موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
منهج بوش.. إدارة الصراع لا حلّه!

الاسلام اليوم 29/05/2005
على الرغم من أن قيادة السلطة الفلسطينية تدّعي نجاحها، فقد أخفقت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأخيرة إلى واشنطن في تحقيق أي إضافة لصالح القضية الفلسطينية، بل على العكس تماماً؛ فقد اعتقد عباس في البداية –خاطئاً- أنه بالإمكان إقناع بوش بتقديم ضمانات له تنسف رسالة الضمانات التي قدّمها بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون ، والتي تبنّى فيها بوش تقريباً المواقف الإسرائيلية من الحل الدائم في ثلاث قضايا أساسية، وهي: حق العودة للاجئين، ومصير التجمعات الاستيطانية، وخط الانسحاب النهائي من الضفة الغربية في أي تسوية سياسية مستقبلية. وحتى بعد زيارة عباس لواشنطن فلا يزال بوش ملتزماً بضماناته الشهيرة لشارون . وبدلاً من تقديم ضمانات مماثلة لعباس لتلك التي حصل عليها شارون، فقد قدّم بوش جملة من التصريحات، كتعويض فارغ من أي مضمون لرئيس السلطة. فقد دعا بوش إسرائيل إلى التوقف عن توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وإزالة ما سمّاه بـِ "النقاط الاستيطانية غير القانونية"، على اعتبار أن ذلك جزء من استحقاقات خطة "خارطة الطريق" التي ترعاها إدارته !!

أفعال بوش تناقض أقواله

بوش الذي دعا إسرائيل لوقف توسيع الاستيطان وإزالة النقاط الاستيطانية، لم يتحدث في المقابل عن أي آلية لإلزام شارون بهذا الموقف. فبوش لم يتحدث عن جدول زمني لوقف توسيع الاستيطان، ولم يتحدث أيضاً عن آليات لفرض هذا الموقف على إسرائيل، بل على العكس تماماً. فقد كافأت إدارة بوش حكومة شارون على خروقاته لـ "خارطة الطريق". فقبل ثلاثة أيام من لقاء بوش عباس خرجت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس عن طورها وهي تتزلف إلى إسرائيل عندما كانت تلقي كلمة أمام الاجتماع السنوي لمنظمة "أيباك" كبرى منظمات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة. فقد وصل الأمر برايس إلى حد القول: إن كلاً من إدارة بوش وحكومة شارون تملكان نفس التصور إزاء "دمقرطة" العالم العربي. وكأن كل ما على شارون وحكومته هو وضع تصورات لـِ(دمقرطة) العالم العربي.هذا بعد أن حمّلت رايس الفلسطينيين والعرب المسؤولية الكاملة عما وصل إليه الصراع في المنطقة.
إدارة بوش التي لا تتردّد في فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية، وحتى استخدام القوة العسكرية من أجل فرض مواقفها في جميع أرجاء العالم، "تدعو" شارون لوقف توسيع الاستيطان، بدون التلويح بأي وسيلة ضغط لإلزامه بالموقف الأمريكي، ناهيك عن تقديم جداول زمنية لتنفيذ هذه الالتزامات.
ففي حين فرضت إدارة بوش مقاطعة سياسية صارمة على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لرفضه القبول بالتصور الأمريكي الإسرائيلي للحل، وأقنعت دول العالم بوقف التعامل مع عرفات حتى مات، نجد أن بوش لا يفكر حتى بالضغط الكلامي على شارون من أجل الاستجابة لمتطلبات خطة " خارطة الطريق " التي ترعاها الإدارة الأمريكية. في نفس الوقت يسمح بوش لنفسه – وعلى مسمع من عباس – بالتدخل في الشؤون الفلسطينية الداخلية، بالتشديد على أن حركة حماس حركة إرهابية، يتوجب عدم السماح لها بالفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة. في حين يتجاهل بوش جرائم الحرب التي ترتكبها دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين، والتي تحدّث عنها تقرير منظمة العفو الدولية . لقد كان من المفترض بعباس ألاّ يصمت عندما كان بوش يتطرق لموقفه من حماس ومشاركتها في الانتخابات التشريعية، ليقول لرئيس الولايات المتحدة: إن في حكومة شارون وزراء ينادون علانية بالتطهير العرقي ضد الفلسطينيين والعرب.

بوش كعرّاب "الدولة المؤقتة"

التسريبات الفلسطينية والأمريكية المتواترة تؤكد أن بوش رفض اقتراحاً لعباس بالانتقال إلى بحث قضايا الحل الدائم، بعد تنفيذ خطة "فك الارتباط". وبدلاً من ذلك أصر بوش على إقامة الدولة الفلسطينية "المؤقتة"، التي لا خلاف بين جميع القوى الفلسطينية بلا استثناء على أنها أخطر "وصفة" لتصفية القضية الفلسطينية و إلى الأبد. والدولة الفلسطينية "المؤقتة" في الأساس فكرة من ابتداع شارون. وتعني فيما تعني: الإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية في قطاع غزة وكانتونات الضفة الغربية المتبقية بعد أن يتم ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى ومنطقة " غور الأردن" في الضفة الغربية للدولة العبرية، وبعدما يتم اقتطاع ما تسميه إسرائيل بـِ "القدس الكبرى"، التي تمثل 25% من مساحة الضفة، وبعد أن يقر الفلسطينيون بسيطرة دولة الاحتلال على مصادر المياه العذبة في الضفة الغربية.
بكلمات أخرى أن الدولة المؤقتة ستكون في مساحة لا تتجاوز الثلاثين بالمائة من مساحة الضفة الغربية!! والذي يكرس الريبة في الموقف الأمريكي هو حقيقة رفض بوش أن يتم الإعلان منذ الآن عن الحدود النهائية لهذه الدولة، الأمر الذي يعني أن الدولة المؤقتة ستكون الدولة النهائية. صحيح أن شارون يدّعي أنه بعد الإعلان عن الدولة المؤقتة فسيتواصل التفاوض حول قضايا الحل الدائم. لكن ما الفائدة من تواصل الحل الدائم في حال واصلت إسرائيل تكريس الحقائق الاستيطانية على الأرض وتهويد القدس بدون أن تحرك واشنطن ساكناً؟! ليس هذا فحسب، بل إن بوش يتبنى موقف شارون القائل: إنه يتوجب على السلطة -قبل استئناف التفاوض حول قضايا الحل الدائم- تفكيك حركات المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها.

إدارة الصّراع لا حلّه

واضح تماماً أن بوش -كما هو الحال مع شارون- يعي أن طرح فكرة " الدولة المؤقتة " لا يمكن أن يؤدي إلى حل الصراع القائم حالياً بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال. و بالتالي فإن على الرئيس الأمريكي أن يعي أنه يساهم بدور في تنفيذ إستراتيجية" إدارة الصراع " التي يتشبث بها شارون من أجل تثبيت المشروع الاستيطاني في ظل أقل حجم من الممانعة الفلسطينية والعربية لهذا المشروع، وبدون تقديم ثمن سياسي مقابل ذلك. لكن ما على بوش أن يعيه أنه بمثل هذا التساوق مع شارون وإستراتيجيته الخبيثة، فإنه ليس أمام الإدارة الأمريكية إلا أن تستعد للمزيد من العداء والرفض لسياساتها المتغطرسة في المنطقة.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر