موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ثقافة الحكم في "إسرائيل".. مؤسّسة الفساد مثالاً

الاسلام اليوم 23/03/2005

يكاد لا يخلو يوم لا تكشف فيه وسائل الإعلام العبرية عن مزيد من الأدلة على ظاهرة استشراء الفساد في مؤسسات الحكم في دولة الكيان الصهيوني. و يكاد لا يختلف اثنان في هذه الدولة على أن عصابات الإجرام المنّظم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي والحزبي في " إسرائيل ".
استشعار الخطر المتمثل في تأثير عصابات الإجرام على دوائر صنع القرار الصهيوني دفع وزيرة التعليم الصهيوني ليمور ليفنات مؤخراً إلى التحذير من أن عصابات الإجرام المنظم في طريقها للهيمنة على الحزب الحاكم " الليكود ". الشارع الصهيوني بات يعي عمق هيمنة الإجرام المنظم على الأحزاب " الإسرائيلية ". فحسب دراسة أعدها الباحث الصهيوني البروفسور دافيد نحمياس من "مركز هرتسليا متعدّد الاتجاهات"، فأن أكثر من خمسين بالمائة من الإسرائيليين يعتقدون أن عصابات الإجرام المنظم قد تسللت بالفعل إلى داخل مراكز الحكم في الدولة العبرية. ويشير نحمياس إلى عشرات الأدلة التي تؤكد أن الإجرام المنظم أصبح جزءاً أساسياً ومؤثراً في الحياة السياسية في الدولة العبرية. فعلى سبيل المثال يشير نحمياس - إلى ما أشارت إليه الصحف العبرية مراراً - من أن خمسة على الأقل من الذين أشرفوا على الحملة الانتخابية الأخيرة لرئيس الوزراء الصهيوني ارئيل شارون على علاقة بالإجرام المنظم. وأبرزهم المقاول دفيد آبل، الذي يشهد الكثيرون أنه استطاع إيصال عدد من مقربيه إلى القائمة البرلمانية لليكود. مع العلم أن آبل هذا يعتبر ضيفاً مرغوباً فيه في أروقة جميع الأحزاب الصهيونية، و بالذات الأحزاب اليمينية والدينية، التي تتولى الحكم.. ومن الأمثلة على العلاقات بين الحكم والإجرام المنظم، هو تورط وزير المواصلات الأسبق افيغدور ليبرمان ( صاحب التهديد الشهير بتدمير المسجد الأقصى والسد العالي وقصر الرئيس السوري)، بعلاقات شراكة اقتصادية مع جادي ليرنير، أحد قادة عصابات الإجرام المنظم في الدولة العبرية والذي تطارده الحكومة الروسية أيضاً، لقيادته منظمات تقوم بعمليات تبييض الأموال.
ليس هذا فحسب، بل إن أوري فالين، مدير فرع الليكود في مدينة " بات يام" ، المتاخمة لتل أبيب، هو من قادة عصابات الإجرام المنظم العاملة في مجال تبييض الأموال والتهريب وتجارة النساء. ومن المفارقة أن وزراء حزب الليكود ونوابه يزورونه في بيته لتجنيده لصالحهم في معاركهم الانتخابية. وقد كافأه وزراء الليكود بمنح شركة حراسة يملكها امتياز حراسة المعابر الحدودية للدولة. يوئيل ماركوس، أبرز معلقي صحيفة الصفوة "هارتس"، علق على نفوذ فاين هذا قائلاً: " في إسرائيل اليوم يوجد سلطتان يحرسهما حراس شخصيون: رؤساء السلطة ورؤساء عصابات الجريمة المنظمة" . ويضيف ماركوس: إن عصابات الإجرام المنظم قد بذلت محاولات ناجحة، للسيطرة على مراكز القوى في الدولة، الأمر الذي أدّى إلى انهيار منظومة فرض القانون. ويشير إلى أن أصحاب الملايين يتلقون الامتيازات، من الحكومة ووزرائها، و " العطاءات الحكومية تُفصّل على قياس مانحي الرشاوى، وتُبذل جهود للتأثير على التعيينات في المناصب الحساسة، بما في ذلك القضاة "، على حد تعبير ماركوس.
ايلي لانداو، الرئيس السابق لبلدية " هرتسليا " الصهيونية، وأحد أبرز أعضاء اللجنة المركزية لليكود يؤكد أنه في حال ظلت الأمور على ما هي عليه، فإنه لا يستبعد اليوم الذي قد يصبح فيه ايفرجيل (زعيم أكبر عصابة إجرام منظم في الدولة)رئيساً للوزراء.

بدعة صهيونية: مقاولو الأصوات

في الأحزاب الإسرائيلية بشكل عام و أكبرها حزب الليكود بشكل خاص، تستشري ظاهرة أطلقت عليها الصحافة وعلماء الاجتماع السياسي في الدولة العبرية "مقاولو الأصوات"؛ إذ يتوجه الساسة الطامحون لتبوّأ مقاعد في البرلمان، عشيّة كل انتخابات تمهيدية تجرى لاختيار قوائم الأحزاب البرلمانية إلى أشخاص معروفين بنفوذهم الواسع في أوساط أعضاء الحزب، لكي يقنعوهم بالتصويت لصالحهم، مقابل تعهد هؤلاء الساسة بتقديمهم وظائف وأموال لهؤلاء الأشخاص، الذين يُطلق عليهم" مقاولو الأصوات".
الوزير الصهيوني تساحي هنغبي المتطرف، حاز على أكبر نسبة من أصوات أعضاء اللجنة المركزية لحزب الليكود في الانتخابات التي أجريت لاختيار قائمة الحزب البرلمانية في الانتخابات الأخيرة، بعد أن استبق الانتخابات بتعيين ثمانين عضواً من أعضاء اللجنة المركزية للحزب كمديرين عامين في وزارة شؤون البيئة، التي كان يتولاها قبل الانتخابات، وذلك للوفاء بتعهدات سابقة لمقاولي الأصوات ، مع العلم أن وزارة البيئة هي وزارة صغيرة وذات صلاحيات ضيقة جداً، ولا يمكن أن تستوعب هذا العدد الكبير من المدراء العامين !! وأحد أبرز مقاولي الأصوات في حزب الليكود هو عوزي كوهين، نائب رئيس بلدية " رعنانا والذي يتنافس على تلبية طلباته رئيس الوزراء والوزراء والنواب في الليكود. ولعل من أهم الشواهد على تأثير هذا الرجل الذي لا يتجاوز الخامسة والأربعين من العمر، هو ما جرى لدى قيام موظفي وزارة المالية الصهيونية أواخر العام الماضي بإعداد مشروع الموازنة، وكان أحد البنود التي تضمنتها الموازنة في إطار التقليصات في النفقات، بند ينص على التوقف عن منح مرتبات لنواب رؤساء البلديات ومجالس الحكم المحلي في الدولة، وكان من المتوقع أن يوفر تنفيذ هذا القرار مئات الملايين من الدولارات على خزانة الدولة، لكن لأنه كان من المتوقع أن يتضرر عوزي كوهين، فقد سارع وزير المالية بنيامين نتنياهو إلى إلغاء البند، بعد أن وبّخ كبار موظفي وزارته، هذا مع أن كوهين يشغل مناصب عامة أخرى. من هنا فان ظاهرة " مقاولي الأصوات "، هي أحد الأسباب التي تشجع على استشراء الفساد في نظام الحكم في الدولة العبرية، مع أن إسرائيل تكاد تنفرد بهذه الظاهرة. وشراء المناصب و المواقع السياسية في النظام السياسي الإسرائيلي، ليس جديداً ، فقد حذرت مراقبة الدولة السابقة القاضية مريام بن فورات في تقرير لها من أن السلطة في "إسرائيل " تُشترى بالمال.

ساسة تحت التحقيق

حسب تقرير صدر عن سكرتارية الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) فإن 10%من النواب إما يخضعون للتحقيق في الشرطة، وإما ملفاتهم لدى النائب العام لتقديم لوائح اتهام لهم بسبب تورّطهم في أعمال فساد. مع العلم أنه لولا أضفت الكنيست بعض المرونة عند تقديم طلبات رفع الحصانة عن أعضاء الكنيست، لكان عدد النواب الذين يقدمون للمحاكم أكبر بكثير. الفساد استشرى في دوائر الحكم الصهيونية لدرجة أنه أصبح أقوى من أن تزيحه التشريعات القانونية. فالتورط في قضايا الفساد بات لا يشكل عائقاً أمام الساسة للتقدم في المناصب. وهنا نشير إلى الفضيحة التي عُرفت بالعبرية ب " حيفرون بارعون" التي تفجرت أثناء حكم رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتياهو في العام 1997. حيث توصل نتنياهو إلى صفقة مع رئيس حركة " شاس" في حينه آرييه درعي، تؤيد شاس بموجبها إعادة انتشار جيش الاحتلال في مدينة الخليل، مقابل أن يعين نتنياهو المحامي روني بارعون في منصب المستشار القضائي للحكومة، مع العلم أن بارعون كان محامياً لدرعي الذي كان يواجه تهماً كبيرة بالفساد، وكان درعي يأمل أن يؤدي تعيين محاميه بارعون في المنصب إلى إغلاق الملف ضده. ولولا كشف الصحافة لهذه الفضيحة لتمّت الصفقة، ولأغلق الملف ضد درعي. وعلى الرغم من تورّط نتياهو في الفضيحة، إلا أنه واصل الحكم بعد ذلك.

fgfg

واضح تماماً من خلال ما تقدم أن ثقافة الحكم في الدولة العبرية لم تسمح فقط باستشراء الفساد، بل كرست مأسسته؟ وهذا ينسف مزاعم " إسرائيل " بأنها واحة الديموقراطية والشفافية في "الشرق المتخلف"، كما يحلو لمنظري ومفكري الصهاينة القول

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر