موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
اتصالات الأوروبيين بحماس.. دواعي الإحباط الإسرائيلي

الاسلام اليوم 29/06/2005

يمكن إدراك حجم الإحباط الذي أصيبت به دوائر صنع القرار في الدولة العبرية في أعقاب الكشف عن الاتصالات التي أجراها دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي مع رؤساء البلديات الفلسطينيين الذين ينتمون لحركة حماس مؤخراً. مصدر القلق الإسرائيلي من اعتراف الاتحاد الأوروبي بهذه اللقاءات يكمن في خشية تل أبيب أن تكون هذه اللقاءات مقدمة لقرار أوروبي بإخراج حماس، وتحديداً جناحها السياسي من قائمة التنظيمات الإرهابية. فالحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها الأمنية ترى مصلحة هائلة في بقاء حماس وغيرها من حركات المقاومة ضمن هذه القائمة. وكما قال يوفال ديسكين رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية الجديد فإن أي قرار أوروبي بإخراج حماس من قائمة التنظيمات الإرهابية الأوروبية يعني تقليص قدرة الدولة العبرية على مواصلة استخدام " بدائل القوة " في مواجهة الحركة. في إسرائيل يعون أنه لولا قرار الاتحاد الأوروبي في مطلع العام ألفين وثلاثة والذي اعتبر الذراع السياسي لحماس جزء من التنظيمات الإرهابية، لما كان بوسع إسرائيل تبرير تنفيذ عمليات الاغتيال ضد القيادات السياسية لحركة حماس ومرجعياتها الفكرية، وعلى رأسها الشيخ أحمد ياسين وخلفه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ومفكر الحركة الدكتور إبراهيم المقادمة. لقد أدى القرار بضم حماس لقائمة التنظيمات الإرهابية الأوروبية إلى إضفاء شرعية على الحرب القذرة التي شنتها إسرائيل على الحركة. ويتضاعف الشعور بالإحباط لدى صناع القرار في الدولة العبرية لأنهم اكتشفوا أن تصعيد حربهم ضد حماس لم يفشل فقط في إضعاف حماس على الصعيد الداخلي الفلسطيني، بل أن هذا التصعيد لم يمنع الحركة من اختراق الحصار الذي فرضته عليها إسرائيل وبقية الأطراف الإقليمية في المنطقة. الذي أثار حفيظة الإسرائيليين بشكل خاص هو حقيقة أن الأوروبيين لم يشترطوا على حماس أي شروط من أجل الموافقة على إجراء اللقاءات مع ممثليها في البلديات. إسرائيل حاولت أن تتجاهل بعض المتغيرات التي بات من الصعب على العالم تجاوزها في كل ما يتعلق بحركة حماس، وعلى أساس هذه المتغيرات يمكن فهم قرار الاتحاد الأوروبي باستئناف الاتصالات مع ممثلي حماس ولو على نطاق ضيق، وهذه المتغيرات أهمها :
1- ظهور حجم التأييد الواسع الذي تحظى به حماس داخل المجتمع الفلسطيني، والذي عكسته نتائج الانتخابات المحلية في مرحلتيها الأولى والثانية. لقد دلت نتائج الانتخابات على أن حماس هي الفصيل الفلسطيني الذي يحظى بأكبر قدر من التأييد داخل المجتمع الفلسطيني. لقد تبين للأوروبيين أنه بعد الانتخابات لا يمكن التعامل مع الواقع الفلسطيني بمعزل عن حركة حماس. ويمكن تفسير مبادرة الأوروبيين للحوار مع ممثلي حماس على أنه استباق للانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي ترجح كافة التقديرات أن الحركة ستحقق فيها مكاسب كبيرة.
2- لقد أدرك الأوروبيون ما لم يدركه الأمريكيون حتى الآن وهو أنه لا يمكن النظر لحركة حماس فقط من زاوية فعلها المقاوم. فالأوروبيون عبروا في مناسبات عدة عن مدى تقديرهم للدور الكبير الذي تلعبه مؤسسات الحركة الخيرية والاجتماعية والتعليمية في تقديم الخدمات للمجتمع الفلسطيني بكل شفافية وتفاني، و بشكل يفوق كثيراً ما تقدمه السلطة الفلسطينية التي تتدفق عليها أموال الدعم الخارجي من كل حدب وصوب على الرغم من أن موارد حماس محدودة جداً.
3- لقد أدى تجنب حماس خلال العام الأخير القيام بعمليات استشهادية تستهدف المدنيين الإسرائيليين وتركيزها في المقابل على المس بجنود الاحتلال ومستوطنيه داخل قطاع غزة تحديداً، إلى سحب واحدة من الذرائع التي كانت تستخدم من قبل ماكنة الدعاية الإسرائيلية لتجريم حماس في الساحة الدولية، وتبرير تصعيد عمليات القمع ضدها. في نفس الوقت فقد كانت حماس أكثر الفصائل الفلسطينية التزاماً بالتهدئة التي أعلنت عنها الفصائل الفلسطينية في ختام حوارات القاهرة.
لكن أكبر مصدر للإحباط الإسرائيلي من الخطوة الأوروبية هو أنها أفشلت محاولة الحكومة الإسرائيلية لفرض فيتو على مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة. فقد اضطر الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية إلى ابتلاع التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم والتي هدد فيها أنه في حال شاركت حماس في الانتخابات التشريعية فأن إسرائيل ستعيد النظر في تطبيق خطة " فك الارتباط ".
لكن إسرائيل المحبطة من الخطوة الأوروبية انتقلت من الانتقاد الفظ لهذه الخطوة إلى محاولة إقناع الأوروبيين بوضع شروط على حركة حماس قبل رفع مستوى الاتصالات معها. وتتمثل الشروط الإسرائيلية في :

- وقف الحركة لعمليات المقاومة ضد الاحتلال والتحول للعمل السياسي.
- تفكيك البنية العسكرية للحركة الممثلة في جناحها المسلح " كتائب عز الدين القسام".
بغض النظر عن مدى قدرة إسرائيل في إقناع الأوروبيين بطرح هذه الشروط، فإن الجدل حول العلاقة مع حركة حماس انتقل إلى داخل إسرائيل نفسها. فقد بات الكثيرون في الساحة الإسرائيلية يجاهرون بالدعوة إلى عدم استبعاد التفاوض مع حماس. فقد نقل عن نائب رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية السابق قوله أنه في غضون عامين لن يكون هناك مفر أمام إسرائيل سوى التفاوض مع حماس، وانضم لهذا الرأي العديد من المفكرين والساسة، وأن كانت الأكثرية الساحقة في الدولة العبرية ترى أنه يتوجب على حماس الوفاء بالشروط آنفة الذكر.
قصارى القول أن حماس قد نجحت فيما فشلت فيه منظمة التحرير أواسط الثمانينات من القرن الماضي، عندما اضطرت المنظمة للقبول بشروط الإدارة الأمريكية للحوار معها، والتي تمثلت في الاعتراف بحق دولة إسرائيل في الوجود وتخلي المنظمة عن النضال المسلح، وكان هذا المدخل لمسلسل التنازلات الذي كاد أن يصفي القضية الفلسطينية. ليس من المستبعد أن يسعى الأوروبيون لاحقاً لترويض حماس عبر محاولة إقناعها بالتوافق ولو جزئياً مع الشروط الإسرائيلية، لكن موقف حماس المتمثل في عدم التراجع عن الثوابت الفلسطينية، إلى جانب أضاع الحركة عملها المقاوم لمتطلبات الواقع بما يحفظ استمرار يته من جانب ويضمن – من جانب آخر - للحركة جانب للمناورة السياسية على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي، يسمح بتجاوز حقل الألغام الذي تحاول إسرائيل جرها إليه. لقد استوعبت حماس الدرس من منظمة التحرير التي تنازلت عن كل شئ تقريباً مقابل مجرد حوار لم يترتب عليه إلا مزيد من التراجع للقضية الفلسطينية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر