موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا تتحفّظ إسرائيل على تعامل واشنطن مع سوريا

الاسلام اليوم 26/10/2005

بخلاف الانطباع السائد فإن دوائر صنع القرار في الدولة العبرية تبدي تحفظات كبيرة على السياسة المتشددة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية ضد النظام السوري. وتحذّر معظم التقييمات الإستراتيجية التي تقدمها أقسام الأبحاث التابعة للأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية الرئيسية الثلاث، المسؤولة -بشكل عام- عن تقديم هذه التقييمات، مما تعدّه العواقب الوخيمة للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، لاسيما تأثيراتها المستقبلية بالغة السوء على المصالح الإسرائيلية. هذه التقييمات التي قدمت في الآونة الأخيرة بوفرة للحكومة الإسرائيلية، وبالذات لمجلس الوزراء المصغر لشؤون الأمن الذي يستهجن عدم إدراك الإدارة الأمريكية لجملة النتائج الخطيرة الناجمة عن هذه السياسة، و التي ترى أن من شأنها الدفع باتجاه انهيار النظام السوري بفعل التدخل المباشر وغير المباشر، لاسيما عن طريق توظيف توصيات المحقق الدولي ديتليف ميليتس في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والتي تتوقع الإدارة أن تشمل على ما قد يشكل إدانة مباشرة أو غير مباشرة للنظام السوري. وبالطبع فإن التحفظ الإسرائيلي على السياسة الأمريكية في التعامل مع النظام السوري لا ينبع من حرص الدولة العبرية على بقاء النظام بشكل اعتباطي، بل لأن تل أبيب تعدّ أن بقاء النظام هو أفضل البدائل بالنسبة لها. وكما يتضح من خلال التقييمات الإستراتيجية الإسرائيلية للسياسة الأمريكية ضد سوريا، فإنه يتضح التالي:
1- ترى تل أبيب أن إحلال أي نظام حكم مكان نظام الحكم الحالي في سوريا سيكون في غير مصلحتها على الإطلاق. وتقول شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة ب "أمان" أن النظام الجديد – وبخلاف – النظام الحالي سيتمتع بشرعية دولية وإقليمية ووطنية لا يمكن مقارنتها بالشرعية التي يحظى بها النظام الحالي. وحسب تقييمات قسم الأبحاث التابع لـ " أمان" فإن العالم سيضغط على الدولة العبرية من أجل التوصل إلى تسوية سياسية مع الحكم الجديد، بما في ذلك ضغط كبير من أجل موافقة تل أبيب على الانسحاب من هضبة الجولان بشكل كامل. وتضيف "أمان": إن أحداً في العالم لا يبدي حالياً أي تعاطف مع الحكم السوري في الشروط التي يضعها للتوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل. وتتوقع التقييمات الإستراتيجية العبرية أن يؤدي تشكيل نظام جديد في سوريا إلى انتقال الكرة إلى الملعب الإسرائيلي، بحيث يتم تسليط الضوء مجدداًُ على عدم جاهزية الدولة العبرية للوفاء بمستحقات التسوية السياسية للصراع مع سوريا. مع العلم أن حزب الليكود الحاكم قد التزم أمام الرأي العام الإسرائيلي ليس فقط بعدم الانسحاب من هضبة الجولان، بل وتعزيز الاستيطان اليهودي فيها، كما عبر عن ذلك مؤخراً رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون بشكل واضح. ليس هذا فحسب، بل إن العديد من كبار المعلقين في وسائل الإعلام الإسرائيلية قد نصحوا حكومة شارون بالاستعداد لدفع مستحقات التسوية مع سوريا في حال انهار نظام الحكم الحالي وتشكّل نظام جديد.
2- تؤكد التقييمات الإستراتيجية أن البنية التعدديّة المتوقعة لأي نظام يخلف النظام الحالي في دمشق ستشكل تحدياً كبيراً للدولة العبرية. وترى هذه التقييمات أنه في الوقت الذي وظف فيه النظام الحالي كل إمكانياته من أجل ضمان استقراره وبقائه في الحكم، وتجاهل إمكانية تطويره قدرات الدولة السورية في مواجهة إسرائيل، لاسيما على الصعيد العسكري، فإن أولويات النظام الجديد ستكون مختلفة وستركز على تطوير الدولة، وستحاول فتح آفاق جديدة أمام الشعب السوري. وتشير هذه التقييمات إلى أن المعارضة السورية تتميز بأنها أكثر تطرفاً من نظام الحكم في كل ما يتعلق بالتصوّر لحل الصراع مع الدولة العبرية. وتشير التقييمات إلى الدور الكبير والبارز الذي تلعبه جماعة الإخوان المسلمين ضمن صفوف هذه المعارضة، ومواقفها التقليدية من الصراع. ولا يفوت الدوائر الإسرائيلية أن تذكر بأن المعارضة السورية تختلف بشكل واسع عن المعارضة العراقية قبل سقوط نظام صدام حسين.
3- لكن سيناريو الرعب الذي تتخوف منه الدولة العبرية بشكل خاص يكمن في سيادة أجواء الفوضى في سوريا بعد سقوط النظام، على غرار ما حدث ويحدث في العراق. وتحذر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية من أن ما يحدث في العراق سيكون مجرد "مزحة" مقارنة مع ما سيحدث في سوريا. وتتخوف هذه الأجهزة من أن سوريا ستتحول في هذه الحالة إلى موقع متقدم للحركات الجهادية في العالم. وحسب هذا السيناريو، فإن جهود كل الحركات الجهادية والقومية العربية ستتحول لمحاولة ضرب إسرائيل عن طريق حدودها مع سوريا. وبذلك تتحول الحدود مع سوريا التي كانت مثالاً للهدوء والانضباط إلى ساحة مواجهة شديدة القسوة. وتنوه هذه التقييمات إلى أن العمل ضد إسرائيل انطلاقاً من سوريا سيحظى بشرعية أكبر بكثير من الشرعية التي تحظى بها الجماعات التي تعمل ضد الاحتلال الأمريكي في العراق. وتشير التقييمات إلى أن حالة الفوضى تعني غياب أي جهة رسمية يمكن لإسرائيل أن تمارس الضغوط عليها من أجل وقف العمليات ضدها انطلاقاً من الأراضي السورية.
4- وتجمع الأجهزة الاستخبارية العبرية على التحذير من أن انهيار النظام الحالي و تحول سوريا إلى ساحة للحركات الجهادية سيؤثر سلباً على استقرار نظام الحكم في الأردن، الذي تعده إسرائيل حليفاً لها، كما يقول (افرايم هليفي) الرئيس السابق لجهاز "الموساد"، والذي لا يفوّت أي فرصة للتشديد على أن استقرار النظام الحالي في الأردن من أهم المصالح الإستراتيجية للدولة العبرية.
5- ترى المحافل الاستخبارية العبرية أن سياسة الفرار إلى الأمام التي تتبعها واشنطن من أجل الخلاص من أزمتها في العراق، ستؤدي إلى تفاقم التورط الأمريكي في المنطقة، منوهة إلى أن ذلك من شأنه أن يجبر واشنطن في نهاية المطاف على إخلاء قواتها من المنطقة مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات خطيرة ليس فقط على دور الولايات المتحدة في المنطقة، بل على المصالح الاستراتيجية للدولة العبرية. وأخطر ما سينجم عنه ذلك هو تهاوي سياسة الردع الأمريكية التي حرصت واشنطن على مراكمتها ووظفت من أجلها طاقات هائلة.
وإزاء كل ذلك فإن المحافل المسؤولة عن تقديم التوصيات الإستراتيجية في الدولة العبرية توصي دوائر صنع القرار الإسرائيلية بالضغط على واشنطن من أجل تغيير سياستها تجاه النظام في دمشق، ومحاولة التوصل معه إلى صفقة تضمن بقاءه مقابل تعهد النظام بالسير وفق "البوصلة" الإسرائيلية. وتشير هذه الدوائر إلى أن على واشنطن أن تستغل حقيقة أن أهم ما يعني النظام في سوريا هو استقراره، وضمان بقاء الحكم في الطائفة العلوية التي تشكل أقلية، وتوظيف ذلك من أجل دفع هذا النظام للقبول بالإملاءات الأمريكية
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر