرص استمراره كزعيم لحزب الليكود، ومن ثم رئيساً للوزراء لفترة أخرى. وهو يعي أن الأغلبية الساحقة من نواب " الليكود " ووزراءه، فضلاً عن أعضاء لجنته المركزية، ومكتبه السياسي يعارضون " فك الارتباط " بكل قوة. كما أن الفزع يتملك شارون من دلالات فوز حركة " حماس " في الانتخابات التشريعية المقبلة، بالنسبة للجمهور الإٍسرائيلي، وبالنسبة لخصومه السياسيين داخل حزب " الليكود ". فمعارضو شارون داخل " الليكود " سيعتبرون فوز " حماس " في الانتخابات انتصاراً لخيار المقاومة على الدولة العبرية، وسيتهمون شارون بأنه عمل على المس بقدرة الردع الإسرائيلية في مواجهة حركات المقاومة الفلسطينية. فخصوم شارون وبالذات وزير ماليته بنيامين نتنياهو، الطامح في خلافته يشددون على أن تنفيذ " فك الارتباط " الذي سيتزامن مع فوز " حماس " في الانتخابات التشريعية سيغري حركات المقاومة الفلسطينية لاستئناف عمليات المقاومة ضد دولة الاحتلال وجيشها ومستوطنيها في الضفة. من هنا فإن شارون معني بأن تجرى الانتخابات التشريعية الفلسطينية قبل تنفيذ " فك الارتباط "، لأنه في حال فازت حركة حماس في هذه الانتخابات، فإنه سيدعي أنه لن يكون بوسعه تنفيذ " فك الارتباط " قبل الحصول على إذن من الجمهور الإسرائيلي عبر تنظيم استفتاء عام. وعندها ستكون قدرة شارون على اقناع الجمهور الإسرائيلي بتأييد " فك الارتباط " محل شك كبير.

مقدمات الانتفاضة الثالثة

الذي يجعل الشكوك حول النوايا الإسرائيلية أكثر جدية هو الاستعدادات واسعة النطاق التي يقوم بها جيش الاحتلال لمواجهة احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة. هيئة أركان جيش الاحتلال توقعت أن تتفجر هذه الانتفاضة في ايلول سبتمبر القادم. ولا يحتاج المرء إلى تقييمات جيش الاحتلال حتى يعرف إن اندلاع انتفاضة الأقصى قد أصبح أمراً واقعاً ليس فقط بسبب التسويف في تنفيذ " فك الارتباط "، بل أيضاً لعدم احترام إسرائيل للتهدئة التي التزمت بها الفصائل الفلسطينية، إلى جانب تنكر اسرائيل لتفاهمات قمة " شرم الشيخ " التي التزمت خلالها بالإفراج عن الأسرى وتسليم مدن الضفة للسلطة، وتسوية ملف المطلوبين، وغيرها من استحقاقات التهدئة .
لكن لو تجاوزنا كل مؤشرات الريبة والشك إزاء النوايا الإسرائيلية تجاه " فك الارتباط "، فهل تطبيق هذه الخطة سيمنع اندلاع انتفاضة ثالثة؟
الإجابة الصريحة هي " لا ". فرهانات إسرائيل على " فك الارتباط " لا تدع مجالاً أمام الشعب الفلسطيني إلا استئناف المقاومة والشروع في انتفاضة ثالثة تكون أكثر زخماً. فالشعب الفلسطيني وقواه الحية لا يمكن أن يسمح بأن يتحول " فك الارتباط " إلى وصفة لاقتطاع الضفة الغربية من الوطن الفلسطيني، والانزواء في سجن قطاع غزة الكبير الذي لا تمانع اسرائيل أن يطلق عليه دولة فلسطينية. قيادة جيش الاحتلال " محقة " في توقعاتها إزاء اندلاع انتفاضة ثالثة ، لأن الفلسطينيين غير مستعدين لأن يكون " فك الارتباط " غطاء للقفز على حق العودة، ولتعاظم المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وتهويد مدينة القدس. وقد كان من المفترض على العالم- وبالذات الدول التي تشارك في اللجنة الرباعية- أن ينتبه للرهانات الإٍسرائيلية الخطيرة على " فك الارتباط "، بدلاً من التواطؤ معها في تنفيذ هذا المخطط المشبوه ..
إن ما تعكف عليه اسرائيل يجب أن يكون درساً لكل الفلسطينيين. فالانشغال في إجراء الانتخابات المحلية والتشريعية يجب ألا ينسينا ولو للحظة أننا لازلنا شعب تحت الاحتلال. فإن كانت نتائج الانتخابات قد أظهرت التفاف الشعب الفلسطيني حول خيار المقاومة، فإنها في المقابل توضح أن هذا الشعب مطالب بالتمسك بهذا الخيار على اعتبار أنه الطريق الأضمن لنيل الحقوق واستعادة الكرامة والمقدسات .

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر