موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الفلسطيني.......... عندما تنهار عوالمه الخاصة

لم تكن برودة المياه هي فقط التي فاجأتنا أنا وولداي عندما اندفعنا للسباحة على شاطئ البحر قبيل غروب أول أمس ، فعلى الرغم من أنه كان  شهر تموز، وهو وقت يكثر فيه عادة الغزيون الذين يفرون من ضيق مدنهم ومخيماتهم الى سعة البحر الذي لا يضيق بزائريه، إلا أننا لم نجد قبيل غروب ذلك اليوم أحد على طول الشاطئ الذي بدا شاحباً، بإستثناء بعض الشباب الذين كانوا يمارسون هواية الصيد بصناراتهم.استلقى ثلاثتنا في الماء في بقعة تحدها الصخور من جهات ثلاث، وأسندت رأسي الى احدى الصخور، بينما كان ولدي محمد " يستعرض " قدراته في القفز في البحر من فوق الصخرة، في حين كان " عبد الله " الصغير ينتصب بقدميه فوق صدري، بعد أن حول جسد والده الى قارب. وبعد أن ترجل صغيري من على جسدي ليجمع ما تيسر من زلف، أطللت برأسي نحو الأفق الغربي، لأرى بارجة عسكرية تمخر عباب البحر، وقد كسر مدفعها المثبت في المقدمة اشعة اللأصيل المنبعثة من قرص الشمس الذي يوشك على الغرق في لجة الماء الزرقاء. في زمن مضى،  كان مثل هذا المشهد لا يعني الكثير بالنسبة لي ولغيري من الفلسطينيين الذين يهربون الى البحر في نهاية يوم عمل، لكنه أصبح يعني الكثير بعد أن حولت قبل عدة سنوات مثل هذه البارجة حياة عائلة غالية الى عين بعد أثر، ولتخلد المأساة في مشهد الطفلة هدى الولهى الباكية، وهي تنتقل من جثة الى أخرى من جثث أفراد عائلته …… تذكرت ما حل بتلك العائلة التي قصدت البحر مثلنا للاستجمام، وسألت نفسي: ألا يمكن أن تنتهي رحلتي وولداي للبحر الى نفس النهاية المأساوية ؟ …..علمت أن عالمي يمكن أن ينهار كما انهار عالم تلك العائلة….تخيلت أن يحدث لنا ما حدث لتلك العائلة، لكن بفارق واحد، أن عائلة غالية لم تضع في حسبانها أن تنتهي الى ذاك المصير….. تخيلت أن نقضي جميعاً، أو يعود بعضنا.…..وحتى تظهر الخفايا الخاصة بعالم عائلة غالية التي لا أعرفها.....فأطرقت لتصور جزءاً من عالمي الخاص الذي يمكن أن ينهار، مادامت تلك الأصول التي تحكم حياة الفلسطيني، فحسب العرف الإسرائيلي لا يوجد لفلسطيني ما بوليصة تأمين على حياته…… اطرقت قليلاً، تذكرت أبني محمد وهو يهم الخطا نحو مسجد الحي في أثري… تذكرته تبدو عليه معالم الجدية وهو يسقي الأشجار والزهور في حديقة البيت، واضعاً يديه على خاصرته النحيفة، يرد على استفساراتي دون أن ينظر الي، بمظهر يشي بعمق الانغماس فيما يقوم به…. تذكرت عبد الله وهو يقتحم علي مكتبي بابتسامته الساحرة… ارتسمت على صفحة الماء أمامي صورته وهو يرتمي في أحضاني بعد أن يقابلني مسرعاً وسط الطريق الذي يخترق كرم الزيتون المجاور للبيت…تذكرته وهو يعانق جدته…… … تذكرت وتذكرت……. قلت في نفس أن هذه الصور التي مرت في ذاكرتي قبل قليل هي نفسها التي كانت يتشكل منها يوم عائلة غالية……وقد تكون مشاهد أكثر عمقاً وأكثر حميمية……لكن الناس لم يصلهم إلا مشهد تلك الفتاة المفجوعة…..ومثل هذه المشاهد كانت ترتسم على طول درب تلك العائلة المغدورة…..فهذه المشاهد لا توثقها كاميرا، ولا ترسمها ريشة صحافي… وبينما أنا اغرق في ذلك، فإذا بمحمد يربت على كتفي منبهاً أياي أنه لم يتبقى إلا عشر دقائق على موعد أذان العشاء فنحن لم نصلي المغرب بعد، فعجلنا للصلاة ثم قفلنا عائدين.

 

.

 

.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر