موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
فتنة اليرموك وحقائق تروى لكتابنا المتسرعين

فتنة اليرموك وحقائق تروى لكتابنا المتسرعين

 

بقلم: زياد ابوشاويش

كان فلسطينيو مخيم اليرموك في غنىً عن سيناريو الفتنة الدائر في سورية والمتنقل من منطقة لأخرى على غير هدى، ويبدو أننا حسدنا أنفسنا، أو أن هناك في الواقع من قرر أن يصيبنا بعين الغيرة والحسد للهدوء والأمان الذي يعم مخيم اليرموك منذ بدء الأحداث في سورية رغم أغلبية سكانه السوريين الذين يشكلون أضعافاً مضاعفة لعدد الفلسطينين فيه.

أمس راودني شيطان الكتابة فيما وقع من أحداث بدأت صغيرة وثانوية بمقبرة الشهداء الجديدة لتتطور بفعل عوامل متعددة على رأسها التحريض والزعرنة إلى وقائع فتنة موصوفة، إن لم نقل مدروسة ومتعمدة، لكني أحجمت عن ذلك بسبب عدم معرفتي ببعض الوقائع البسيطة والتي لا تعرقل تناول المسألة، لولا أني وجدت من الأنسب الانتظار حتى أتحراها لكتابة أكثر موضوعية وفائدة من زاوية الدروس والمعالجات المطلوبة حتى لا تقع كارثة حقيقية في المخيم.

اليوم صدمني في الحقيقة مقالات متعددة لكتاب محسوبين على لون سياسي فلسطيني واحد وتتناول الحدث بطريقة خاطئة وغير موضوعية وبها رائحة الانحياز لموقف أقرب للتشهير ومن خلفية حاقدة لم تر فيما وقع غير الذريعة والمستندات التي تدين طرف فلسطيني محدد ثم تأخذ في طريقها كل الرصانة والحرص  والموضوعية التي يجب أن تتصف بها مقالات تتناول شأناً حساساً كهذا.

هذه المقالات وخاصة مقال السيد حسن عصفور الوزير السابق في سلطة الحكم الذاتي ورئيس تحرير موقع "أمد" بعنوان "عصابة جبريل المسلحة" تفتقد ليس فقط للنزاهة والموضوعية بل وكذلك الحرص الوطني المفترض في كتاب بعضهم كبار وتجمعني بهم صداقة طيبة ومتينة كالأخ عدلي صادق الذي اعتبر أن ما وقع كان بغرض انتقام الجبهة الشعبية القيادة العامة من الشعب الذي أحب ياسر عرفات وسانده في حياته. إن محاولة الأخ حسن عصفور التفريق بين ما أسماه عصابة مسلحة تأتمر بقرار الأخ أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية القيادة العامة وباقي الرفاق والإخوة في نفس الجبهة لم يكسب مقاله السيئ هذا أي موضوعية، وزاد الطين بلة أن يطالب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالوقوف أمام الأخ ماهر الطاهر مسؤول الجبهة في الخارج لمحاسبته على مساهمته في خلق المشكلة بإطلاق مرافقيه النار على المشيعين وكأن ماهر الطاهر حقاً من اعتدى على الجمهور وليس العكس. كنت أتمنى من كل الزملاء الأعزاء الابتعاد عن الإسقاطات الشخصية، السياسية منها والتاريخية حين تتناول أمراً خطيراً كهذا، لأن العكس يعني المزيد من إراقة الدماء ومفاقمة الأزمة والفتنة التي عصفت بمخيمنا أمس.

لقد حضرت القسم الدامي من المشكلة التي وقعت بسبب هجوم المتظاهرين على مقر مؤسسة الخالصة التابعة للقيادة العامة بعد أن لاحقوا قيادات منها بدءاً من المقبرة حتى المقر غرب مخيم اليرموك، أما باقي الوقائع فقد استمعت إليها من عدة مصادر وشهود عيان ليسوا كشهود فضائية الجزيرة ومن لف لفها، (مؤسسة الخالصة تضم روضة وحضانة وصالات تدريب مسرحي وغنائي، كما تضم قاعات لتدريس اللغة العبرية وعمل الندوات، وأخرى مكاتب لإقليم سورية، ويقابلها مكاتب للحراسات والمناوبات الليلية).

دأت المشكلة حين تهجم بعض المتطرفين من المشيعين على الأخ ماهر الطاهر بسبب اعتقادهم أنه من القيادات التابعة لفصيل آخر ولأنه رد على شتائم بعضهم لفصائل المقاومة، ولم يكتف هؤلاء بذلك بل قاموا بشج رأسه وتكاثروا عليه مما اضطره للهرب واللجوء للبيوت المجاورة للمقبرة والتي اقتحم بعضها من قبل هؤلاء ليحطموا باب أحد شققها لكنهم لم يجدوه وتمكن من الإفلات من الموت بعد أن أطلق مرافقه رصاصة يتيمة واحدة في الهواء لتخفيف الهجوم عليه.

كانت الأمور في ذات الوقت تتفاقم سباباً بين بعض المشيعين الغاضبين وكوادر من القيادة العامة وقياداتها و قد التف مرافقوهم حولهم ومن بينهم الأخ أبو جهاد طلال ناجي الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية القيادة العامة الذي حضر التشييع وشارك فيه أسوة بعدد كبير من كادرات الفصائل وقياداتها كما جرت العادة، وكما حدث في تشييع الخامس عشر من آيار الماضي في ذكرى النكبة.

أرغم المحتجون المتطرفون والرافضون حضور هؤلاء للتشييع قيادة وكوادر القيادة العامة على الخروج سريعاً من مقبرة الشهداء (الهرب بلغة أخرى) باتجاه مكاتبهم في مؤسسة الخالصة، فما كان من بعض المتظاهرين إلا الجري في أعقابهم يحملون في أيديهم الأسلحة البيضاء وإطلاق الهتافات والشتائم لأحمد جبريل والفصائل الفلسطينية، وحين وصلوا أبعد قليلاً من مشفى فلسطين أطلق الحراس والمرافقون النار في الهواء لتخويفهم ودفعهم بعيداً عن الخالصة، لكن ذلك لم يردعهم ليبدأوا هجومهم القاسي على المقر، وتبدأ من هذه اللحظة مأساة حقيقية اختلط فيها العفوي بالمدروس، والبريء بالمشبوه والمدسوس.

لقد حضرت وشاهدت هذا القسم من المأساة كما أسلفت وتمكنت من رصد الوقائع بشكل جيد وأستطيع القول أن قيادات وكوادر الجبهة الشعبية القيادة العامة الذين لجأوا للمقر قد وقعوا في مصيدة قاتلة لم يتمكنوا من الإفلات منها إلا بعد ساعات طويلة ومؤلمة كانت مليئة بالعذاب لنا ولهم وللجمهور المتفرج، وللجمهور الغاضب الذي لم يتجاوز حجمه العددي ال 300 شاب كانوا يحملون كما أسلفنا أسلحة بيضاء وبعض نافثات اللهب من عبوات تستخدم في أغراض غير الذي استخدمها الشباب فيه، وبها تمكن من إحراق عدد كبير من السيارات للقيادة العامة والناس العاديين من الجيران، وكذلك أحرق المقر برمته بعد أن تمكن المحاصرون فيه من الهرب. لقد شاهدت اليوم بأم عيني أحد الحراس وقد تفحمت جثته بسبب حرقه من جانب الشبان الغاضبين بعد أن أغلقوا عليه "المحرس"، كما أن مسؤول إقليم الجبهة قتل بعشرات الطعنات التي انهالت عليه إثر وقوعه بين أيدي المتظاهرين، كما قتل ثالث من الجبهة، ونقلت جثامينهم جميعاً لمكان بعيد من بينها الحارس الذي شاهدته وعدد كبير من الأهالي اليوم بعد أن أخرجوه من حجرة الحراسة محروقاً ومتفحماً. 

سيتساءل البعض مزمجراً وأين القتلى والجرحى الذين سقطوا من الشعب على أيدي جلاوزة أحمد جبريل؟ وهل كان قتلهم مبرراً ؟ وإليكم التالي:

حين كان يقترب الغاضبون والمحرضون كثيراً من باب المؤسسة كان يتحول إطلاق النار في الهواء للتخويف إلى إطلاق نار مباشر على أرجل هؤلاء من جانب طرفين من مطلقي النار، الأول مسلحوا الجبهة وحراسات المقر من الطوابق العلوية وهي أصابت عدد كبير من الناس تجاوز الخمسين وقتلت آخرين لا يتجاوز عددهم أربعة، والقتيلين الآخرين تم رميهم من طرف ثاني تواجد على أسطح البنايات الخلفية ليصل العدد الإجمالي للقتلى ستة مواطنين بينهم رجل مسن تدخل للتوسط والتهدئة فاغتاله هؤلاء، وقد تمكنت قوى الأمن والأهالي من اصطيادهم وهم ثلاثة من بينهم رجل من أصول غير عربية أنزلوهم عن شرفات وأسطح تلك البنايات وتم اعتقالهم واقتيادهم بعيداً عن موقع الأحداث.

إن ما يدفع للاعتقاد بوجود تخطيط مسبق لما جرى ينطلق من المظاهر الآتية:

1 – لم يسبق للمخيم أن وقع في فتنة شبيهة حتى في أحلك الأوقات وأثناء الانشقاق الكبير في حركة فتح، وانشقاق فصائل أخرى على مدار ثلاث عقود.

2 – الهتافات والشتائم غير المسبوقة التي أطلقها بعض المشيعين داخل المقبرة وليس في مكان آخر وقلة عدد المتطرفين الذين هاجموا الخالصة.

3 – إلقاء القبض على عدد من المندسين الذين يطلقون النار على الناس من أماكن مرتفعة بعد أن لوحظ الفرق بين طريقة هؤلاء في التصويب وحراس الخالصة، وشوهدوا على الشرفات.

4 – السن الصغير لمعظم من شارك في حصار مؤسسة الخالصة وإصرارهم على الهجوم رغم إطلاق النار عليهم الأمر الذي يدل على أن معظم الطلقات كانت للتحذير، ولو كان الإخوة في مؤسسة الخالصة يتقصدون القتل لأوقعوا مئات القتلى وفكوا الحصار عن أنفسهم وقياداتهم من الساعة الأولى.

5 – الإصرار على حرق المبنى كاملاً ومن ثم اقتحامه لسرقة السلاح والذخيرة منه و قد حصل المقتحمون على عدد من قطع السلاح والذخيرة كما فهمت من شهود بقوا حتى اللحظة الأخيرة، علماً بأن إطلاق النار استمر حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

 

6 – الطريقة القاسية والبشعة لقتل الأخ مسؤول إقليم الجبهة الشعبية القيادة العامة بطعنات تعد بالعشرات لم تترك شبراً من جسده إلا ونال فيه عدة طعنات، ومع تلك الطريقة التي لاحق بها هؤلاء المتطرفون الأخ ماهر الطاهر مسؤول الشعبية في الخارج.

هذه هي الصورة من كل جوانبها لما وقع وبالتالي يمكن القول في مجال الاستنتاج والمعالجة أي شيء بالاستناد للحقائق كما جرت وليس بتسرع يفضي لمعضلة جديدة يصعب علاجها، ومن هنا يمكننا القول أنه برغم إدانتنا لإطلاق النار على المتظاهرين من جانب حراسات المؤسسة بغرض القتل إلا أن ذلك الأمر قد وقع اضطراراً وفي مجال الدفاع عن النفس، ولو تمكن الغاضبون من ماهر الطاهر ومن أعضاء المكتب السياسي وكوادر القيادة العامة الذين تحصنوا في الخالصة لقتلوهم بطريقة وحشية كما فعلوا مع مسؤول الإقليم بسبب التحريض وإثارة الأحقاد التي مورست قبل وأثناء التشييع وبعده.

وفي مجال المعالجة السريعة قبل أن تحدث ردات فعل غير محسوبة لابد من اللجوء لمخاتير المخيم ووجهائه من أجل تهدئة النفوس أولاً، ومن ثم إجراء المصالحات الضرورية لتجنيب أهلنا في اليرموك (فلسطينيين وسوريين) عواقب مدمرة نحن في غنى عنها تماماً.

وأخيراً نود أن نؤكد بشكل واضح لا لبس فيه أن الأخ أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية القيادة العامة ليس مسؤولاً عما وقع أمس باليرموك سواء كنا نحب الرجل أو لا نحبه، وسواء اتفقنا معه سياسياً أو لم نتفق، وليس من النزاهة أن يسكت كاتب ومناضل معروف مثلي عن هذه الحقيقة لإرضاء سين أو صاد من الناس، كما أنني أرجو من كل الكتاب والزملاء اتقاء غضب الله، وفتنة تصيب أهلكم في سورية وتصلكم بعض شظاياها. الوضع في سورية حساس للغاية ولا ينقصنا مزيد من التوتر أو سقوط الضحايا، ولنعد صفاً واحداً في مقاومة العدو الصهيوني.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر