موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حماس وفتح ..ومستقبل تفاهمات القاهرة !

الاسلام اليوم 25/05/2005

بلغ التوتر بين حركتي حماس و" فتح " في الأيام القليلة الماضية حدوداً لم يعرفها منذ سنوات عديدة، على خلفية الموقف من نتائج المرحلة الثانية من الانتخابات المحلية. فحركة "حماس" أعلنت رفضها لقرارات المحاكم القاضية بإعادة الانتخابات بشكل جزئي في مدينتي رفح وبيت لاهيا ومخيم "البريج" للاجئين، على اعتبار أن هذه القرارات جزء من مؤامرة حاكتها "فتح" بالتعاون مع السلطة. و"فتح" في المقابل دعت "حماس" إلى احترام قرارات القضاء الفلسطيني.
لأول وهلة يبدو موقف " فتح " منطقياً، فقرارات المحاكم يتوجب احترامها في أي نظام يطمح أن يكون ديموقراطياً، لكن نظرة متأنية تجعل الكثير من علامات الشك والريبة تطفو على السطح إزاء هذه القرارات. فالطرف الذي كان من المتوقع أي يدافع عن نزاهة الانتخابات أمام المحاكم هو اللجنة المركزية للانتخابات التابعة للسلطة التي تقودها "فتح". وهذه اللجنة قصرت بشكل واضح في الدفاع عن إجراءاتها أمام المحاكم، الأمر الذي سهّل على المحاكم قبول الطعون في نتائج الانتخابات. في نفس الوقت فقد كان من المفترض أن تُقدم الطعون في سلامة إجراءات الانتخابات قبل إغلاق صناديق الاقتراع كما ينص القانون، وليس بعد أن تُعلن النتائج. فإن كانت " فتح " مقتنعة حقاً بأن تجاوزات قد حدثت أثناء الانتخابات، فلماذا احتفلت في بادئ الأمر بفوزها في "رفح"، ولم تدع وجود أي خروقات، إلى أن تبين لاحقاً أن حماس هي التي فازت في الانتخابات؟ في نفس الوقت لماذا لم تحقق أجهزة السلطة ودوائرها القانونية في ظاهرة دفع الرشاوى للناخبين ومحاولة شراء الذمم من أجل التصويت لهذه القائمة أو تلك، والتي يشهد عليها القاصي والداني. والذي يثير الريبة هو تجاهل المحاكم التي بتّت في الطعون في نتائج الانتخابات؟!
حقيقة أن هذه الانتخابات جرت في ظل وجود فرق رقابة دولية، وهذه الفرق لم تسجل أي خروقات تذكر، إنها تكاد تكون المرة الأولى في تاريخ الانتخابات في العالم التي يدعي فيها حزب السلطة الحاكم أن المعارضة قامت بتزوير نتائج الانتخابات !
من ناحية ثانية إن كان من الطبيعي أن تنبري الفصائل والقوى السياسية للدعوة لاحترام قرارات المحاكم، فإن انبراء " فتح " للدفاع عن قرارات المحاكم الأخيرة عمل انتقائي ، فلقد صمتت " فتح" عندما ضربت السلطة الفلسطينية بعرض الحائط العشرات من القرارات التي أصدرتها محكمة العدل العليا، أكبر مرجعية قضائية في فلسطين والتي ألزمت فيها السلطة بالإفراج عن المجاهدين والمناضلين من أمثال أحمد سعادات أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفتح المؤسسات الوطنية التي أغلقت بغير وجه حق.

تفاهمات القاهرة في خطر

إن الخطورة الكامنة في التراشق حول الانتخابات بين حركتي "حماس" و"فتح"، وما يمكن أن يسفر عنه، تكمن في إمكانية أن يؤدي ذلك إلى انهيار التفاهمات التي توصلت إليها الفصائل الفلسطينية في القاهرة برعاية الحكومة المصرية. فهذه التفاهمات هي التي قادت للإعلان عن التهدئة وتنظيم الانتخابات المحلية والبلدية في الضفة الغربية وقطاع غزة. والمنطق الذي احتكمت إليه الأطراف الفلسطينية كان يقول: إنه يتوجب تفويت الفرصة على الحكومة الإسرائيلية ومنعها من إقناع العالم بتحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية مواصلة احتلالها للأرض الفلسطينية، ولاسيما بعد قرارها بتنفيذ خطة " فك الارتباط " في قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. وقد أبدت حماس ومعها بقية فصائل المقاومة قدراً كبيراً من المسؤولية عندما استجابت لنداءات الرئيس الفلسطيني محمود عباس وممثلي الحكومة المصرية، ووافقت على التهدئة وتجميد عمليات المقاومة، على الرغم من وعيها أن حكومة وجيش الاحتلال لن تحترم هذه التهدئة. وقد تحققت توقعات حماس عندما تنصلت إسرائيل من تعهدها بالإفراج عن الأسرى وتسليم مدن الضفة، ووقف ملاحقة وتعقب عناصر المقاومة.
لكن الذي أثار حفيظة حركة حماس هو أنها باتت تشعر أن حركة " فتح " ومن ورائها السلطة تريد أن تتعامل مع رزمة التفاهمات التي نتجت عن حوار القاهرة بشكل انتقائي. فالسلطة وفتح معنيتان بأن تواصل حماس الالتزام بالتهدئة ووقف إطلاق النار حتى تنفذ إسرائيل خطة " فك الارتباط "، وفي نفس الوقت تحاول أن تصادر حق الحركة في المشاركة في صنع القرار الفلسطيني بما تشكله من ثقل جماهيري واسع ، ومنعها من ترجمة قوتها وامتدادها الجماهيري في الانتخابات التشريعية المقبلة التي من المفترض أن تجرى في تموز المقبل. من هنا لا يجدر بالسلطة أن تدفع بحركة حماس إلى الزاوية، بحيث تعلن الحركة أنه إما أن يتم التعامل مع تفاهمات القاهرة كرزمة واحدة، أو يتم تجاهلها بالكلية.

حتى لا يندم الجميع

مكامن الخطورة في الواقع الجديد الذي نشأ في أعقاب التوتر المتصاعد بين حماس وفتح على خلفية نتائج الانتخابات لا تنحصر فقط في إمكانية القضاء على التجربة الديموقراطية التعددية في الساحة الفلسطينية في مهدها، ومنع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في اختيار من يرى أنهم أهل لثقته، بل هناك خطر الانحدار إلى حرب أهلية واقتتال داخلي يأتي على الأخضر واليابس. في نفس الوقت فإن انهيار تفاهمات القاهرة يعني أيضاً انهيار التهدئة مع قوات الاحتلال. لقد بدت الكثير من معالم انهيار هذه التهدئة واضحة للعيان. صحيح أن حركات المقاومة الفلسطينية محقة في إحصاء مظاهر عدم احترام إسرائيل للتهدئة، لكن المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني تقتضي حالياً الحفاظ على هذه التهدئة ، لأن هناك الكثير من المؤشرات على عدم جدية شارون في تنفيذ خطة " فك الارتباط "، وبالتالي فإن شارون سيكون ممتناً لكل طرف فلسطيني يوفّر له المبرر للقفز على تنفيذ "فك الارتباط". من هنا فإنه على الجميع في الساحة الفلسطينية أن يفوتوا هذه الفرصة على شارون، وألاّ يوفروا له المبررات للتغطية على نواياه الحقيقية.
على حركة " فتح أن تحترم رأي الشارع الفلسطيني الذي قرر- عبر صناديق الاقتراع - منح الفرصة لحركة حماس للمشاركة في صنع القرار الوطني الفلسطيني ، وفي المقابل على حركة حماس ألا تقفز لاستنتاجات متسرعة ومغلوطة، فترد على تصرفات فتح والسلطة بالعمل على انهيار التهدئة، وتوفير طوق النجاة لشارون لكي يضمن عدم تنفيذ فك الارتباط من جهة، ومن جهة ثانية يضمن مستقبله السياسي في رئاسة الحكومة وزعامة حزبه الحاكم. على قيادات حماس من جهة والسلطة وفتح من جهة أخرى تدارك الأمر ووعي خطوة التداعيات التي من الممكن أن تنجم عن هذا التراشق غير المبرر

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر