موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الإصلاحات في السلطة.. الأولويّات المغيّبة!

الاسلام اليوم 28/04/2005

حرصت السلطة الفلسطينية على إحاطة القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس محمود عباس بشأن إصلاح الأجهزة الأمنية بأجواء من الإثارة المفتعلة والمبالغ فيها. فتوحيد الأجهزة الأمنية وحصرها في ثلاث أجهزة فقط، وتحديد مرجعية واحدة لها، فضلاً عن إحالة المئات من الضباط للتقاعد تم تصويره وكأنه الحلقة المفقودة التي بها يتعافى الواقع الفلسطيني الداخلي.
لا شك أن هناك حاجة ماسة لتوحيد الأجهزة الأمنية، فلا يعقل أن تحتفظ السلطة الفلسطينية المسؤولة عن ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة فقط، بسبعة عشر جهازاً أمنياً، كل منها يحتفظ بمرجعيته الخاصة، ومن الطبيعي أن يتم إحالة أولئك الذين بلغوا سن التقاعد من كبار وصغار الضباط في هذه الأجهزة. لكن السؤال الذي يُطرح هنا وبقوة: هل كل مكامن الخلل في واقع الأجهزة الأمنية التي تحتاج لإصلاح يمكن في اختزالها فقط ، وبالتالي في حال تم اختزالها إلى ثلاثة أجهزة فإن الأمور تصبح على ما يرام؟؟ بكل تأكيد إن تشخيص مكامن الخلل في واقع الأجهزة الأمنية الفلسطينية أوسع من أن يتم حصره في هاتين النقطتين فقط.

ما تتجاهله الإصلاحات

من أجل وضع النقاط على الحروف، فإننا نعدد هنا مكامن الخلل الكبيرة، التي على ما يبدو، لا تظهر قيادة السلطة الفلسطينية استعداداً لإصلاحها، بل وتتجاهل حتى مجرد اعتبارها خللاً يتوجب إصلاحه:
أولاً: من المسلم به أن يكون دور الأجهزة الأمنية في أي نظام سياسي هو العمل على حفظ أمن المجتمع، والذود عن المواطنين الذين يحكمهم هذا النظام في وجه العدو الخارجي الذي يتربص بالوطن والمواطن. لكن واقع حال السلطة يؤكد أنه منذ الإعلان عنها في العام 1994، وحتى الآن كانت وظيفة أجهزتها الأمنية محصورة في مواجهة حركات العمل الوطني الفلسطيني، ومحاولة إحباط عمليات المقاومة ضد الاحتلال. فقد عملت أجهزة السلطة الأمنية على توجيه ضربات قاسية جداً لحركات المقاومة الفلسطينية، ولا سيما في السنوات الممتدة بين العامين 1995 وحتى العام 1999؛ إذ تم الزج بالمجاهدين والمناضلين في غياهب السجون، وعملت هذه الأجهزة على تفكيك البنية التنظيمية لحركات المقاومة والمس بقياداتها، ومحاولة تجفيف كل المنابع التي ترفد المقاومة، في ظل تنسيق أمني سافر ومكشوف مع أجهزة الأمن الإسرائيلية. وللأسف الشديد أنه -حتى الآن- هناك العديد من المعتقلين السياسيين الذين تحتجزهم أجهزة السلطة الأمنية على خلفية قيامهم بعمليات مقاومة ضد الاحتلال، كما هو حاصل مع العديد من عناصر حركة "الجهاد الإسلامي" المعتقلين في سجون السلطة في أريحا، والذين أكد محاميهم أنهم يتعرضون حالياً للتعذيب. من هنا كان من الأهمية بمكان أن تعترف قيادة السلطة الفلسطينية بالدور السلبي للأجهزة الأمنية ليس فقط في تقليص هامش المناورة ضد الاحتلال، بل وبعملها الدؤوب على المس بالوحدة الوطنية الفلسطينية التي تشكل أهم دعامات الصمود في مواجهة الاحتلال. ولذا على قيادة السلطة أن تقوم بتحديد وظيفة أجهزتها الأمنية وحصرها في حفظ أمن المواطن الفلسطيني، وليس حفظ أمن الاحتلال تحت شعارات ومسوغات باطلة.
ثانياً: لم تكتف الأجهزة الأمنية الفلسطينية فقط بضرب مقاومة الشعب الفلسطيني، بل إنها أصبحت مصدر خطر يهدد السلم المجتمعي في الضفة الغربية وقطاع غزة. فالمسؤولية عن حالة الفوضى والفلتان الأمني تقع على عاتق الأجهزة الأمنية. فمنتسبوها هم الذين يسيئون استخدام السلاح. في نفس الوقت فقد وظف قادة الأجهزة الأمنية والمقربون منهم نفوذهم في التدخل في الشؤون الاقتصادية، وقاموا باحتكار الاتجار بالعديد من المواد الخام التي يحتاجها المجتمع الفلسطيني، دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض، فضلاً عن ذلك فقد قام العديد من العاملين في الأجهزة الأمنية بابتزاز الناس وإرغامهم على دفع أموال مقابل خدمات تعتبر من صلب وظيفة هذه الأجهزة.
ثالثاً: بدلاً من العمل على تطبيق القانون وقرارات الجهاز القضائي الفلسطيني، حرصت قيادات الأجهزة الأمنية على تجاهل قرارات القضاء والمحاكم. فقد أصدرت محكمة العدل العليا الفلسطينية – التي تُعتبر أكبر مرجعية قضائية في السلطة – العشرات من الأحكام والقرارات التي تلزم الأجهزة الأمنية بالإفراج عن مناضلين قامت باعتقالهم تعسفاً وظلماً واسترضاءً لحكومة الاحتلال، إلا أن هذه الأجهزة تعاملت باستخفاف شديد مع هذه الأحكام ورفضت تطبيقها. من هنا فقد لعبت الأجهزة الأمنية دوراً هاماً في القضاء على هيبة المؤسسات القضائية الفلسطينية، وحولت قراراتها إلى مناسبة للتندر في الشارع الفلسطيني.
رابعاً: إلى جانب كل ذلك فقد تم تسييس الأجهزة الأمنية، فقادة الأجهزة وكبار الضباط فيها يجب أن يكونوا من حركة " فتح "، ولا يمكن تجنيد شخص ما لهذه الأجهزة إلا إذا كان منتمياً لـِ " فتح "، أو على الأقل عليه أن يحصل على تزكية من قيادة حركة " فتح " في مكان سكناه. أما المنتمون للحركات الفلسطينية الأخرى وبالذات الحركات الإسلامية فعليهم ألاّ يضيعوا أوقاتهم في محاولة الالتحاق بهذه الأجهزة.
لم يقتصر تدخل الأجهزة الأمنية في وضع معايير سياسية تنظيمية لمن ينضم إليها، بل إن العمل في المرافق الخدماتيّة في جهاز السلطة المدني يتطلب موافقة أمنية، وكثيراً ما تم استثناء المنتمين للحركات الإسلامية من التوظيف.و قادة الأجهزة الأمنية لا يتورّعون أيضاً عن التدخل في الشؤون السياسية الحزبية بشكل يعقد شبكة العلاقات المجتمعية بين السلطة والفصائل، على الرغم من أن ذلك أبعد ما يكون عن مجال اختصاصهم.

التحرك وفق البوصلة الأمريكية

إن كل من يدّعي أن الإصلاحات في السلطة تنطلق من المصلحة الوطنية، عليه أن يقضي على مكامن الخلل آنفة الذكر في عمل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة. من هنا فإنه من حق الكثيرين أن يشككوا في الدوافع التي تحرك قيادة السلطة في كل ما يتعلق بعملية إصلاح الأجهزة الآمنة ما دام يتم تجاهل التعاطي مع مكامن الخلل الحقيقية.
الذي يقوي بواعث الشك والريبة وانعدام الثقة هو حقيقة الدور الذي يقوم به الجنرال (وورد) الذي عينه الرئيس الأمريكي جورج بوش للإشراف على عملية " إصلاح " الأجهزة الأمنية الفلسطينية.وواضح تماماً أن الأجندة التي يحاول (وورد) إملاءها على الأجهزة الأمنية الفلسطينية هي الأجندة التي تهم تل أبيب بدرجة أولى، بحيث تعطى الأولوية للعمل على تفكيك حركات المقاومة الفلسطينية بالتدريج عن طريق جمع أسلحتها. فقد شرع قادة الأجهزة الأمنية في حملة مكشوفة لنزع الشرعية عن سلاح المقاومة بزعم أن السلاح الشرعي الوحيد الذي يجب أن يبقى هو سلاح السلطة فقط، مع أن هؤلاء يعون أن الاحتلال سيظل جاثماً على معظم الأراضي الفلسطينية، وهم لا يقدمون بديلاً منطقياً كفيلاً بتحرير هذه الأرض.
قصارى القول أنه على أبناء الشعب الفلسطيني سواء في فصائل المقاومة أو في الاتحادات النقابية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني أن يعملوا على إلزام قيادة السلطة باعتماد الأولويات الوطنية في عملية إصلاح الأجهزة الأمنية بما يخدم القضية العادلة للشعب الفلسطيني. يتوجب أن تدور الحملات الانتخابية قبيل إجراء الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في السابع عشر من تموز المقبل، حول المعايير الوطنية للإصلاح. وعلى السلطة أن تعي أن أحداً ليس بوسعه أن يفرض على هذا الشعب قائمة الإصلاحات التي لا تساهم إلا في إطالة عمر الاحتلال.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر