موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
بين فتاوى الحاخامات .. ومعاداة السامية !

الاسلام اليوم 24/04/2005

أقامت المنظمات اليهوديّة في الولايات المتحدة مؤخراً الدنيا ولم تقعدها إثر ما اعتبرته صورة من صور معاداة الساميّة عبّر عنها أستاذ الفكر العربي في جامعة كولومبيا جوزيف مسعد؛ لانتقاده ممارسات القمع التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين. هذه المنظمات ومعها عدد كبير من وسائل الإعلام الأمريكية المنحازة والخاضعة لسيطرة اللوبي الصهيوني لا تقبل غير إقالة مسعد من الجامعة ليكون عبرة لمن يعتبر، على الرغم من أن لجنة شكلتها الجامعة توصلت إلى استنتاج مفاده أن مسعد لم يتجاوز دوره كمحاضر جامعي.
الذي بات واضحاً أن المنظمات اليهودية تحاول بسط أجواء من الرعب على كل محافل البحث العلمي في الولايات المتحدة وأوروبا لمنع تطور أي اتجاه لإدانة الدولة العبرية وفضح جرائمها مستغلة في ذلك الحملات الإعلامية المسعورة التي تقوم بها الهيئات والمؤسسات الإعلامية المملوكة لهذه المنظمات أو تلك الخاضعة لتأثيرها وابتزازها . ودائماً تكون التهمة جاهزة: معاداة الساميّة. ليس هذا فحسب، بل إن الجرأة على انتقاد إسرائيل قد يؤدي إلى قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية على دول بعينها. في أروقة مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين تتراكم حالياً العديد من مشاريع القوانين الداعية لفرض عقوبات على مصر تحديداً بسبب " مظاهر اللاساميّة " التي تعبر عنها وسائل الإعلام المصرية كما يزعم أعضاء الكونغرس الأمريكي، مع العلم أنه لا علاقة تربط الدولة المصرية بمعظم وسائل الإعلام المصرية "المتهمة باللاساميّة". المفارقة أن أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في واشنطن يعتمدون على التقارير التي تقدمها مؤسسة "ميمري" الإسرائيلية التي تُعنى بتتبع ما تنشره وتبثه وسائل الإعلام العربية، وتفحّص مظاهر " اللاساميّة " فيها.
تقارير "ميمري" أصبحت المقياس الوحيد الذي تقيس به الولايات المتحدة الأمريكية مظاهر اللاسامية في العالم العربي. وإلى جانب الكونغرس، فإن تقارير هذه المؤسسة تلقى اهتماماً خاصاً في البيت الأبيض ووزارة الخارجية. الطرف الذي "تدينه" تقارير " ميمري عليه ألاّ يستهجن أن تقوم الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية عليه، وذلك بعد أن وقّع الرئيس بوش في نهاية ولايته الأولى على مرسوم رئاسي يقضي بمعاقبة الدول التي تشجع على اللاساميّة. الذي يثير الاستهجان هو حقيقة أن الذي يقف على رأس مؤسسة "ميمري"، هو ضابط الموساد الأسبق يغآل كرمون، وهو شخص يحمل آراء يمينيّة عنصريّة و متطرفة جداً، فضلاً عن ذلك فقد ثبت بالدليل القاطع أن موظفي هذه المؤسسة يقومون بترجمة النصوص العربية للانجليزية والعبرية بشكل غير أمين.
ومع كل ما تقدم، فإن أحداً لا يبدي اهتماماً بمظاهر التحريض العنصري ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين التي تزخر بها وسائل الإعلام الإسرائيلية. قبل ثلاثة أسابيع قامت الصحف الإسرائيلية بإبراز فتوى أصدرها الحاخام مردخاي إلياهو، الحاخام الأكبر السابق للدولة العبرية، وأهم مرجعيّة دينيّة للصهاينة المتدينين، وتدعو الفتوى لإبادة الفلسطينيين بشكل كامل. مردخاي قال في فتوى تم تعميمها على جميع وسائل الإعلام، وحظيت باهتمام خاص من قبل وسائل الإعلام الدينية والمئات من المطبوعات التي تُوزّع داخل الكنس اليهودية في الدولة العبرية أنه يتوجب قتل جميع الفلسطينيين حتى أولئك الذين لا يشاركون في القتال ضد الاحتلال. لم يكتف الحاخام البارز بذلك، بل اعتبر أن هذه ليست مجرد فتوى، بل " فريضة من الرب يتوجب على اليهود تنفيذها". بعد ذلك بأسبوع قام أحد كبار الحاخامات اليهود بإصدار فتوى تبيح لتلاميذه في إحدى المستوطنات اليهودية شمال الضفة الغربية بسرقة محاصيل المزارعين الفلسطينيين، على اعتبار أنهم جزء من " الأغيار الذين يجوز لليهود استباحة ممتلكاتهم". وبالفعل فقد تم تطبيق فتوى الحاخام، وقام تلامذته بنهب المحاصيل الزراعية للفلسطينيين في شمال الضفة. دوف ليئور الحاخام الأكبر لمستوطنة" كريات أربع"، شمال شرق مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية، أصدر فتوى تبيح للمستوطنين تسميم مواشي ودواب المزارعين الفلسطينيين في البلدات والقرى المجاورة للمستوطنة. وأيضاً هنا لم يتردّد المستوطنون في تنفيذ الفتوى، فلا يكاد يمر يوم دون أن يستيقظ سكان هذه البلدات والقرى، إلا ويجدوا الكثير من دوابهم قد نفق بفعل السموم التي يرشّها المستوطنون على المراعي التي تقصدها ماشية الفلسطينيين. وإلى جانب تلك الفتاوى المجرمة، فإن هناك التحريض الفج على الفلسطينيين والعرب والتحقير من شأنهم وشأن دينهم. فهاهو الحاخام عفوديا يوسيف، الزعيم الروحي لحركة "شاس" اليمينية المتطرفة أكبر حركة دينية يهودية ذات ثقل سياسي، يصف العرب بـِ " الثعابين " ويدعو إلى عدم الوثوق بهم على الإطلاق. أما الحاخام إيلي الباز، الذي يُعتبر من أبرز الحاخامات الشرقيين، فلا يفوّت فرصة دون التهجّم على دين الإسلام والتعرض لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- بالذم. ليس هذا فحسب، بل إن هذا الحاخام المجرم يصر على التندر أمام مستمعيه بترديد النكات التي تمس المسلمين والفلسطينيين ويستخدم عبارات نابية في مهاجمة المسلمين. أما الحاخام إلياهو ريسكين من كبار حاخامات المستوطنين فيسخر من الدعوات لإجراء حوار بين حاخامات اليهود والقائمين على المؤسسة الدينية الرسمية في العالم العربي. ويرى ريسكين أن لغة الحوار الوحيدة بين المسلمين واليهود هي "الرصاص"، معتبراً أنه بدون إقناع العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص أنه لا يمكن فرض تسوية على "إسرائيل" بالقوة، فإنه لا طائل من مثل هذه الحوارات.
اللافت للنظر أن مؤسسات حفظ القانون والنظام في الدولة العبرية لم تحاول -ولو مرة واحدة- التعرض لهؤلاء الحاخامات أو مساءلتهم على هذا التحريض العنصري الذي لا يوازيه تحريض. ليس هذا فحسب، بل إن الحاخامات المتورطين في هذا التحريض يحظون بثقل متزايد في السياسة الإسرائيلية، ويتنافس صناع القرار السياسي في الدولة العبرية على استرضائهم والتقرب منهم، والتزلّف إليهم. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين الموقف الأمريكي من هذه الصور البشعة من صور التحريض، ولماذا هذا الصمت إزاء هذه الفتاوى القاتلة، ولماذا الكيل بمكيالين؟
الذي يثير المرارة أن أحداً في العالم العربي لم يحاول الاهتمام بما يصدر عن المرجعيات الدينيّة الكبرى في الدولة العبرية من فتاوى، ويحاول إطلاع الرأي العام العربي و العالمي على هذا المستنقع الآسن من الكراهية. لماذا لا تكون هناك مؤسسة عربية على غرار مؤسسة "ميمري" لفضح الإعلام الإسرائيلي المتجند لصالح الرواية الرسمية للدولة العبرية، والذي ينضح بالتحريض العنصري على الفلسطينيين والعرب والمسلمين؟!

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر