موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تغلغل المتدينين في الجيش الإسرائيلي: تبعات وتداعيات

تعكس المعطيات المتواترة التي تصدرها شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي حجم وعمق تغلغل أتباع التيار الديني الصهيوني في المؤسسة العسكرية، لدرجة أنهم باتوا يشكلون حوالي 60% من الضباط في الوحدات القتالية، على الرغم من أن تمثيلهم في تعداد السكان لا يتجاوز 15% ، وتؤكد المعطيات أن عدد الضباط المتدينين في ألوية المشاة المختارة قد زاد خلال العقدين الماضيين عشر مرات . وأضحى رجالاتهم يتنافسون أيضاً على قيادة الأجهزة الاستخبارية ذات التأثير الطاغي على دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني.

" دراسة نشرت في مركز الجزيرة للدراسات "

 

فما العوامل التي أسهمت في تمكين المتدينين من الهيمنة على المواقع القيادية في الجيش الإسرائيلي؟، وما الوسائل التي اتبعوها في تحقيق ذلك؟، وما تأثيرات هذا الواقع  على أوضاع إسرائيل الداخلية والصراع مع العربً؟.

يسعى هذا التقرير للإجابة على هذه الأسئلة، وهو في ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام، نتعرض في القسم الأول لموقف التيارات الدينية اليهودية في إسرائيل من الخدمة العسكرية، والظروف التي مهدت لتغلغل التيار الديني الصهيوني في الجيش وتمكنه من الهيمنة على عدد من المواقع القيادية في الجيش بشكل يفوق بكثير الثقل الديموغرافي لهذا التيار، وفي القسم الثاني سنناقش الآليات التي اتبعها لتحقيق هذا الهدف، وفي القسم الثالث سنتعرض لتداعيات هذا الواقع على الصعيدين الداخلي وعلى مستقبل الصراع مع العرب.

 

موقف التيارات الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية

تختلف مواقف التيارات الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية تبعاً لاختلاف موقفها من الفكرة الصهيونية، فالتيارات الدينية الأرثوذكسية المتزمتة والتي يطلق على أتباعها بالعبرية " حرديم "، ترفض أن يتم تجنيد أنصارها للخدمة العسكرية بحجة الحاجة للتفرغ للدراسات الدينية، وإن كان السبب الحقيقي يتمثل في رفضها الفكرة الصهيونية ذاتها، حيث أنها اعترفت بإسرائيل واندمجت في نظامها السياسي بحكم الأمر الواقع، حيث اعتبرت مرجعياتها إن إقامة كيان لليهود قبل نزول المسيح المخلص " كفر وزندقة " .

وقد وظفت الأحزاب الحريدية ثقلها السياسي لإلزام الحكومات المتعاقبة بإعفاء أتباعها من الخدمة العسكرية. لكن. وفي المقابل فإن تيار الصهيونية الدينية الذي أسسه الحاخام إسحاق كوك كان شريكاً مؤسساً في الحركة الصهيونية، حيث أن المسوغ " الفقهي " الذي حكم موقف هذا التيار من الفكرة الصهيونية هو فتوى الحاخام موشيه بن نحمان في القرن الثاني عشر بأن: " استيطان أرض فلسطين فريضة تعدل فرائض التوارة الثلاثمائة والستين، لأنه سيعجل بظهور المسيح المخلص " . من هنا فقد اندمج أتباع التيار الديني الصهيوني منذ تأسيس الكيان الصهيوني في مؤسساته، وضمن ذلك الانخراط في الخدمة العسكرية.

 

العوامل التي مكنت المتدينين من تبوء المواقع القيادية في الجيش:

على الرغم من انخراط أتباع التيار الديني الصهيوني في مؤسسات الكيان الصهوني، إلا أن تمثيلهم في الجيش ظل حتى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي متدنياً جداً، حيث أن الضباط المتدينين كانوا يشكلون 2% من عدد الضباط، في الوقت الذي احتكر فيه العلمانيون، وتحديداً أبناء القرى التعاونية " الكيبوتسات " المواقع القيادية في الجيش، وحتى مطلع التسعينات من القرن الماضي لم يحدث أن تبوأ ضابط متدين رتبة لواء، باستثناء الحاخام الرئيس للجيش. إذا كانت الأمور على هذا النحو، فما الذي أدى إلى قلب الأمور رأساً على عقب، على هذا النحو السريع والمفاجئ. نحن هنا سنتعرض لعاملين رئيسيين وراء هذا التحول:

 

تراجع دافعية العلمانيين

أدت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرت بها إسرائيل منتصف الثمانينيات من القرن الماضي إلى تعزيز مظاهر النزوع لتغليب المصحلة الشخصية والفردية على المصلحة العامة لدى القطاعات العلمانية، وهو ما وجد تأثيره في تراجع كبير ومتواصل في دافعية الشباب العلماني للانخراط في الواحدات المقاتلة. ومما عزز هذه التوجهات شعور العلمانيين بالغبن جراء عدم المساواة في توزيع عبء الخدمة العسكرية، فضلاً عن أن الأزمة الاقتصادية حالت دون تمكين الكيان الصهيوني من منح الجنود والضباط مزايا مالية لإغرائهم بالبقاء في صفوفه. في نفس الوقت فإن ما شهدته نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من تعاظم الجهود التي بذلت لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، والتي بلغت ذروتها بالتوقيع على اتفاقيات التسوية مع كل من منظمة التحرير والأردن قد ولد انطباعاً عاماً لدى العلمانيين بأن المخاطر على وجود الدولة قد تراجت بشكل كبير، الأمر الذي يستدعي الانصراف للاهتمام بمسارات شخصية في مجالات أخرى غير المجال العسكري. وقد تعزز هذا الميل بتراجع مكانة الجيش الإسرائيلي في ظل عهد التسويات السياسية، حيث أخذت المزيد من النخب تشكك في وجاهة مسوغات تقديس الجيش بوصفه " اللبنة الأساس في بناء الأمة اليهودية ". وقد تزامنت هذه التطورات بطرح أفكار تتعلق بالجيش تعد " ثورية "  في ذلك الوقت، حيث برز من داخل المؤسسة العسكرية من دعا لإعادة النظر في الفسلفة التي أسست لبناء الجيش، بحيث يتم تحويله من " جيش الشعب "، الذي تؤدي فيه القطاعات السكانية المختلفة الخدمة الإجبارية، إلى " جيش مهني " يقتصر على المحترفين، كما هو الحال في الجيش الأمريكي . ورافق ذلك كله تراجع كبير طرأ على منظومة القيم الإسرائيلية في نسختها العلمانية، حيث لم يعد من المسلم به تحمل تبعات التضحية من أجل الدولة وتكبد آلام الثكل، وغيرها من القيم. ومما لا شك فيه أن ترك العلمانيين المسارات القيادية في الجيش قد ترك فراغاً سارع أتباع التيار الديني الصهيوني لسده، وهو ما لاقى ترحيباً شديداً من قبل المستوى السياسي وهيئة أركان الجيش التي كان على رأس أولياتها العمل على سد النقص الكبير في عدد الشباب المتطوعين للخدمة في الوحدات الميدانية المقاتلة التي تضطلع بالأعباء القتالية .

 

الرغبة في التأثير على صنع القرار

إن كان التوقيع على اتفاقيات التسوية قد قلص دافعية العلمانيين للخدمة في الجيش، فإن هذا الحدث كان له تأثير معاكس تماماً لدى المتدينين، الذين اعتبروا أنهم سيكونون ضحية أي تقدم في العملية السياسية والتفاوضية، حيث أنهم هم الذين يقودون المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة والمشاريع التهويدية في القدس، علاوة على أنهم يشكلون أكثر من 65% من المستوطنين في الضفة الغربية والقدس. ناهيك عن المنطلقات العقائدية التي تثير حماس المتدينين لعمل كل ما في وسعهم من أجل احباط التسويات السياسية للصراع التي يفترض أن تقترن بالانسحاب من أراضي تعتبر حسب الخطاب الديني " أراضي يهودية محررة ". وقد اعتبرت المرجعيات الدينية أن التغلغل في الجيش وتبوء المواقع القيادية فيه سيؤدي إلى تمكينهم من التأثير بشكل كبير على دائرة صنع القرار في إسرائيل بشكل يخدم التوجهات العقائدية للتيار الديني الصهيوني. لقد حثت المرجعيات الدينية أتباعها على الانخراط في الوحدات القتالية تحديداً لأنها تدرك أن السيطرة على المواقع القيادية في الجيش يمنح هذا التيار القدرة على التأثير على المجتمع .

وقد أقر الجنرال إليعاز شتيرن الرئيس السابق لشعبة القوى البشرية في الجيش، وهو أحد أتباع التيار الديني الصهيوني، أن الرغبة في التأثير على مجريات الأمور في الكيان هو السبب الأبرز الذي يفسر اندفاع التيار الديني الصهيوني للتطوع للوحدات المقاتلة في الجيش .

ولقد أدركت مرجعيات التيار الديني الصهيوني أن عوائد اختراق الجيش " الإيجابية " لا تمنح هذا التيار القدرة على التأثير على دائرة صنع القرار أثناء الخدمة العسكرية فقط، بل تمكنهم من التأثير على الحلبة السياسية الداخلية بشكل كبير بعد تسرحهم من الخدمة العسكرية كجنرالات وضباط كبار في الاحتياط، إذ أن الأحزاب السياسية في إسرائيل تتنافس على استقطاب الجنرالات المتقاعدين لـ " تطعيم " قوائم مرشحيها للانتخابات بهم، فيصبح هؤلاء نواباً في الكنيست ووزراء في الحكومة، علاوة على أن الكيان يمنح الجنرالات المتقاعدين الأولوية لرئاسة الشركات الحكومية وشبه الحكومية وشغل الشواغر في السلك الدبلوماسي، وهذا يشكل مصدراً هائلاً للتأثير على دوائر صنع القرار في الكيان.

 

وسائل التغلغل

أتبع التيار الديني الصهيوني وسيلتين أساسيتين لضمان تغلغل أتباعه في الجيش وتبوء المواقع القيادية فيه، وهما: التعبئة الدينية الخاصة، وابتداع مسارات تعليمية تؤهل الشباب المتدين للخدمة العسكرية.

 

التعبئة الدينية

حرصت المرجعيات الدينية على إصدار الفتاوي التي تحث على التطوع للخدمة في الوحدات المقاتلة، واعتبار هذه مهمة دينية " مقدسة "، يتوجب على جميع أبناء التيار القيام بها. فقد أصد الحاخام مردخاي إلياهو الزعيم السابق للصهيونية الدينية في إسرائيل فتوى مطلع التسعينات تعتبر التطوع في الوحدات المقاتلة في الجيش: " واجب على كل متدين قادر، وأن التخلف عن هذا الواجب يعد معصية للرب وتجاوزاً لدرب أنبياء إسرائيل والصديقين على مر العصور "، في الوقت الذي اعتبر فيه الحاخام إبراهام شابيرا " الخدمة العسكرية والروح القتالية مهمة جماعية يفرضها الرب بهدف قيادة المشروع الصهيوني " ولا مجال هنا لاقتباس أقوال الكثير من الحاخامات الذين حثوا على التطوع للخدمة في الوحدات المقاتلة.

 

مسارات تعليمية دينية عسكرية

اتفقت قيادة الجيش الإسرائيلي ومرجعيات الصهيونية الدينية على بلورة مسارين تعليميين لتأهيل الشباب المتدين للخدمة العسكرية، يضمنان من ناحية استثمار الطاقة الكامنة في خدمة الشباب المتدين، ومن ناحية ثانية عدم المس بفرص تحصيل الجنود العلوم الدينية، لذا فقد تم إنشاء نوعين من المؤسسات التعليمية الخاصة لتحقيق هذا الهدف، يتم تمويلها من قبل الجيش، دون أن يكون للمؤسسة العسكرية حق التدخل في مناهج التعليم في هذه المدارس التي تحددها وتشرف على تدريسها المرجعيات الدينية ذاتها.

 

 المدارس الدينية العسكرية التمهيدية:  يطلق عليها " يشيفوت ههسدير "، وتم الشروع في تدشينها أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وقضى الاتفاق بين الجيش المرجعيات الدينية أن يواصل الطلاب في هذه المدارس تلقي تعليمهم الديني في الوقت الذي يؤدون الخدمة العسكرية، على أن يتم تدشين وحدات قتالية متجانسة خاصة بطلاب هذه المدارس، بحيث يخدم الجنود ثمانية عشر شهراً، تقسم على ثلاث مراحل، يخدم الطالب ستة أشهر في الجيش، ثم يتفرغ بعد ذلك لدراسة العلوم الدينية ستة أشهر أخرى، وبعد ذلك يعود للخدمة العسكرية لمدة ستة أشهر، وهكذا دواليك.

 

الأكاديميات الدينية قبل العسكرية: أقيمت أول أكاديمية دينية عسكرية عام 1996، ويمنح الجيش طلاب هذه الأكاديميات تأجيلاً من الخدمة العسكرية لمدة عام ونصف، حيث يتفرغون خلالها للعلوم الدينية، وبعد انتهاء هذه الفترة يخدمون ثلاثة أعوام، مثل سائر الجنود، وفي وحدات مختلطة يشاركهم فيها الجنود العلمانيون. ويمتاز هذا النوع من المؤسسات التعليمية بقدرة على استقطاب الطلاب بدرجة أكبر بكثير من المدارس الدينية التمهيدية. وقد مثل ظهور هذه الأكاديميات نقطة تحول فارقة في عدد المتدينين الذين يتجندون للوحدات المختارة.

ويشرف على هذين النوعين من المدارس حاخامات، عادة ما يكونوا من خريجي الوحدات المختارة في الجيش، علاوة على مناهج التدريس تركز على التوارة والتلمود والأدب التلمودي.

ومما لا شك فيه أن كلاً من التعبئة الدينية والمسارات التعليمية الخاصة قد أسهمتا في تعاظم الدافعية للخدمة في الوحدات المقاتلة في الجيش لدى الشباب المتدين، حيث أنها وصلت إلى 90% من إجمالي الشباب المنتمي للتيار الديني الصهيوني، في حين انخفضت الدافعية لدى الشباب العلماني إلى أقل من 48% . ومن المعطيات ذات الدلالة حقيقة أن عدد القتلى من الجنود الذين قدمتهم مستوطنة " عيلي " المتدينة والتي يبلغ تعداد سكانها ألف نسمة يساوي نفس عدد الجنود الذين قدمتهم مدينة " تل أبيب " معقل العلمانية الإسرائيلية والتي يبلغ تعداد سكانها مليون نسمة . وهذا منح أتباع التيار الديني الصهيوني احتراماً كبيراً في نظر عامة الجمهور الإسرائيلي، ولقى استحساناً كبيراً لدى قيادة الجيش التي وجدت في الشباب المتدين مخزون احتياطي جديد من الضباط المشحونين أيدلوجياً، وعزز في المقابل ثقة أتباع هذا التيار بأنفسهم ومنحهم الشعور بأن لهم الحق في التأثير على السياسات العامة للدولة.

 

تداعيات تغلغل المتدينين في الجيش الإسرائيلي

من المتوقع أن يترك تغلغل المتدينين في الجيش الإسرائيلي تأثيرات مستقبلية كبيرة وهامة سواءً على صعيد الداخلي، وعلى صعيد الصراع مع العرب، وسنتعرض لأهم التأثيرات المتوقعة لهذا التغلغل.

تهديد النظام السياسي

تبوء المتدينين المواقع القيادية في الجيش الإسرائيلي ينذر بتهديد جدي وخطير للنظام السياسي الإسرائيلي، حيث أن الضباط والجنود المتدينين الذين ينخرطون في الجيش يكفرون بقيم " الديموقراطية " والانتقال السلمي للسلطة، وتحظى التعاليم الصادرة عن المرجعيات الدينية والحاخامات باحترام أكبر لدى الضباط والجنود المتدينين من الأوامر التي تصدرها قيادة الجيش، ويطلب الحاخامات من طلابهم من الضباط والجنود  رفض الأوامر الصادرة عن قادتهم العسكريين في حال تعارضت مع تعاليم التوارة والتلمود. وهذا ما حدث أكثر من مرة، فقد أعلنت مجموعة من الضباط في لواء الصفوة " كفير " أنها لن تنفذ أي أوامر تصدرها قيادة الجيش بإخلاء النقاط التي أقامها المستوطنون بدون تصريح من الحكومات الإسرائيلية . ويتم تربية الضباط والجنود على رفض قيم الديموقراطية، فالحاخام إلياكيم ليفانون الذي يدير إحدى المدارس الدينية التمهيدية، قال: " الديموقراطية تضر بالواقع وتقود إلى خيارات غير حقيقية، ولذا يتوجب تجاوز حدود وأطر الديموقراطية، والالتزام فقط بالتوارة على اعتبار أنها تمثل الحقيقة المطلقة" . ومن الواضح أنه إذا كانت أبسط قواعد الديموقراطية تقوم على خضوع المستوى العسكري لتعليمات الحكومة المنتخبة، فإنه لا يوجد أي ضمانة أن ينفذ الجيش تعليمات الحكومات الإسرائيلية في حال زاد تمثيل المتدينين في هيئة أركان الجيش. ولعل الذي يدلل على  حجم قلق العلمانيين من تغلغل المتدينين في الجيش، هو ما قاله الجنرال شلومو غازيت، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية بأن " الجنود المتدينين يذكرونني بالولاء المزدوج للضباط في الجيش النازي".

 

 

 

إعادة صياغة النخب الإسرائيلية

على الرغم من أن النخب العلمانية لازالت تهيمن على المؤسسات الأكاديمية وتسيطر على المشهد الثقافي والإعلامي، وتضطلع بإدارة معظم المرافق الاقتصادية، إلا أنه منذ مطلع القرن الحالي حدث تراجع واضح وكبير في حجم سيطرة العلمانيين على هذه النخب لصالح المتدينين، وهذا لا يرجع فقط لتنامي دور الأحزاب الدينية وزيادة تأثيرها، بل بشكل أساسي بفضل العدد الكبير من كبار الضباط المتدينين الذين يتسرحون من الجيش ويتم استيعابهم في المرافق المدنية المختلفة. ويكفي أن المرء الذي يجلس الآن أمام شاشات التلفزة الإسرائيلية ليتابع البرامج الحوارية التي تبحث القضايا المختلفة يفاجأ بالعدد الكبير من المتدينين من أكاديميين وباحثين وكتاب رأي ومديري مرافق اقتصادية الذين يشاركون بشكل لافت في الجدل العام، وذلك بخلاف ما كانت عليه الأمور قبل عقدين من الزمان. وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يمنح المتدينين الفرصة للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي ودفعه لتقبل المنطلقات الأيدلوجية لهذا التيار من القضايا المطروحة. وضمن أسباب أخرى، يعتبر هذا أحد العوامل التي تقف ورا ء انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف والغلو.

 

إحباط التسوية

من الواضح أن تعاطي إسرائيل مع مشاريع التسوية التي تطرح لحل الصراع مع العرب وتحديداً مع الفلسطينيين ستتأثر إلى حد كبير بتنامي تأثير المتدينين على الجيش. فعلى سبيل المثال يفترض أن يشتمل أي اتفاق تسوية للصراع مع الفلسطينيين على إخلاء مستوطنات يهودية من الضفة الغربية، ومن الواضح أن كل المؤشرات تدلل على أن إخلاء المستوطنات سيواجه بردة فعل عنيفة من قبل أتباع التيار الديني الصهيوني، وضمنهم آلاف الضباط والجنود. وهذا بالضبط ما حدا بوزير القضاء الإسرائيلي الأسبق يوسيف لبيد أن ينصح رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت بعدم التعاطي بجدية مع المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، على اعتبار أن إخلاء المستوطنات يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية داخل إسرائيل، وتفكك الجيش .

وتلعب النخبة العسكرية دوراً هاماً في صنع القرارات السياسية، حيث أن الحكومات في إسرائيل تتخذ قراراتها بشكل عام في ضوء التوصيات التي تقدمها الهيئات القيادية في الجيش بوصفها جهات مهنية، ونادراً ما تتجاهل الحكومات توصيات الجيش. وهناك أكثر من مؤشر على أن التوصيات التي يقدمها الجنرالات المتدينون والتي تتعلق بالتسويات السياسية تتأثر بمواقفهم الأيدلوجية، وهناك بالفعل من شكك في موضوعية التوصيات التي يقدمها الجنرالات المتدينون. فعلى سبيل المثال اتهم الوزير السابق يوسي ساريد الجنرال يعكوف عامي درور الذي ينتمي للتيار الديني الصهيوني، والذي كان يرأس لواء الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية بـ " فبركة " التقييمات من أجل إقناع حكومة إيهود براك عام 2000 بأنه لا طائل من التسوية مع سوريا ولبنان، وذلك انطلاقاً من اعتبارات أيدلوجية وليس اعتبارات مهنية. علاوة على ذلك فإن انتقال الجنرالات المتدينين للعمل السياسي بعد تسرحهم من الخدمة العسكرية سيزيد من تأثير التيار الديني على صنع السياسات العامة في الكيان الصهيوني.

 

الاستلاب لخيار القوة

أن تغلغل المتدينين في الجيش الإسرائيلي لن يدفع فقط إسرائيل لنبذ سبل تسوية الصراع بالطرق السلمية، بل أنه سيدفع الكيان الصهيوني للتوسع في ممارسة القمع الفلسطينيين واستسهال شن حروب على العرب. ولقد تربى الضباط والجنود المتدينون على تقديس القوة والسجود لها والإيمان بتأثيرها لحسم الصراع مع العالم العربي، وقد قال الحاخام شلومو أفنير الذي كان مديراً لواحدة من أهم المدارس الدينية العسكرية " الحرب هي مأساة للفرد، إلا أنها ليست نعمة للأمة "، في حين حث الحاخام الحاخام يهودا أميتال، الذي كان يوصف بالاعتدال، على شن الحروب قائلاً " تولد الحرب عملية التطهير والتصفية والتنقية وتنظف مواطني إسرائيل " . من هنا فإنه نجاح المتدينين في السيطرة على المزيد من المواقع القيادية في الجيش سيعزز فقط ميل إسرائيل لشن مزيد من الحروب ضد العرب، والتوسع في استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة. في نفس الوقت فإن هناك علاقة واضحة بين تعاظم تأثير المتدينين على الجيش وبين ميله لاستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين والعرب. فقد أدت زيادة ثقل المتدينين الكبير في المواقع القيادية في الجيش الى فتح أبواب الجيش أمام غلاة المتطرفين من الحاخامات الذين اشتهروا بإصدار الفتاوى التي تدعو إلى قتل المدنيين الفلسطينيين، للتنظير لأفكارهم. وخلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة سمح الحاخام الرئيس للجيش بتوزيع نشرات تتضمن فتوى للحاخام شلومو أفنير تدعو لقتل المدنيين الفلسطينيين رجالاً ونساءً وأطفالاً وحتى البهائم وهناك مؤشرات كثيرة أن بعض الجهات داخل المستوطنات التي تتولى تنفيذ الاعتداءات ضد الفلسطينيين، مثال جماعة " فتية التلال "، التي تقوم باجتثاث أشجاز الزيتون وتسمم آبار المياه الإرتوازية في الضفة الغربية تضم عدداً من الجنود المتدينين في الجيش. يتضح مما تقدم إن مواصلة المتدينين تغلغلهم في الجيش الإسرائيلي يؤذن بحدودث تحولات كبيرة في المشهد الإسرائيلي الداخلي، وينذر بحقبة قاسية من المواجهة بين العرب والكيان الصهيوني.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر