موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هكذا تخطط إسرائيل لإفشال المصالحة

لقد وقع إعلان الإتفاق بين حماس وفتح على إسرائيل وقع الصدمة والذهول، حيث أدرك صناع القرار في تل أبيب أن تطبيق الاتفاق بنجاح بشكل يؤدي إلى إنهاء حالة الإنقسام يؤذن بخسارة إسرائيل كل المكتسبات الإستراتيجية التي حققتها خلال الأعوام الخمسة التي تلت الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جاءت بحركة حماس إلى الحكم، وما تلاه ذلك من صدامات أدت إلى الانقسام الفلسطيني. فقد مكن الانقسام إسرائيل من تحقيق المكاسب التالية:

1-    سمحت حالة الانقسام لإسرائيل من سلب الفلسطينيين الإنجاز الوحيد الذي ضمنته إتفاقيات أوسلو، وهو الحفاظ على الوحدة السياسية  للضفة الغربية وقطاع غزة، حيث كرس الانقسام الفصل بين هاتين البقعتين، حيث مكن هذا الواقع إسرائيل من الانفراد بالضفة الغربية عبر الاستيطان والتهويد المتواصل والمنهجي. وقد أسهم انشغال القيادات الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع بمواجهة التحديات الناجمة عن الانقسام في مواصلة مشاريع التهويد والاستيطان في ظل أقل مستوى من الممانعة الفلسطينية الحقيقية، والرقابة الدولية.

2-    استخدمت إسرائيل الانقسام كذريعة لتنكرها للوفاء بمتطلبات عملية التسوية والمفاوضات مع السلطة عبر القول إنه لا يمكنها التوقيع على إتفاق تسوية مع أبو مازن، يتضمن الانسحاب من الأراضي المحتلة على اعتبار أنه لا يمثل الشعب الفلسطيني.

3-    وظفت إسرائيل حالة العداء الشديد لدى حركة فتح وقادتها في أعقاب الحسم العسكري في غزة أوساط عام 2007 لدفع التعاون الأمني بين أجهزة السلطة الأمنية وإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة، بشكل أسهم إلى حد كبير من تحسين البيئة الأمنية داخل إسرائيل وفي المستوطنات،مما أدى بدوره إلى تعاظم نسبة اليهود الذين يتجهون للإقامة في المستوطنات بفضل الشعور المتعاظم بالأمن. وحتى قادة المستوطنين فقد أقروا بدور أجهزة الأمن التابعة للسلطة في تعاظم المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

4-    مكن الانقسام إسرائيل من فرض الحصار على قطاع غزة مستفيدة من تواطؤ الكثير من الأطراف، وضمنها السلطة الفلسطينية.

5-    تدرك إسرائيل أن المصالحة ستزيد من رقعة التأييد الدولي للتحرك الفلسطيني الهادف إلى حشد أكبر دعم دولي لإعلان الدولة الفلسطينية في سبتمبر القادم، على اعتبار أن المصالحة ستظهر الفلسطينيين كموحدين.

6-     ستعزز المصالحة إلى حد كبير من فرص الاستجابة الجماهيرية للدعوات التي يطلقها الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة للشروع في انتفاضة ثالثة لكنس الاحتلال ومظاهره، وهي تعي إن هذا هو أسوأ توقيت يمكن أن تندلع فيه الانتفاضة، لأنها تدرك إنها ستحظى بدعم جماهيري عربي هائل تحركه الثورات العربية المجيدة، وسيدفع النظام العربي الرسمي إلى ردود فعل قوية ضد الكيان الصهيوني.

ماكينزمات التحرك الإسرائيلية

إزاء خسارة إسرائيل المتوقعة لمكاسبها التي جنتها من الانقسام، فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي، وستعمل على احباط تطبيق اتفاق المصالحة بكل ما أوتيت من قوة. وستلجأ إسرائيل لاستخدام كل الأدوات الممكنة لإفشال الاتفاق عبر الخطوات التالية:

الضغوط السياسية

يتضح من الحملة الدعائية الإسرائيلية المركزة والمكثفة التي أعقبت الإعلان عن اتفاق المصالحة أن تل أبيب ستحرص في المرحلة القادمة على محاول نزع الشرعية عن الحكومة الانتقالية التي سيشكلها الفلسطينيون، كما ينص اتفاق المصالحة، حيث ستثير إسرائيل شروط اللجنة الرباعية، المتمثلة في ضرورة اعتراف الحكومة بإسرائيل والاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل والسلطة، ونبذ المقاومة بوصفها " إرهاباً ". وستدعو إسرائيل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي للحكم على الحكومة الجديدة بقدر التزامها بمواصلة التعاون الأمني وتعقب المقاومة. فعلى سبيل المثال اعتبر ليبرمان إن قيام السلطة الفلسطينية بإطلاق سراح عناصر حركة حماس من سجونها مجرد " تآمر " على المس بأمن إسرائيل "، مع العلم أن معظم قادة وعناصر حماس في سجون السلطة تم اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية بعيد إفراج الجيش الإسرائيلي عنهم، أي إن إسرائيل أفرجت عنهم إما بعد انتهاء فترة محكومياتهم، أو بعد أن تبين لها أنه لا يوجد ما تدينه بهم. وتتوقع إسرائيل أن يتفهم العالم موقفها هذا. ومن نافلة القول إن إسرائيل ستحاول وضع أعضاء الحكومة الانتقالية تحت المجهر، وستحاول استغلال كل ما يربط وزراء الحكومة بحركة حماس من أجل العمل على شيطنة الحكومة بأسرها. وسيطالب الإسرائيليون العالم بفرض مقاطعة سياسية على قيادة السلطة ممثلة في رئيسها عباس، وستزعم أنه " عضو جديد في محور الشر ".

الضغوط الاقتصادية

ستسعى إسرائيل أن تثبت للفلسطينيين سيما في الضفة الغربية أن أوضاعهم لن تزداد إلا سوءً في ظل المصالحة، حيث ستحاول اقناع الدول المانحة بالتوقف عن تقديم الدعم المالي للسلطة، بحيث تصبح السلطة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين، مما يؤدي إلى تردي الأوضاع المعيشية في الضفة. وقد أعلنت إسرائيل إنها تدرس التوقف عن المشاركة في اجتماعات الدول المانحة لتعطيل تحويل الأموال لخزانة السلطة. وفي المقابل تهدد إسرائيل بالتوقف عن تحويل عوائد الضرائب التي تجنيها عن البضائع المستوردة للمناطق الفلسطينية لخزانة السلطة، مع العلم إن الحديث يدور عن عشرات الملايين من الدولارات في الشهر الواحد. وستعمل إسرائيل على التأثير بشكل غير مباشر على الأوضاع الاقتصادية عبر فرض قيود على حرية الحركة في الضفة الغربية لضرب عمل المرافق الاقتصادية وتراجع معدلات النمو، إلى جانب المس بالعمل في الكثير  من المشاريع الإنشائية ومشاريع البنى التحتية التي شرع فيها في كثير من مناطق الضفة الغربية، وذلك للوصول إلى نفس الهدف.

الضغوط الشخصية

لن تتردد إسرائيل في ممارسة الضغوط الشخصية على قيادات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، عبر حرمانهم من المزايا الشخصية التي منحت لهم بفعل مشاركتهم في الحرب على المقاومة الفلسطينية. وقد هدد ليبرمان عباس بأن " يحبسه " في الضفة الغربية وألا يسمح له بمغادرتها مطلقاً، علاوة على التهديد بسحب بطاقات ال " VIP "، التي منحتها إسرائيل لكبار مسؤولي السلطة وقادة أجهزتها الأمنية، والتي تضمن لهم حرية الحركة داخل الضفة وعبر الحدود. وتطمح إسرائيل أن تثمر التهديدات قبل وضعها موضع التهديد لأنها تدرس حجم إسهام الأجهزة الأمنية في الحفاظ على الأمن الإسرائيلي في الضفة الغربية وداخل إسرائيل نفسها، من هنا فإنها ستكون أكثر حذراً في تطبيقها.

الضغوط الأمنية

لن تتردد إسرائيل في استخدام الحلول العسكرية لإحباط المصالحة، سيما عبر توظيف أي عمليات إطلاق صواريخ تتم من قطاع غزة تجاه إسرائيل، حيث إنها ستطالب العالم بالتعاطي مع هذه الحوادث كإختبارات للحكومة الفلسطينية الانتقالية وذلك لاستدعاء الضغوط الدولية ولنسف شرعيتها مبكراً. ومن الواضح إن هناك فيض من الوسائل التي ستحاول إسرائيل عبرها جر الفلسطينيين لهذا المربع. فإسرائيل ستراهن على سلوك بعض المجموعات غير المضبوطة في قطاع غزة والتي تحرص على إطلاق الصواريخ في أكثر الأوقات حرجاً للساحة الفلسطينية. وفي حال لم يكن هناك من يوفر الذرائع لإسرائيل، فإنها ستلجأ إلى استفزاز الفصائل الفلسطينية عبر القيام بعمليات اغتيال بزعم توفر معلومات استخبارية مفبركة حول نية الفصائل القيام بهذا العمل أو ذاك لكي تستدرج الفصائل لردود فعل، وبالتالي يتسنى لها حشد دعم دولي لمواقفها ضد الحكومة الجديدة.

آليات التحرك الفلسطيني المضاد

إزاء كل ما تقدم، فإن الفلسطينيين مطالبون بالعمل بكل قوة على إنجاح اتفاق المصالحة بوصفه فرصة تاريخية لطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ الشعب الفلسطيني. وعليه فإنه يتوجب عدم ترك المجال للإسرائيليين لإفشال المصالحة، وذلك عبر ضبط عمليات المقاومة لكي لا توظف كسهم مرتد ضد الفلسطينيين، ويتوجب أيضاً عدم السماح للأطراف الداخلية التي ستضرر مصالحها من المصالحة أن تتواطأ مع الاحتلال لإفشاله. في نفس الوقت يتوجب التحلي بالحكمة في التعاطي مع تذرع إسرائيل بشروط الرباعية، بحيث يجب التسليم بإدارة منظمة التحرير للمفاوضات في ظل التمسك بالحد الأدنى من القواسم المشتركة فلسطينياً، وهي القواسم التي لا تقبل بها إسرائيل أصلاً، وفي المقابل مطالبة إسرائيل بما يجمع عليه العالم في الشأن الفلسطيني، حتى  يتم تعميق عزلتها الدولية واحباط قدرتها على التشويش على مشروع المصالحة. في نفس الوقت يتوجب على كل الفرقاء في الساحة الفلسطينيةعلى حشد أكبر الطاقات للشروع في انتفاضة فلسطينية ثالثة بهدف طرد الاحتلال من الأراضي المحتلة وتفكيك المستوطنات، وأن تحظى هذه الانتفاضة بدعم كل القيادات الفلسطينية بدون استثناء. فهذا ما سيشل إسرائيل ويقلص من قدرتها على افشال مشروع المصالحة.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر