موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
نفقات الأمن الإسرائيلي في ظل الثورات العربية

عتبرت النخبة الأمنية الإسرائيلية أن تفجر ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي  وإسقاطاتها المحتملة  يفرض على إسرائيل إعادة صياغة عقيدتها الأمنية من جديد، والمبادرة بإحداث تغييرات جوهرية على بنية الجيش الإسرائيلي وطابع استعداداته، مما يستدعي زيادة موازنة الأمن وإعادة صياغة مركباتها لتستجيب للتهديدات المتوقعة. تعرض هذه الدراسة للمسوغات التي يقدمها قادة جهاز الأمن الإسرائيلي لتبرير المطالبة بزيادة النفقات الأمنية في أعقاب تفجر الثورات العربية، والأوجه المحتملة التي تستوعب هذه الزيادة، علاوة على تقييم الخبراء الاقتصاديين وأرباب المرافق الاقتصادية الإسرائيلية لهذه المطالبات، وتأثيراتها المتوقعة على الاقتصاد الإسرائيلي.

نشرت الدارسة في " المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات " في الدوحة:

http://www.dohainstitute.org/Home/Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0-d92cbb5dd3e4&resourceId=2e3fc631-a2e6-4fe1-8bfe-1d9c482c9027

 

" السلام " وطفرة إسرائيل الاقتصادية

تدلل المعطيات الرسمية الإسرائيلية على أن توقيع اتفاقية " كامب ديفيد " مع  مصر، قد مهد الطريق نحو تمكن إسرائيل من معالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ظهرت بعد حرب عام 1973 وبلغت ذروتها في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، والتي تمثلت في تراجع مستويات النمو واستفحال الركود الاقتصادي وبلوغ التضخم مستويات غير مسبوقة، والانطلاق بعد ذلك نحو تحقيق طفرة اقتصادية.  فقد وظفت إسرائيل تراجع مستوى التهديدات الأمنية في أعقاب التوقيع على " كامب ديفيد في تقليص النفقات الأمنية بشكل كبير، بحيث تم توجيه الموارد التي كانت مخصصة للأمن نحو الاستثمار في مجال البنى التحتية المدنية والتقنيات المتقدمة، وغيرها من المجالات، التي منحت قطاع التصدير دفعة قوية، مما أسهم بدوره في زيادة العوائد المالية على خزانة الدولة . وإثر هذا الواقع  حدث تراجع كبير على حجم الحصة التي تشغلها موازنة الأمن من كل من موازنة الدولة العامة ومن إجمالي الناتج المحلي.

 فكأحد استخلاصات حرب عام 1973، ولمنع المزيد من الإخفاقات العسكرية في المستقبل، قررت حكومة غولدا مائير عام 1974، وفي خطوة غير مسبوقة مضاعفة حجم موازنة الأمن تقريباً لتبلغ 47% من الموازنة العامة للدولة و37% من إجمالي الناتج المحلي، وذلك لتغطية حجم النفقات التي تطلبتها عملية إعادة بناء الجيش وفرقه وألويته، سيما في الجبهة الجنوبية في أعقاب الحرب( 1). ولإدراك حجم التحول الذي طرأ على مبنى موازنة الأمن في أعقاب هذه الخطوة، فإننا نشير إلى إن موازنة الأمن للعام 2011 تبلغ 49.4 مليار شيكل (حوالي 12 مليار دولار )، وتعتبر أكبر موازنة على الإطلاق في تاريخ إسرائيل، لكنها في نفس الوقت تمثل فقط  15.1% من الموازنة العامة للدولة، و6% من إجمال الناتج المحلي، الذي يبلغ 864 مليار شيكل ( حوالي 201 مليار دولار)، وهذه أدنى نسبة تقتطعها موازنة الأمن من الناتج المحلي في تاريخ إسرائيل على الإطلاق( 2). ونظراً لحجم الكارثة الاقتصادية التي حلت بإسرائيل في أعقاب حرب 1973، فقد أطلق خبراء الاقتصاد على العقد الذي تلا الحرب مصطلح " العقد المفقود "، حيث أن قيمة ما دفعته إسرائيل خلال هذا العقد من مستحقات على فوائد ديونها الخارجية فاق حجم ما خصصته من موارد لموازنات: التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي والإسكان مجتمعة( 3). أي أن تعاظم القوة العسكرية لإسرائيل في أعقاب الحرب جاء على حساب النمو الاقتصادي، حيث إن الدولة كادت تعلن إفلاسها لولا الخطة الاقتصادية الشاملة التي وضعتها حكومة الوحدة الوطنية عام 1985.

ولقد مكن تقليص موازنة الأمن في أعقاب توقيع معاهدة " كامب ديفيد " إسرائيل من توجيه الموارد الذاتية والخارجية لسداد فوائد الديون، بالإضافة إلى إن جزءً من التقليص في موازنة الدولة تم توجيهه لقطاعات الصحة والتعليم والإسكان، أي أن " السلام " مع مصر وما نجم عنه من حالة استقرار أسهما بشكل تدريجي في تمكين صناع القرار في تل أبيب من إعادة بلورة جدول الأولويات الإسرائيلي بشكل مكن من تجاوز الأزمة الاقتصادية من جانب، ومن جانب آخر ساعد الدولة على الإنطلاق لتنفيذ مشاريع ضخمة أسهمت في تعزيز النمو وتقليص مظاهر الركود والتضخم وخفض معدلات البطالة بشكل ملحوظ. ولقد كان أحد أهم مظاهر استفادة إسرائيل من الواقع الجديد نجاحها من استيعاب موجات الهجرة اليهودية الضخمة من الدول التي كانت تشكل الإتحاد السوفياتي أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي. ويرى الخبير الاقتصادي شلومو ماعوز أن موجات الهجرة اليهودية هذه قد عززت الاقتصاد الإسرائيلي بجلب الكثير من أصحاب المؤهلات و الفنيين والخبراء في مجال التقنيات المتقدمة، وهو ما أدى إلى تعاظم التصدير والنمو الاقتصادي بشكل كبير، حيث قفزت نسبة أصحاب الكفاءات العلمية من إجمال السكان من 10% إلى 20% ، وهذا كان له دوره في إحداث طفرة في عوائد التصدير للخارج من  50 مليار دولار سنوياً، قبل موجات الهجرة، إلى 80 مليار، بعد هذه الموجات( 4).

ويستثني الخبراء الاقتصاديون فترة انتفاضة الأقصى، التي أثرت سلباً على الاقتصاد الإسرائيلي، حيث خسر الاقتصاد الإسرائيلي خلال سنواتها الأربع نحو 12 مليار دولار، في حين قدر التراجع في معدل دخل الفرد في العام بـ1800 دولار( 5).

ومما لا شك فيه إن هذه المعطيات تضفي صدقية على الاستنتاج القائل بأن البيئة الأمنية تؤثر بشكل مؤكد على النشاط الاقتصادي.

مصير معاهدات التسوية والنفقات الأمنية

نعرض في هذا الجزء من الدراسة للمخاطر الاستراتيجية التي تنطوي عليها الثورات العربية وتداعياتها على صعيد نفقات الأمن، كما يراها المحللون والنخبة الأمنية والاقتصادية في إسرائيل. فقد أثارت الثورات التي يشهدها العالم العربي المخاوف لدى كل من صناع القرار وأرباب المرافق الاقتصادية من أن تمثل التحولات الناجمة عنها تهديداً لكل الانجازات التي حققتها إسرائيل بفعل عوائد التسوية. فقد اعتبرت النخب الإسرائيلية إن ما حدث في العالم العربي يمثل تهديداً لإتفاقية " كامب ديفيد "، التي أتاحت لإسرائيل تقليص نفقات الأمن ومضاعفة الاستثمار في المجالات المدنية التي تعزز النمو، وتبعد شبح الركود الاقتصادي.

ويرى عوديد عيران، رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي إنه من منذ التوقيع على المعاهدة عام 1979، وحتى اندلاع المظاهرات المطالبة بالتغيير في ميدان التحرير في الخامس عشر من يناير الماضي لم تطرح أي علامات استفهام حول مدى التزام مصر باتفاقية " كامب ديفيد " على الإطلاق. ويشير عيران إلى إن النظام المصري فاجأ إسرائيل عندما صمدت اتفاقية " كامب ديفيد "، في الوقت الذي قامت إسرائيل بقصف المفاعل الذري العراقي عام 1981 وغزت لبنان عام 1982، وفي خضم انتفاضتي الحجر والأقصى وكذلك حرب لبنان الثانية 2006، وحرب غزة 2008، بل إن مصر بدلاً من الاحتجاج الحقيقي على سلوك إسرائيل، حرصت على تهدئة الأطراف العربية عندما أثارت الممارسات الإسرائيلية أعصاب العالم العربي ( 6). ولا يستبعد عيران تخلي مصر عن إتفاقية " كامب ديفيد"، مستنداً في حكمه هذا إلى نتائج استطلاع للرأي العام أجراه معهد " the Pew Research Cente "، التي أظهرت أن 54% من المصريين يرون وجوب إلغاء معاهدة " كامب ديفيد "، مقابل 36% رأوا وجوب الحفاظ عليها(7 ).

ويذهب دان إلدار، الذي تولى في السابق مناصب قيادية في جهاز " الموساد " ويعمل حالياً محاضراً لدراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، إلى ما ذهب إليه عيران، مشيراً إلى إن غياب نظام الرئيس مبارك سيسمح بالتعبير عن " عداوة إسرائيل الراسخة عميقاً في الوعي الجمعي للمصرين ". وهو لا يستبعد أن يؤدي اندماج الإسلاميين في الحياة السياسية المصرية إلى تحالفهم مع قادة الجيش، متوقعاً أن يسهم مثل هذا التحالف في التعجيل بوضع حد لمعاهدة " كامب ديفيد "( 8). أما المستشرق إلكساندر بلي فيرى أن نظام الحكم القادم في مصر لن يلجأ إلى إلغاء اتفاقية " كامب ديفيد "، حتى لا يخسر الشرعية الدولية، لكنه في المقابل سيعمل على إضعافها على نحو تقع المسؤولية فيه عن إلغائها على إسرائيل، وهو يدعي إن اندلاع الثورات العربية ينذر بكارثة ستحل بالتجارة الخارجية الإسرائيلية عبر التحذير من إمكانية إغلاق الممرات البحرية أمام التجارة الخارجية لإسرائيل ( 9).

واستناداً إلى هذه المخاوف، ترى النخبة العسكرية وعدد من الخبراء الاقتصاديين وبعض أرباب المرافق الهامة إن التهديدات التي تنطوي عليها الثورات العربية تفرض إدخال تغييرات جذرية على حجم وبنية موزانة الأمن، علاوة على إعادة صياغة سلم الأولويات الإسرائيلي بشكل جذري.

 وقد عبر عن ذلك بشكل واضح رئيس هيئة أركان  الجيش بني جانز الذي قال إن التحولات التي يشهدها العالم العربي توجب تخصيص موازنات إضافية للجيش، معتبراً أن هذه التحولات فاقمت من مستوى وحجم التهديدات على كل الجبهات ( 10) . وتحدث رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يادلين عن " انقلاب " يجب أن تشهده موازنة الأمن في حال تحققت " التنبؤات السوداوية " بانهيار " كامب ديفيد " في أعقاب التحولات في العالم العربي. ويعتبر إن إسرائيل باتت مطالبة بالاستعداد لمراكمة الردع في مواجهة مصر مع كل ما يعنيه ذلك من إدخال تغييرات جذرية على بنية الجيش الإسرائيلي وانتشاره، وهذا ما يعني زيادة حجم موازنة الأمن بشكل كبير(11).

ويتفق وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك مع أولئك الذين يرون أن التحولات في مصر تمثل خطراً حقيقياً على مصير معاهدة " كامب ديفيد "،متوقعاً  أن تتنافس الأحزاب المصرية بعد الثورة فيما بينها على إظهار عدائها لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. ويرى براك إن هذا السيناريو يعني زيادة النفقات الأمنية بشكل جذري، لكن براك يرى إن إسرائيل ليس بإمكانها تأمين النفقات الأمنية لوحدها، لذا لا يتردد في مطالبة الولايات المتحدة بدفع  عشرين مليار دولار إضافية لموازنة الأمن، إسهاماً منها في مساعدة إسرائيل على تحمل تبعات الثورات العربية على أمن إسرائيل القومي في المرحلة القريبة القادمة( 12). ولم يفت براك أن يذكر الأمريكيين إن استثمار هذا المبلغ سيعود بالنفع على الولايات المتحدة " لأن ضمان تفوق إسرائيل يمثل أحد عوامل الاستقرار في منطقة غير مستقرة ".

وعلى الرغم من إن أرباب المرافق الاقتصادية الإسرائيلية يرفضون بشكل تقليدي المسوغات التي تقدمها النخبة الأمنية لتبرير زيادة موزانة الأمن، إلا إن بعضهم يرى إن التحولات التي يشهدها العالم العربي تبرر بالفعل إدخال تغييرات جذرية على هذه الموازنة. ويرى أوري جلاي، مدير عام  المجموعة الاستثمارية " سيجما " إن حجم موازنة الأمن الإسرائيلية اعتمد في العقود الثلاث الماضية بشكل أساسي على حالة الهدوء التي تسود الحدود مع مصر والأردن وسوريا، وهو ما لن يستمر. لذا يتوقع جلاي أن يدفع تعاظم النفقات الأمنية الحكومة الإسرائيلية لتجريد الوزارات المدنية المختلفة من الكثير من مواردها المالية ونقلها لوزارة الدفاع لتغطية المصاريف الأمنية( 13).

ويتوقع ميشيل ستربتسنسكي، نائب رئيس قسم الأبحاث في بنك إسرائيل أن يتم تجاوز إطار موازنة الأمن بفعل التطورات في العالم العربي، التي ستترك تأثيرها على نفقات الأمن، متوقعاً تجاوز إطار الميزانية( 14).  

إن الإسرائيليين ينطلقون من افتراض مفاده إن نجاح الثورة في مصر قد يدفع إلى إحداث تغييرات جوهرية في العالم العربي تفضي إلى بروز تحديات أمنية ذات كلفة اقتصادية باهظة. ويرى داني روتشيلد، رئيس " مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات "، والذي شغل في الماضي منصب رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إن الذي يفاقم خطورة التداعيات الناجمة عن الثورات العربية حقيقة إنها اندلعت في ظل حالة الجمود الذي تشهده المفاوضات مع الفلسطينيين، مما يحمل في طياته إمكانية الانزلاق إلى تدهور أمني( 15).

ويبرر المطالبون بزيادة موازنة الأمن ذلك بالقول أن النفقات الأمنية تمثل في الواقع استثماراً ذو طابع استراتيجي في النشاط الاقتصادي، لأن هذه النفقات توظف في الجهد الهادف لتقليص المخاطر الأمنية التي تؤثر بدورها على عجلة الاقتصاد.

يتضح مما تقدم إن الاتجاه السائد في تحليلات الإسرائيليين يشدد على إن الثورات العربية تنذر بتغيير البيئة الاستراتيجية لإسرائيل، وهو ما يوجب القيام باحتياطات أمنية واسعة تتطلب زيادة مستويات الإنفاق الأمني بشكل كبير.

التحولات المتوقعة في بنية الجيش الإسرائيلي

سنتعرض في هذا الجزء من الدراسة للتحولات المتوقع حدوثها على بنية الجيش الإسرائيلي، والتي يتوقع على نطاق واسع أن تسهم في زيادة النفقات الأمنية بشكل جذري. وهنا سنعرض لتوقعات كل من دان هارئيل، الذي شغل في الماضي منصب نائب رئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة الجنوبية في الجيش والجنرال إيتان بن إلياهو، الذي شغل منصب قائد سلاح الجو الإسرائيلي، وسنتعرض لأهم التحولات في بنية الجيش التي توقع الإثنان أن يقدم الجيش عليها( 16 ).

ويرى هارئيل وبن إلياهو إنه من المرجح أن يقدم الجيش الإسرائيلي على التغييرات البنيوية التالية:

1-    تشكيل فرق عسكرية جديدة، وزيادة عدد عناصر ألوية المشاة بشكل كبير.

2-    تعاظم الاستثمار في مجال التدريبات والمناورات التي تحاكي حروب كبيرة في المستقبل وتراجع الاهتمام بالتدريب على العمليات الخاصة والنخبوية.

3-    تكثيف جمع المعلومات الاستخبارية، سيما حول كل ما يتعلق بالأوضاع في مصر، سواء بواسطة شعبة الاستخبارات العسكرية أو الموساد.

4-    إعادة تشكيل قيادة المنطقة الجنوبية بشكل يتناسب مع التحديات التي قد تسفر عنها التحولات في مصر، مع التأكيد على إنه من المرجح أن تصبح هذه القيادة أهم مكون في الهيئات القيادية داخل الجيش.

5-    توسيع سلاح الجو الإسرائيلي وتعزيزه بالمزيد من أسراب الطائرات من مختلف الأنواع.

6-    الحاجة إلى بناء مطارات وقواعد جوية جديدة، توسيع القواعد القائمة، سيما في النقب.

من الواضح إنه في حال تحقق هذه التوقعات، فإن تنفيذ التحولات في بنية الجيش، كما تمت الإشارة إليها سيتم خلال فترة طويلة نسبياً، كما إن أحداً لم يتطرق للكلفة المادية لتنفيذها، لكن مما لا شك فيه إنها ستكون كبيرة جداً.

ويمكن القول إن هناك تحديات أمنية أخرى ستنجم عن تقلص مظاهر التنسيق الأمني بين إسرائيل ومصر في عهد ما بعد مبارك، حيث يرى الكثير من العسكريين الإسرائيليين إن صحراء سيناء ستمثل تهديداً كبيراً لإسرائيل في ظل تراخي قبضة الأمن المصري فيها، مما يعني زيادة معدلات تهريب السلاح إلى غزة وتعاظم نسبة المتسللين من العمال الأجانب من مصر إلى إسرائيل، وهي الظاهرة التي باتت تمثل قنبلة ديمغرافية في إسرائيل. وبكل تأكيد إن هذه التحديات تفرض إضافة موارد لمواجهتها، ولعل قرار حكومة نتنياهو ببناء جدار أسمنتي على الحدود بين مصر وإسرائيل بكلفة ملياري شيكل ( 455 مليون دولار) لمواجهة عمليات التهريب يشكل مثالاً على كلفة التحديات المستجدة بعد الثورات العربية.

ومما يفاقم من تأثير زيادة النفقات الأمنية الناجمة عن التحولات المرتقبة في بنية الجيش حقيقة إنها تأتي في ظل عدم حدوث أي تغيير على مستوى التهديدات الاستراتيجية على إسرائيل التي كانت قائمة قبل اندلاع الثورات العربية، سيما البرنامج النووي الإيراني ومتطلبات مواجهته وتسلح حزب الله وتحدي حكم حماس في الجنوب وإمكانية اندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية. وهذا يشي بحجم التحدي الذي ينطوي عليه اضطرار الجيش لإدخال تحولات بنيوية على تركيبته مع كل ما سيسفر عنه ذلك من زيادة النفقات الأمنية.

 

 

هاجس متلازمة 1973

يرى المحللون في إسرائيل إن إسقاطات ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي إسرائيلياً لا تتمثل فقط في زيادة نفقات الأمن بشكل كبير، بل أن هناك مخاوف أن تسهم هذه الثورات في تقليص معدلات النمو وبروز مظاهر الركود الاقتصادي، مما سيجد ترجمته في تراجع إجمال الناتج المحلي الإسرائيلي بشكل كبير. وهذا يعني زيادة كبيرة في الحيز الذي تشغله موزانة الأمن من كل من الموازنة العامة للدولة ومن إجمالي الناتج المحلي، أي إن إسرائيل – وفق هذه التوقعات - مهددة بالعودة- إلى نفس الظروف التي مرت فيها بعد حرب عام 1973، مع كل ما يعنيه هذا من استحالة النمو إلى ركود، واستفحال التضخم(17).

 ويرى تسفي ليبائي المعلق الاقتصادي لصحيفة " يديعوت أحرنوت " إن تعاظم مستويات الإنفاق الأمني المتوقع في أعقاب التحولات في العالم العربي سيدفع إسرائيل لانتهاج سياسة تقشف اقتصادية،وسيجبر مخططي السياسة الاقتصادية الإسرائيلية على التراجع عن توجهاتهم السابقة لتقليص الضرائب، على اعتبار أـن المبدأ السائد في إسرائيل يقول إنه عند المفاضلة بين المناعة الأمنية والمناعة الاجتماعية يتوجب تفضل الخيار الأول بدون تردد( 18). وضمن مظاهر السياسة التقشفية التي يشير إليها ليبائي: التراجع عن التوجه عن تقليص الضرائب، والذي كان سائداً حتى اندلاع الثورات العربية، بل إنه بات يتوقع حالياً أن تلجأ إسرائيل إلى فرض ضرائب جديدة للوفاء بمتطلبات الأمن. ويتوقع أيضاً أن يؤدي تعاظم الإنفاق الأمني إلى تراجع في حجم فائض الداخل القومي السنوي بشكل كبير، مع العلم إن هذا الفائض يستخدم عادة في تمويل مخصصات الضمان الاجتماعي للجمهور، سيما للطبقات الضعيفة.

وهناك مؤشرات على تحقق بعض المحاذير التي تمت الإشارة إليها، حيث اندلعت الثورات العربية في ظل مطالبة العديد من نواب الكنيست بتخفيض قيمة الوقود للجمهور، وجرت مداولات متقدمة في الكنيست وتحديداً في لجنة المالية التابعة لها بهذا الشأن، لكن في ظل ما حدث في مصر وتفجير الأنبوب الذي ينقل الغاز من مصر إلى قطاع غزة، والدعوات داخل مصر لرفع سعر الغاز الذي يباع لإسرائيل، فإن أحداً لم يعد يطرح القضية، وأصبح جل اهتمام الإسرائيليين يتمحور حول البحث عن مصادر طاقة ذاتية( 19).

يتضح مما سبق إن هناك مخاوف حقيقية لدى الخبراء الإسرائيليين من أن تسفر الثورات العربية عن بيئة استراتيجية جديدة تعيد الاقتصاد الإسرائيلي لنفس المربع الذي تواجد فيه بعيد حرب عام 1973، وهو ما بات يطلق عليه في إسرائيل متلازمة 73.

خطر شلل المرافق الاقتصادية

يرى الكثير من المحللين الإسرائيليين إن التحولات في بنية الجيش الإسرائيلي لن تسهم فقط في زيادة حجم الإنفاق الأمني بشكل هائل، بل إنها أيضاً ستعمل في المدى المتوسط والبعيد على إصابة المرافق الاقتصادية بالشلل، ليكون ذلك سبباً آخر لتراجع إجمالي الناتج المحلي بشكل واضح. ففي ظل ازدياد الثقل الديمغرافي للتيار الديني الحريدي الذي يتم إعفاء معظم أتباعه من الخدمة العسكرية، فإنه يفترض أن يتحمل أعباء الجهد العسكري العلمانيون وأتباع الصهيونية الدينية. لكن المعطيات الرسمية تدلل على تراجع كبير في دافعية الشباب العلماني خلال العقد الأخير للتطوع في الوحدات القتالية، التي يعتمد عليها في حسم المعارك والحروب. وحسب دراسة أجراها الباحث الإسرائيلي يورام بيري فقد أصبح الشباب العلماني معني بتطوير مسارات ريادية اجتماعية بديلة عن مسار الخدمة العسكرية، مما جعله يلهث خلف النجاح الشخصي، ويبدي ميلاً نحو العزوف عن الخدمة في الوحدات القتالية، أو اختيار الحياة العسكري كمسار مهني من الناحة الشخصية( 20). وهذا يعني بشكل واضح إطالة أمد الخدمة العسكرية للضباط والجنود في قوات الاحتياط، التي تضطلع بحوالي 70% من الجهد الحربي. ولما كان ضباط وجنود قوات الاحتياط هم الذين يديرون ويعملون في المرافق العامة، وضمنها المرافق الاقتصادية المختلفة، فإن هذا يعني إن تراجعاً كبيراً  سيطرأ على فاعلية هذه المرافق، مما ينعكس سلباً على إجمالي الناتج المحلي.

زيادة الارتباط بالولايات المتحدة

إن زيادة النفقات الأمنية في أعقاب تفجر الثورات العربية سيفضي إلى تعميق ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة، وهو ما يرى بعض المحللين الإسرائيليين إنه سيقلص من استقلالية القرار السياسي الإسرائيلي.

ويرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية عومر جندلر إن إسرائيل لا يمكنها أن تزيد موازنة الأمن بشكل كبير بدون مساعدة خارجية، سيما في ظل الأزمة الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد العالمي، حيث إن قدرة إسرائيل على تجنيد ضمانات مالية لتغطية نفقات الأمن المستجدة ستكون محدودة جداً، وهو ما يعني إن الخيار الوحيد المتاح أمام إسرائيل سيكون التوجه للولايات المتحدة لمطالبتها بزيادة المساعدات الأمنية بشكل كبير( 21). ويرى جندلر إن طلب مساعدات أمريكية يعني زيادة ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة بشكل يقلص من هامش المناورة السياسية لدى النخب الحاكمة في تل أبيب، وهو ما جعل إسرائيل تسعى في الأعوام الماضية لتقليصه إلى حد كبير. ويوضح إن تداعيات هذا الواقع ستكون أشد في ظل وجود رئيس أمريكي يتخذ موقفاً نقدياً من سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، كما هو الحال مع الرئيس باراك أوباما. ويحذر جندلر من إنه في الوقت الذي يزداد ارتباط إسرائيل بأمريكا، فإن مكانتها في العالم العربي تتدهور، حيث ينظر العرب إليها كالطرف الذي ساعد أنظمة الاستبداد والديكتاتورية، وبالتالي فهو يرى إن هناك أساس  للافتراض إن الولايات المتحدة ستلجأ للضغط على إسرائيل من أجل استعادة مكانتها في العالم العربي ( 22). ويلفت الأنظار إلى إن زيادة المساعدات الأمنية لإسرائيل ستفضي إلى مخاطر اقتصادية، حيث ينوه إلى إن هذه المساعدات مشروطة بوجوب التزام إسرائيل بشراء الصادرات الحربية الأمريكية، وتفضيلها على الصادرات الحربية الإسرائيلية ذاتها، وهذا يمس بقدرة الصناعات العسكرية الإسرائيلية على التنافس وقدرتها على تحقيق أرباح.

  وهناك من المحللين الإسرائيليين من يرى إن زيادة النفقات الأمنية سيمس بمكانة إسرائيل الدولية، و وسيجعل الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة ينظر إليها كعبء، وذلك بخلاف الاستنتاج الذي وصل إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي زعم بأن التحولات في العالم العربي  تفرض على الغرب تقديم الدعم المادي لإسرائيل، على اعتبار إنها تمثل "واحة ديموقراطية واستقرار في منطقة غير مستقرة "، وهذا ما يمثل خدمة استراتيجية للولايات المتحدة والغرب. لكن المعلق العسكري رون بن يشاي يصل إلى استنتاج معاكس تماماً، حيث يرى إن الثورات في العالم العربي ستبرز إسرائيل كعبء وليس كذخر إستراتيجي للغرب، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع في مستوى التزام دعم الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة إسرائيل( 23).

 

مخاوف مبالغ فيها

من الأهمية بمكان الإشارة إلى إن هناك مبالغة في طرح المخاوف التي تنافس كل من قادة الأجهزة الأمنية والمحللون الإسرائيليون على رصدها. صحيح إن الثورات العربية أفضت في بعض الدول إلى تغيير أنظمة الحكم، سيما مصر، لكن هذا لا يعني على الإطلاق الاستنتاج بأن هذا سيقود إلى أن تقدم مصر على إلغاء معاهدة كامب ديفيد. فلو افترضنا أن حكومة مصرية ستقرر يوماً إلغاء معاهدة " كامب ديفيد " فإنها لن تقدم على هذه الخطوة الاستراتيجية لمجرد أن الحزب الذي يشكلها يرفض المعاهدة. فيفترض أن يستند أي قرار مصري بإلغاء معاهدة " كامب ديفيد " إلى تغيير حقيقي في موازين القوى القائم، والذي يميل حالياً بشكل كبير لصالح إسرائيل. ولا يتسنى تغيير موازين القوى لصالح العرب لمجرد وجود إرادة سياسية، بل سيكون بالأساس نتاج تحولات كبيرة على طابع توظيف الموارد الذاتية في الدول العربية، بحيث تسفر عن نهضة حقيقية، يكون التغيير في موازين القوى العسكرية، أحد مخرجاتها.

من هنا فإن المنطق السليم يفضي إلى الافتراض إنه بغض النظر عن الخلفية الأيدلوجية والمنطلقات السياسية لأي حكومة مصرية قادمة فإنها لن تبادر إلى إلغاء معاهدة " كامب ديفيد "، في ظل موازين القوى القائم.

 وهناك من المحللين الإسرائيليين من يرى إن الظروف الموضوعية تلزم مصر تحديداً بالحفاظ على معاهدة " كامب ديفيد " بفعل الاعتبارات الاقتصادية المصرية المحضة. ويشير الباحث يتسحاك جال من  " مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا " إلى إن مستويات الضرر الاقتصادي الذي سيلحق بمصر سيكون أكبر بكثير من مستويات الضرر الذي سيلحق بإسرائيل في حال تم إلغاء " كامب ديفيد "، والعودة إلى  حالة الحرب.

 ويشير جال إلى إن معظم حقول النفط والغاز المصرية تقع قريباً من إسرائيل، مما يعني إن تدهور العلاقات بين الجانبين إلى حد نشوب مواجهة عسكرية سيهدد مصادر الطاقة المصرية، سيما حقول النفط والغاز الطبيعي، التي يسهم انتاجها بحوالي 50% من عوائد التصدير ( 25 مليار دولار سنوياً )، وهي العوائد التي تمكن الحكومة المصرية من دعم السلع الرئيسة التي يشتريها الجمهور المصري( 24 ). ويشر جال أيضاً إلى إن قرب قناة السويس والمرافق السياحية المصرية واللتان تسهمان معاً بـ 35-40% من مداخيل الدولة في العام من إسرائيل تجعل مصر غير معنية بتأزيم العلاقات مع مصر، والمخاطرة بتعرض هذه الموارد للخطر.

وهناك من يرى إن الأوضاع الداخلية في مصر ستمنع الحكم القادم في مصر من وضع مواجهة إسرائيل ضمن أولوياته. ويرى دفيد بروديت رئيس بنك " لئومي "، ومدير قسم الموازنات الأسبق في وزارة المالية إنه لا يوجد هناك حاجة لزيادة موزانة الأمن بسبب ما يجري في مصر، على اعتبار أن حكام مصر الجدد سيكونون معنيون بشكل أساسي بالعمل على تلبية حاجات الجمهور المصري الاقتصادية، ولن يكونوا معنيين بالاستعداد للمواجهة العسكرية مع إسرائيل، ويحذر من أن زيادة النفقات الأمنية سيدفع المنطقة نحو سباق تسلح(25).

 

الخاتمة

على الرغم من أن الثورات العربية لم تسفر عن أي تحول فوري في موازين القوى القائم بين إسرائيل والدول العربية يستدعي  القيام باحتياطات أمنية عاجلة وواسعة، إلا إن النخب الحاكمة في إسرائيل ترى إن هذه الثورات تنذر بتغيير كبير وجذري في البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة، وهو ما يستدعي إعداد الجيش الإسرائيلي لمواجهة التهديدات المحتملة في المستقبل، وذلك عبر إعادة صياغة تركيبته البنيوية وتحديث تجهيزاته اللوجستية ونظريته القتالية.

 إن الوفاء بكل هذه المتطلبات يتطلب على المدى المتوسط والبعيد زيادة النفقات الأمنية بشكل كبير، وهو ما قد يفضي إلى:

1-    زيادة كبيرة على حصة موازنة الأمن من كل من الميزانية العامة وإجمال الناتج المحلي

2-    تطبيق سياسة اقتصادية تقشفية وتقليص الاستثمار الحكومي في مجال الخدمات المدنية.

3-    فرض ضرائب جديدة وتقليص مخصصات الضمان الاجتماعي.

4-    توسيع قاعدة القوى البشرية في الجيش وتعاظم العبء على قوات الاحتياط سيصيب المرافق الاقتصادية بالشلل.

5-    تراجع معدلات النمو وتعاظم مظاهر الركود الاقتصادي، وازدياد معدلات البطالة.

6-    تراجع إجمالي الناتج المحلي

7-    ستعمل مظاهر الأزمة الاقتصادية المتوقعة على تراجع إسرائيل كبيئة جاذبة للهجرة اليهودية وقد يزيد من معدلات الهجرة العكسية.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر