موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل وفزاعة الإسلاميين في أعقاب الثورات العربية

عكفت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل والنخب المرتبطة بها على التشكيك في طابع ثورات التحول الديمقراطي في الوطن العربي وتحذير العالم من مآلاتها، عبر الزعم بأنها ستفضي حتماً إلى هيمنة الحركات الإسلامية على مقاليد الأمور في الدول العربية. ولقد فطن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إثارة مخاوف العالم من خلال تحذيره من تكرار تجارب يبدي الغرب تجاهها حساسية خاصة، سيما تجربة الثورة الإسلامية في إيران التي انطلقت كحركة احتجاج ضد نظام الشاه وانتهت بإقامة الجمهورية الإسلامية، ولم يفته التحذير من أن مصر تنتظر مصيراً مشابهاً في حال صعد الإسلاميون للحكم فيها كنتاج للثورة. لم يكتف نتنياهو بالتحذير من مخاطر وصول الإسلاميين للحكم، بل إنه حاول إعطاء الانطباع بأنه حريص على بروز تيار " ديمقراطي " منافس لهم، فدعا إلى تأسيس صندوق دولي لدعم خصوم الإسلاميين في العالم العربي، ممن أسماهم " ذوي التوجهات الليبرالية "، مشبهاً هذه الخطة بخطة "مارشال " التي نفذتها الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لدعم أوروبا؛ وقد أرسل نتنياهو عيران ليرمان، مساعد مستشاره للأمن القومي للولايات المتحدة لبحث هذا المقترح مع قادة الكونغرس الأمريكي. وفي سعيها لشيطنة ثورات التحول الديموقراطي في العالم العربي، وتأليب العالم عليها، فقد اقتفت النخب الإسرائيلية أثر نتنياهو، وحرصت على استدعاء متلازمتي إيران وحماس، والإيحاء بأن العالم بات على موعد مع تكرار هاتين التجربتين. فهناك من اعتبر أن ما حدث في مصر " إنقلاب وليس ثورة "، لأن هذه الأحداث ستنتهي بوصول الإخوان المسلمين للحكم، وهم سيقيمون في مصر " النسخة السنية للجمهورية الإسلامية في إيران "، والتشديد على أنه لا يوجد في مصر أي ميل نحو التحول الديموقراطي والحريات، بل العكس تماماً.

دراسة أعدها صالح النعامي، ونشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، رابط الدراسة:

http://www.dohainstitute.org/Home/Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0-d92cbb5dd3e4&resourceId=54036b30-8c96-4766-a72c-006546b1dbba

ولقد حذر يوسي بيلين من أن تسليم العالم بنقل مقاليد الأمور للإسلاميين في أعقاب الثورات العربية يمثل " عملاً غير مسؤول "، مدعياً أن الرئيس أوباما عاد إلى نفس " الخطأ " الذي وقع فيه الرئيس جيمي كارتر الذي " تخلى " عن الشاه، مما أدى في النهاية ليس فقط إلى سقوط الحكم الأمبرطوري في طهران، بل إلى تغيير جذري في المنطقة بأسرها. وزعم إيتان هابرأن الثورة في مصر تحديداً تشكل نقطة تحول: " فارقة نحو القطيعة بين مصر والعلمانية والغربنة، متوقعاً أن " تنافس الصور التي ستأتي من مصر، تلك التي تصل من إيران التي تحرك الأحداث من وراء الكواليس، من أجل تحقيق هدف رئيس واحد، وهو القضاء على أجواء السلام والمصالحة مع إسرائيل ". في حين اعتبر إلياكيم هعتسني، أحد قادة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية أن صول الإسلاميين " الحتمي " للحكم بفضل الثورات العربية سيشكل دعماً كبيراً لحكم حركة حماس، مما يمثل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، معتبراً أن وصول الإسلاميين المتوقع للحكم في مصر يعني تقليص قدرة تل أبيب على العمل ضد الحركة، على اعتبار أن هناك إمكانية كبيرة أن يزود الحكم الجديد في مصر حماس بتجهيزات ومعدات حربية لوجستية دفاعية تقيد قدرة إسرائيل على إلحاق الأذى بحماس، علاوة على أنه لا يستبعد أن تقف مصر – تحت حكم الإسلاميين - خلف عمليات عسكرية على طول الحدود مع إسرائيل.

وإزاء المواقف العلنية التي تحاول تحريض العالم على الثورات العربية من خلال إثارة فزاعة الإسلاميين، نجد أن المسؤولين الإسرائيليين يبدون في الغرف المغلقة ارتياحاً لسيطرة حركة حماس على مقاليد الأمور في قطاع غزة، مع العلم إنهم في العلن يواصلون الدعوة لإسقاط حكم الحركة.

إن التناقض الذي تعكسه التقييمات التي تصدر عن المسؤولين الإسرائيليين بشأن طابع تجارب الحركات الإسلامية في الحكم في العلن وفي الغرف المغلقة، يستدعي محاولة البحث عن مرامي إسرائيل الحقيقية من إدارة حملتها الهادفة لنزع الشرعية الدولية عن الثورات العربية من خلال الزعم بأنها ستفضي لسيطرة الإسلاميين على الحكم.

مشكلة البحث: تكمن مشكلة بحث في محاولة إسرائيل التغطية على الأهداف الحقيقية الكامنة وراء تحذيرها من سيطرة الإسلاميين على الحكم في أعقاب اندلاع ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي. وسيحاول البحث الإجابة على السؤال الرئيس التالي: ما الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من خلال إثارة الفزع من وصول الإسلاميين للحكم في أعقاب اندلاع الثورات العربية؟.

أهمية البحث: يكتسب هذا البحث أهمية خاصة كونه يسلط الضوء على الآليات المتبعة من قبل إسرائيل لشيطنة ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي وأهدافها، بما قد يساعد في بناء إستراتيجية عربية لمواجهتها وإفشالها.

أهداف البحث: يرمي البحث إلى التعرف على أهداف الحملة الإسرائيلية من إثارة فزع العالم من وصول الإسلاميين للحكم في العالم العربي. وهناك عدد من الأهداف المكملة:

1-    التعرف على العلاقة بين التحريض على الإسلاميين وارتباط مصالح إسرائيل ببقاء الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي.

2-    استشراف أنماط سلوك إسرائيل تجاه التسوية السياسية للصراع في ضوء الحملة على الإسلاميين.

3-    رصد هواجس إسرائيل من تداعيات التحول الديمقراطي في العالم العربي.

4-    تبيان توظيف إسرائيل فزاعة الإسلاميين في ابتزاز الإدارة الأمريكية.

5-    فهم الآليات الإسرائيلية المتبعة في محاولة الإبقاء على الصورة النمطية للإسلاميين.

6-    معرفة الاعتبارات الأساسية التي تحدد إسرائيل على ضوئها مواقفها من التيارات السياسية في العالم العربي.

أسئلة البحث:

1-    ما العلاقة بين تحريض إسرائيل على الإسلاميين وارتباطها بالأنظمة الديكتاتورية العربية؟.

2-    ما مستقبل التسوية السلمية للصراع في أعقاب التحريض الإسرائيلي على الإسلاميين؟

3-    ما الهواجس الإسرائيلية من تداعيات التحول الديمقراطي في العالم العربي؟.

4-    ما الآليات التي تتبعها إسرائيل في محاولاتها الإبقاء على الصورة النمطية للإسلاميين؟.

5-    ما الاعتبارات الأساسية التي تحدد إسرائيل على ضوئها مواقفها من التيارات السياسية في العالم العربي؟.

منهج البحث:

أنّ المنهج الذي استخدمه الباحث اعتمد في مجمله على المزْج بين أدوات المنهج الوصفي والاستقرائي وأدوات المنهج التحليلي والاستنباطي، التي تعتمد على المتابعة اليوميّة والدقيقة للمصادر الإسرائيلية ومواقف المسؤولين والنخب الإسرائيلية من ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي.

 

1.    إسرائيل بين الديكتاتوريات والإسلاميين

أن هناك الكثير من المؤشرات الواضحة التي تدلل على أن حرص إسرائيل على إثارة الفزع من الثورات العربية عبر التحذير من صعود الإسلاميين يأتي كتعبير عن المرارة من خسارة إسرائيل " مزايا " الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي التي كانت ترتبط بها. وهناك فيض من التصريحات الإسرائيلية الرسمية التي تشير إلى تعلق تل أبيب بشكل أساسي بأنظمة الحكم الديكتاتورية. ومما يدلل على أن التحذير من الإسلاميين يهدف بشكل أساسي للحفاظ على الأنظمة الديكتاتورية التي لم تشكل تحدياً لإسرائيل، حقيقة أن نتنياهو – الذي يخرج عن طوره في التحذير من أن تفضي الثورات العربية إلى سيطرة الإسلاميين – هو تحديداً الذي سعى بكل قوة للحفاظ على  الأنظمة الديكتاتورية. فقد أقام نتنياهو في ديوانه خلية عمل أواخر يناير الماضي بهدف تنظيم حملة سياسية ودبلوماسية هدفت بشكل أساسي إلى إقناع دول العالم بعدم السماح بخلع مبارك. ولم يتردد نتنياهو في الإفصاح عن سر حرصه على بقاء مبارك، حيث أوضح أن مبارك كان حليفاً حيوياً جداً لإسرائيل وأن هناك مخاطر تتربص بإتفاقية كامب ديفيد "  في حال تنحى.

 

ومما يدلل على أن نتنياهو غير معني بتولي أنظمة حكم ديمقراطية مقاليد الأمور في العالم العربي، حقيقة أنه كان يحرص في كل لقاء له مع الزعماء والصحافيين والمفكرين الأجانب الذين يلتقيهم في إسرائيل وخارجها على التفاخر أمامهم بأن إسرائيل تمثل الديمقراطية الوحيدة في منطقة تسود فيها الديكتاتوريات. فإن كان نتنياهو معني بتحول المنطقة إلى الديمقراطية، فلماذا كان الوحيد من بين زعماء العالم الذي بذل جهوداً هائلة من أجل الحفاظ على نظام مبارك.

 وقد كان رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي المنصرف جابي إشكنازي أكثر المسؤولين الإسرائيليين وضوحاً في التعبير عن ارتباط المصالح الإسرائيلية بالأنظمة الديكتاتورية، عندما قال: " في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط، فإن الاستقرار-بالنسبة لإسرائيل - أفضل من الديمقراطية ".

ومن الأهمية بمكان استذكار العبارة الشهيرة التي صدرت بشكل عفوي ومعبر عن وزير البنى التحتية الإسرائيلي بنيامين بن إليعاز،الذي وصف الرئيس مبارك بأنه كان " كنز إستراتيجي لإسرائيل "، فمن الواضح أن إسرائيل لا يمكنها أن تتوقع أن يخلف مبارك في حكم مصر سياسي سيجاريه في مراعاة مصالح إسرائيل، وبالتالي جاء التحذير من تداعيات وصول الإسلاميين للحكم ويؤكد رئيس تحرير صحيفة " هارتس " الإسرائيلية أن مصر في عهد مبارك كانت بمثابة " حارس لإسرائيل "، مشيراً إلى أن إسرائيل وجدت مصلحتها في استقرار الأنظمة الاستبداية في الدول العربية المجاورة.

 ويهدف التحذير من صعود الإسلاميين بشكل خاص إلى الحفاظ على الرواية الرسمية الإسرائيلية القائلة أن زوال أنظمة الاستبداد في العربي سيكون مقترناً بالضرورة بصعود حتمي وخطير للحركات الإسلامية، مما يوجب على العالم عدم المساعدة في تحقيق هذا السيناريو.  ويقر يوسي بيلين  بأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت دوماً تفضل الأنظمة الديكتاتورية، على اعتبار أن هذه الأنظمة تكون في العادة " برغماتية " تكتفي بدفع ضريبة كلامية في دعمها للفلسطينيين، لكنها في الخفاء لا تتردد في إقامة تحالفات مع إسرائيل، وذلك بعكس الأـنظمة الديمقراطية التي تخضع للرقابة وتكون مطالبة بأن تتخذ قراراتها على أساس شفاف. ويدلل بيلين على ما يقول بما تضمنته وثائق " ويكليكس "، التي أظهرت بشكل واضح أن الأنظمة العربية كانت معنية بمواجهة إيران وبرنامجها النووي أكثر مما هي معنية بمواجهة إسرائيل، وأنها لا تلقي في الواقع بالاً لمعاناة الفلسطينيين، ولا تأبه كثيراً بحل القضية الفلسطينية.

ولقد ارتبط مفهوم " استقرار الشرق الأوسط " في الخطاب السياسي الإسرائيلي ببقاء أنظمة الحكم الديكتاتورية في العالم العربي، بحيث أن إسرائيل اعتبرت أن أي محاولة لإسقاط هذه الأنظمة تهديداً لـ " استقرار " المنطقة. ويستدل من خلال الجدل الداخلي الإسرائيلي على أن النخب الحاكمة في تل أبيبت تميل بشكل واضح إلى تفضيل بقاء الأنظمة الشمولية في العالم العربي، حتى لو كانت تنتمي إلى ما يعرف بـ " محور الممانعة "، كما هو الحال بدول " الاعتدال " ، على اعتبار أنها " ضمانة للاستقرار ". ومن نافلة القول أن " استقرار " المنطقة يضمن لتل أبيب تحقيق مصالحها الاستراتيجية، بغض النظر عن المعاناة التي يكابدها مئات الملايين من المواطنين العرب تحت سيطرة الأنظمة الديكتاتورية. ويعني " الاستقرار " أن تواصل إسرائيل التملص من استحقاقات أي تسوية سياسية للصراع حتى في حدودها الدنيا بالنسبة للعرب والفلسطينيين، فهي تعي أن كل ما يعني أنظمة الاستبداد في العالم العربي هو بقاؤها فقط، وبالتالي فهي لن تبادر لتغيير أنماط العلاقة القائمة مع إسرائيل لمجرد إن حكوماتها ترفض الوفاء بمتطلبات تسوية الصراع، حتى في حدودها الدنيا.

ويرى الصحافي والكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي أنه بفضل " الاستقرار " واصلت إسرائيل لعقود من الزمن حرمان الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي من حقوقهم السياسية، وهي تعي أن بقاء أنظمة الاستبداد في العالم العربي ستخلد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. ويواصل ليفي تفكيك مصطلح " الاستقرار "، الذي تخشى إسرائيل المس به بتفجر ثورات التحول الديموقراطي في العالم العربي، مشيراً إلى أن : " الاستقرار الذي تشتهي إسرائيل تواصله يشتمل على الإبقاء على عشرات الملايين من الفقراء في مصر، في حين تواصل عائلة الحكم التمتع بثورة قوامها مليارات الدولارات..... الاستقرار يعني تضخم أجهزة الأمن التي كل ما يعنيها الحفاظ على نظام الحكم، وذلك على حساب الموازنات التي كان من المفترض أن تخصص للصحة والتربية والتطوير والرفاه الاجتماعي،  الاستقرار يعني سلطة سياسية وراثية تنتقل من الأب إلى الإبن، وانتخابات مزورة لا يجوز فيها التنافس إلا لممثلي الاحزاب الحاكمة فقط، إسرائيل معنية بالاستقرار ولو كان عبر  تواصل الحروب الأهلية في العالم العربية أو حروب بين الدول العربية، أو في ظل تعاظم مظاهر الفساد ".

أن تهويل نتنياهو من وصول الإسلاميين للحكم يمثل في الواقع رفضاً لأي تغيير في المنطقة، على اعتبار أن هذا التغيير يتعارض مع المصالح الإسرائيلية، المرتبطة بوجود الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، حيث إن إسرائيل تحاول ببساطة الحفاظ على النظام القديم في الشرق الأوسط. أن نتنياهو -كما هو الحال مع بقية زعماء إسرائيل - يفضل التعامل مع الحكام الطغاة في العالم العربي، مثل مبارك وأشباهه بشرط أن يضمنوا الحفاظ على الوضع القائم وأن يتولوا قمع الأطراف التي تحاول تغيير هذا الواقع .

 

2.    الثورات العربية ومأزق اليمين الإسرائيلي

على الرغم من أن النخب الإسرائيلية سواءً المنتمية لليسار أو اليمين قد شككت في طابع الثورات العربية ومآلاتها واشتركت في التحذير من تداعيات وصول الإسلاميين للحكم، إلا أن اليمين الإسرائيلي حرص بشكل خاص على توظيف الثورات العربية لإضفاء صدقية على مواقفه الأيدلوجية من الصراع، والتي تقوم على رفض أي تسوية سياسية تستند إلى مبدأ الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وذلك بطرح الحجة التالية: إن كانت الحركات الإسلامية هي التي ستتولى مقاليد الأمور في العالم العربي، فلماذا على إسرائيل أن تنسحب من أراضي تشكل ذخراً استراتيجياً لها، فالحركات الإسلامية – حسب خطاب اليمين الإسرائيلي – في حال صعودها للحكم ستجد نفسها في حل من أي إتفاقيات توقع عليها الحكومات السابقة، مما يوقع إسرائيل تحت وطأة تهديد وجودي، في حال نشبت حرب بينها وبين أطراف عربية. ونجد أن الكثير من نخب اليمين تحديداً تكرر الارتكاز على هذه الحجة.

فيورام إيتنجر، مدير مركز " بمحشفاه " اليميني، يرى أن الثورات العربية ستقود الإسلاميين للحكم، وبالتالي فإن هذا الواقع سيؤسس لاندلاع المزيد من الحروب بين إسرائيل والعرب، وهو ما يوجب على إسرائيل عدم التفريط بالضفة الغربية في أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين، على اعتبار أن إسرائيل لا يمكنها مواصلة البقاء بدون الضفة الغربية لقربها من التجمعات السكانية الكبيرة داخل إسرائيل، حيث أن السيطرة على الضفة الغربية يمنح إسرائيل فرصة للاستعداد وأخذ الاحتياطات الأمنية في حال تعرضت لحرب مفاجأة. ومن أجل دب الذعر في صفوف الإسرائيليين، فإن إيتنغر يحذر من أن نتائج الحروب العربية الإسرائيلية التي ستندلع بعد الثورات العربية ستكون أكثر خطورة من نتائج حرب عام 1973، في حال انسحب الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية، مشيراً إلى أن إسرائيل ستكون في هذه الحالة مجردة من أي عمق استراتيجي. ولا يفوت إيتنجر التحذير من إن وصول الإسلاميين سيجعل إسرائيل في مواجهة تداعيات اجتماعية وديمغرافية خطيرة جداً، حيث يزعم أن وصول الإسلاميين للحكم يعني أنهم سيحرصون على تدفق المهاجرين الأفارقة عبر الحدود بين إسرائيل ومصر.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا كان اليمين  تحديداً أكثر التيارات السياسية في إسرائيل التي حرصت على التحريض على الثورات العربية من خلال التحذير من مآلات سيطرة الإسلاميين على الحكم في أعقابها؟.

 لقد انبرى للإجابة على هذا التساؤل البرفسور أودي زومر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب. ويرى زومر أن أحد أهم الأسباب وراء حالة الصدمة التي اجتاحت التيارات السياسية المختلفة في إسرائيل، وعلى وجه الخصوص اليمين، في أعقاب الثورات العربية وتوسعها في التعبير عن الخشية من فوز الإسلاميين يعود إلى الفرضية التي حكمت التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي على مدى عقود من الزمان والقائلة: أن الأوضاع الداخلية في العالم العربي غير مرشحة للتغيير، وبالتالي بإمكان إسرائيل التشبث بمواقفها التقليدية من الصراع دون أن تخشى ردة فعل عربية جادة.

 ويصل زومر إلى استنتاج بالغ الأهمية عندما يقول أن هذه الفرضية هي التي ضمنت في النهاية انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف واليمين، على اعتبار أن الرأي العام الإسرائيلي لم يلمس أن تبني المواقف المتطرفة قد اقترن بخسارة إسرائيل الكثير في مواجهتها مع العالم العربي؛ فهو يرى أنه لم يكن بالإمكان أن تكون شخصية ذات قدرات محدودة، مثل وزير الخارجية الحالي أفيغدور ليبرمان مرشحاً محتملاً لرئاسة الوزراء لولا تشرب الرأي العام هذه الفرضية، ولولا سيادة هذا الانطباع. من هنا فإن اليمين الإسرائيلي يخشى أن يفضي إدراك الجمهور الإسرائيلي للمخاطر التي تنطوي عليها التحولات في العالم العربي إلى انفضاض مزيد من القطاعات السكانية عنه. وهذا ما يفسر الحساسية التي نظرت بها النخب اليمينية للثورات العربية، وجعلها تحاول بث الذعر عبر التحذير من مخاطر وصول الإسلاميين للحكم، هذا من جانب، ومن جانب محاولة إقناع الجمهور الإسرائيلي أن الواقع الجديد الذي طرأ في العالم العربي يتطلب اتخاذ سياسات متشددة وحاسمة، لا يمكن أن يبلورها إلا اليمين. لقد حاول اليمين الإسرائيلي دوما تكريس انطباع مفاده إن سياساته هي التي تصلح فقط للتعامل مع العرب، وقد وجد هذا الانطباع أوضح تجسيد له في الحملات الانتخابية لحزب الليكود اليمين الحاكم، إذ أن هذا الحزب دأب على رفع شعار: " فقط الليكود يستطيع ".

ويستدل مما تقدم أن الحساسية التي يبديها اليمين الإسرائيلي تجاه الثورات العربية مرتبطة بشكل أساساً بقلقه على تماسك تصوره الأيدلوجي من الصراع مع العرب في أعقاب تفجر الثورات العربية، وخشيته من تقلص حجم التأييد الشعبي له، وبالتالي فهو بات يحاول جاهداً التدليل على أن مجرد اندلاع الثورات العربية يشكل دليلاً على صوابية مواقفه من الصراع، وذلك عبر محاولة بث الفزع من تمكن الإسلاميين من السيطرة على مقاليد الأمور في أعقاب اندلاع هذه الثورات.

من هنا يمكن القول إن إسرائيل تحت قيادة اليمين الإسرائيلي ستزيد من تشددها إزاء مشاريع التسوية التي تطرح لحل الصراع في أعقاب تفجر الثورات العربية.

 

3.    هواجس إسرائيل من  مآلات التحول الديموقراطي في العالم العربي

لقد فطنت إسرائيل منذ زمن بعيد إلى حقيقة أن أي نهضة عربية شاملة تمثل منطلقاً لتغيير موازين القوى القائمة حالياً والتي تميل لصالح إسرائيل، ترتبط أساساً بحدوث تحول ديمقراطي حقيقي، يفضي إلى ولادة أنظمة سياسية تتبنى مشاريع نهضوية حقيقية. ولقد أدركت إسرائيل أن حدوث التحولات الديمقراطية في العالم العربي يتوقف بشكل أساسي على وجود طبقة وسطى سميكة ومؤثرة؛ لذا فقد سعت تل أبيب إلى أن تسهم سياساتها  تجاه العالم العربي في تحطيم هذه الطبقة. أن أحد أهم الآليات التي اتبعتها إسرائيل لتحقيق هذا الهدف تمثلت في تقليص الخيارات المتاحة أمام الطبقة الوسطى العربية في كل ما يتعلق بهويتها الوطنية وموقفها من إسرائيل. وقد أصبح أمام هذه الطبقة خياران لا ثالث لهما: فإما الانضمام للحركات الإسلامية، وإما أن تكون جزءً من البنى المجتمعية المرتبطة بأنظمة الحكم الديكتاتورية، والتي تجد مصالحها في كل ما يضمن استقرار الأنظمة القائمة، لذا أبدت هذه البنى حماساً زائفاً للتسويات مع إسرائيل.

لقد ربطت إسرائيل الرسمية بين اندلاع ثورات التحول الديمقراطي والتحولات التي طرأت على فاعلية الطبقة الوسطى في بعض الدول العربية.

من الواضح أن إسرائيل لا ترتاح إطلاقاً للحركات الإسلامية وشعاراتها، لكنها في نفس الوقت تفضل أن يتم تسليط الضوء على هذه الحركات على اعتبار أنه في مواجهة هذه الحركات من السهل بناء تحالفات عريضة تقاومها وتحاربها، بحيث يلعب المكون " الوطني " ممثلاً بالأنظمة الحاكمة الدور الحاسم في هذه الحرب وتلك المقاومة، كما يسهم الغرب بدور مهم فيها. ففزاعة البديل الإسلامي تغري الأنظمة بالتصدي للحركات الإسلامية، وذلك بغريزة الرغبة الجامحة في البقاء، كما أن طرح الحركات الإسلامية رؤى عالمية لتغيير الواقع يحركها أشواق الماضي البعيد يثير الرعب لدى الغرب على وجه الخصوص. إن ما يثير فزع الإسرائيليين في كل ما يتعلق بدور الطبقة الوسطى في العالم العربي في ظل الثورات العربية، يتمثل في التالي:

أولاً: استيقاظ الطبقة الوسطى من سباتها العميق ودورها الحاسم في إنجاح أهم ثورتين في العالم العربي، وهما: الثورة التونسية والثورة المصرية.

ثانياً: الخوف من أن تسهم رياح الثورة العربية في تقليص الفروق في طابع الأجندة التي ترفعها النخب الإسلامية والعلمانية في الوطن العربي، بحيث يتم التوافق على برامج عمل تؤسس لولادة أنظمة سياسية تحكمها قيم الديمقراطية، تأخذ على عاتقها القيام بالمشاريع النهضوية، سيما من ذلك النوع الذي تحذره إسرائيل، في ظل أقل قدر من الرفض الدولي.

من هنا جاء السعي الإسرائيلي لشيطنة الثورات العربية، والتشكيك في مآلاتها، في محاولة لإقناع العالم بأنه لا يمكن لهذه الثورات أن تفضي إلى ولادة أنظمة ديمقراطية، على أمل أن تسهم ردة فعل القوى العالمية في نزع الشرعية عن هذه الثورات، أو على الأقل التحرك بشكل علني وخفي لفرض قيود عليها.

إن أحد أبرز مظاهر التشكيك في الثورات العربية قد تمثل في حرص المستويات الإسرائيلية الحاكمة والنخب المرتبطة بها على وصف ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي بـ " الإنقلاب " ( هافيخا )، وليس ثورة ( مأبيخا )، ويمكن رصد عناوين الكثير من المقالات التي حملت العنوان التالي: " انقلاب وليس ثورة ".

 واللافت أن مرامي النخب الإسرائيلية الحاكمة من التحذير من وصول الإسلاميين للحكم لم تنطل على بعض النخب الإسرائيلية ذات التعاطي الموضوعي التي اعتبرت أن تحذيرات نتنياهو وملاحظاته إزاء الدور المستقبلي للإسلاميين تنطوي على تعاطي عنصري يهدف إلى نزع الشرعية عن حق المواطن العربي في لعب دور في تصميم السياسات العامة لبلاده.

وهذا بالضبط ما دفع الكاتب الإسرائيلي تسفي بارئيل لأن يشير إلى أن تشديد الطبقة الحاكمة في تل أبيب والنخب المرتبطة بها على أن الثورات العربية ستنتهي بسيطرة الإسلاميين يهدف بشكل أساسي إلى بلورة انطباع مفاده أن العرب لا يستحقون الديمقراطية. ويشير إلى أن أي نظام حكم ديموقراطي نيابي سيسمح حتماً لكل القوى الاجتماعية بالتعبير عن نفسها، وضمن ذلك القوى المتدينة، مستذكراً حقيقة أن الإدارة الأمريكية السابقة كانت مرتبطة بشكل كبير بالأصوليين البروتستانت، الذين هم في نفس الوقت أوثق حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة.

ولقد كان هناك في إسرائيل من دعا النخب الحاكمة إلى استخلاص الاستنتاجات الموضوعية مما حدث في مصر، بدلاً من إثارة المخاوف من وصول الإسلاميين للحكم، وعلى رأس هذه الاستنتاجات التسليم بأن الجمهور العربي لم يعد مستعداً لمنح ثقة غير محدودة لقيادته على المستوى الحزبي، الاقتصادي أو السياسي، حيث أن هذا جمهور يرى نفسه متساوي القيمة – وإن لم يكن متساوي القوة – مع الجمهور في الدول الغربية.

ويشدد الكاتب الإسرائيلي حجاي إلعاد على أن التحذير الإسرائيلي من إمكانية وصول الإسلاميين للحكم، والزعم بأن العرب سيتجهون حتماً للدكتاتورية ينطوي على أبعاد عنصرية. ويرى إلعاد أن لسان حال النخب الحاكمة والمعلقين في إسرائيل، وتحديداً المستشرقين يقول: " الديمقراطية كبيرة على العرب "، فالإسرائيليون – في نظره - لا يريدون أن يسلموا بأن العرب يقدرون على إدارة شؤونهم بشكل ديمقراطي ".

ويتضح مما تقدم إن إسرائيل تخشى مآلات التحول الديمقراطي في العالم العربي، وهو ما يفسر السعي الإسرائيلي لشيطنة الثورات العربية عبر طرح فزاعة الإسلاميين.

 

4.ابتزاز الإدارة الأمريكية

لقد حرصت النخب الإسرائيلية بشكل واضح ومثابر على مهاجمة سلوك الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وتحميله المسؤولية عن سقوط أنظمة " الاعتدال " العربية، سيما نظام الرئيس مبارك، متجاهلة حقيقة أن إدارة أوباما لم تضغط على مبارك للتنحي إلا بعد أن أدركت أن الجماهير في طريقها لتحقيق هذا الهدف بالقوة، علاوة على أن آخر ما فكرت به الإدارة الأمريكية لم يتجاوز التضحية بمبارك والإبقاء على نظامه.

فقد سعت إسرائيل من خلال التهويل من مخاطر وصول الإسلاميين للحكم إلى تقليص هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية، وتحميلها جزءً من المسؤولية عن أي تداعيات لسيطرة الإسلاميين على أنظمة الحكم في العالم العربي في أعقاب الثورات العربية. وقد حاولت النخب الإسرائيلية من خلال مهاجمة السلوك الأمريكي في خضم الثورات العربية، إلى تحقيق الأهداف التالية:

أولاً: تسويغ مطالبة الإدارة الأمريكية بمضاعفة المساعدات العسكرية لإسرائيل، والعمل على ترميم مكانة تل أبيب الدولية من خلال إثارة الفزع من الثورات العربية، عبر اجترار المزاعم التي تؤكد أن تولي الإسلاميين مقاليد الحكم في العالم العربي سيمثل ضربة قاصمة لاستقرار المنطقة، وهو ما يعني إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي بإمكان الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الاعتماد عليها في تحقيق مصالحه. وقد اعتبر الكثير من المسؤولين الإسرائيليين أن مثل هذا السيناريو يفرض على الولايات المتحدة التوسع في دعم إسرائيل عسكرياً واقتصادياً. وقد طالب وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك الإدارة الأمريكية بدفع عشرين ميار دولار إضافية لموازنة الأمن الإسرائيلية، إسهاماً منها في مساعدة إسرائيل على تحمل تبعات الثورات العربية على أمن إسرائيل القومي في المرحلة القريبة القادمة، ولم يفته تذكير الأمريكيين إن استثمار هذا المبلغ سيعود بالنفع على الولايات المتحدة " لأن ضمان تفوق إسرائيل يمثل أحد عوامل الاستقرار في منطقة غير مستقرة " . ولقد سعت إسرائيل إلى توظيف فزاعة الإسلاميين في محاولات استمالة الحكومات الأوروبية إلى مواقفها.  ولقد كثف نتنياهو من حديثه حول " منظومة القيم المشتركة " التي تربط إسرائيل بأوروبا، حيث حرص على أن يهمس في أُذن كل مسؤول أوروبي يزور تل أبيب على أن الثورات العربية تدلل على ان إسرائيل " هي الدولة الوحيدة من بين دول المنطقة التي تربطها قيم مشتركة بأوروبا، فنحن أنتم وأنتم نحن، لدينا تراث مشترك، مستقبل مشترك ".

ثانياً: التهوين من دور الصراع العربي الإسرائيلي في التأثير على استقرار المنطقة، عبر الزعم بأن اندلاع الثورات العربية يدلل على أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة مرتبطة أساساً بالأوضاع الداخلية في العالم العربي وأنه سواءً تم حل الصراع، أو لم تتم تسويته، فإن هذا لن يضمن الاستقرار في المنطقة.  ويفترض الإسرائيليون أن يستدعي هذا الاستنتاج إعادة تصميم السياسة الأمريكية في المنطقة على أسس جديدة. وقد ترتب على ذلك السعي لتقليص قدرة الرئيس أوباما على الضغط على إسرائيل في كل ما يتعلق باستحقاقات التسوية مع الفلسطينيين والعرب، وذلك عبر تحميله قدراً من المسؤولية عن تعاظم شأن " الجماعات المتطرفة " في العالم العربي، وإضعاف أنظمة " الاعتدال " في العالم العربي، وبالتالي، فإن النخب الإسرائيلية اتهمت أوباما بتعقيد فرص التوصل لتسوية للصراع من خلال تردده في دعم نظام مبارك. ولقد  ادعى السفير الإسرائيلي الأسبق في الولايات المتحدة الليكودي زلمان شوفال أن السياسة التي أتبعها أوباما خلال الثورة المصرية تضر بفرص التوصل لتسوية للصراع مع العرب.

 ويرى شوفال أنه الرغم من أن الرئيس بوش الإبن تحدث عن دمقرطة العالم العربي، إلا إنه لم يسع في الواقع للمس بأنظمة الحكم في العالم العربي كما فعل أوباما، معتبراً أن محاولة الأمريكيين الجسر بين " المثل الأمريكية " والمصالح البرغماتية ستنتهي إلى حالة " انفصام سياسي ".

ثالثاً: إضعاف الرئيس أوباما داخلياً عبر تأجيج الرأي العام الأمريكي ضده، وتصويره على أنه أسهم في توفير الظروف المواتية لسيطرة الإسلاميين على مقاليد الأمور في العالم العربي؛ والتشديد على أن تحقق هذا السيناريو سيضر بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. ولقد زعم إيتنجر أن سياسة أوباما ستمكن " الإسلام المتطرف من الإضرار بالمصالح الغربية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي والسودان والأردن "، مدعياً أن هذه التحولات تأتي في ظل إقدام الولايات المتحدة على خطوات تعكس ضعفها، سيما انسحابها قواتها من العراق وقرار إدارة أوباما تحديد موعد للانسحاب من أفغانتسان. ويحذر إيتنغر من أن توفير الأرضية للإسلاميين للوصول للحكم في ظل هذه التحولات سيكون مخاطرة كبيرة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه حتى لو لم يصل الإسلاميون للحكم وظلت بعض الأنظمة المساندة لأمريكا فإنها ستتأثر بالأجواء السائدة وستتخذ مواقف متشددة من إسرائيل والولايات المتحدة. ويصل الكاتب الإسرائيلي آرييه شفيت إلى حد " رثاء " الولايات المتحدة، بسبب الصعود المتوقع للإسلاميين، مستذكراً أن الولايات المتحدة تنتظر نفس المصير الذي انتهى إليه الإتحاد السوفياتي عام 1989، معتبراً أن وصول الإسلاميين للحكم يعني بداية " غرق " سفينة الغرب بأسره.

 

رابعاً: التشكيك في مدى التزام  الإدارة الأمريكية بأمن إسرائيل، لأنها لم تتحرك لإنقاذ حكم مبارك ، على اعتبار إن إسقاط نظام مبارك، وما سيتبعه من مشاركة الإسلاميين في الانتخابات، يعني تهديد اتفاقية السلام مع مصر، التي تعتبر حيوية لأمن إسرائيل. وقد عبر عن هذا التصور بشكل واضح دوف فايسغلاس، مدير ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون، والذي كان مسؤولاً عن تنسيق العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن خلال حكم شارون. واعتبر فايسغلاس أن مشاركة الحركات الإسلامية في العملية السياسية في العالم العربي في مرحلة ما بعد الثورات يمثل " مصيبة " لإسرائيل تتحمل إدارة أوباما جزءً هاماً من المسؤولية عنها، مشدداً على أن السلوك الأمريكي يتناقض تماماً مع التصريحات الأمريكية التي تشدد على الالتزام بأمن إسرائيل. ويرى فايسغلاس أن مشاركة الإسلاميين في إدارة شؤون الحكم في العالم العربي ستفضي إلى زيادة التطرف وخلق ظروف لا تسمح باحترام الاتفاقيات التي تم توقيعها بين إسرائيل والعالم العربي.

 

5.محاولة منع انهيار الصورة النمطية عن الحركات الإسلامية

لقد حاولت النخب الإسرائيلية من خلال التحذير من وصول الإسلاميين للحكم،  وتكرار الزعم بأن " تداعيات   كارثية " سترتب على ذلك، منع انهيار الصورة النمطية للإسلام والحركات الإسلامية التي حرص الكثير من المستشرقين في إسرائيل والغرب على تكريسها. ومن أجل تحقيق هذا الهدف فقد أخذ بعض المفكرين الإسرائيليين يتصدون للمراجعات الفكرية التي ازدهرت في الغرب تجاه الموقف من الإسلام في أعقاب الثورات العربية. ولقد شن أستاذ الفلسفة في الجامعة العبرية اليميني شاؤول روزنفيلد هجوماً حاداً على كل من مستشار الرئيس أوباما لشؤون الإرهاب جون برنن، وجيمس كلافر مدير الاستخبارات الوطنية في الولايات المتحدة، لأن الأول قال في محاضرة أن مصطلح " الجهاد " يعني شن نضال مقدس يتمكن المرء من خلاله من تخليص نفسه من الذنوب وأنه لا يوجد هناك أي رابط بين الإسلام وقتل الأبرياء ، بينما قدم الثاني إفادة أمام الكونغرس اعتبر فيه أن تنظيم " الإخوان المسلمين  " لا يتبنى العنف وأنه يهتم بشكل أساسي بالشؤون الاجتماعية ومعني بالاصلاحات سياسية. وادعى روزنفيلد أن حرص جماعة الإخوان المسلمين على تضمين برنامجها شعارات تدعو لإحلال العدل وتحث على التقدم والقضاء على الفقر بأنه يأتي من باب محاولة إقناع السلطات المصرية بعدم إخراج الجماعة من دائرة القانون، وحتى تتمكن من تغيير الأوضاع بهدوء وبصمت، مدعياً إن الحركات الإسلامية تعمل وفق مبدأ " التقية "، بحيث تظهر هذه الحركات غير ما تبطن، مدعياً أن هذه القاعدة التي تحكم أنماط السلوك لدى كل الإسلاميين، سواء في إيران وتركيا و مصر و غزة. ومن الواضح أن صدور مثل هذا الحكم يأتي كنتاج محاولة سطحية لتشويه الحقائق.

واعتبر دوري غولد أن الجماعات الإسلامية، مناهضة بفطرتها للديموقراطية وتأمل في استغلال الانتخابات للاستيلاء على الحكم.

وزعم رون بريمان، رئيس " مجموعة أستاذة الجامعات من أجل حصانة إسرائيل "، ذات التوجهات اليمينية،أنه يخطئ كل من يعتقد أن العالم العربي – سيما مصر سينتقل من الديكتاتورية وحكم الطغيان إلى الديمقراطية، وهو يرى أن مصر إما تدار من قبل العسكر أو الإسلاميين، ويقر بريمان أن كل إسرائيلي " عاقل " سيفضل حكم العسكر على من سواهم. ويجزم بأن الدول التي تحكم من قبل الحركات الإسلامية تتحول بالضرورة الى معادية لإسرائيل، مستدلاً على ذلك بما حدث في تركيا في أعقاب أحداث اسطول الحرية، وكأنه كان يفترض أن تغض الحكومة التركية الطرف عن الاعتداء الإسرائيلي ضد مواطنيها.

لكن بعض الباحثين الإسرائيليين الذين بحثوا أداء الإسلاميين خلال الثورات العربية توصلوا إلى قناعة مفادها أن محاولة القيادات الإسرائيلية والنخب المرتبطة بها شيطنة الإسلاميين، ومن ورائهم الثورات العربية، جاء إثر خيبة أمل هذه القيادات وتلك النخب بعدما انهارت الصورة النمطية للمواطن العربي التي تجذرت في الأدبيات الإسرائيلية في أعقاب اندلاع الثورات.

ويرى الباحث والصحافي الإسرائيلي نداف إيال أن التحامل على الثورات العربية من قبل النخب، وتحديداً المستشرقين ومعلقي الشؤون العربية في وسائل الإعلام المختلفة في إسرائيل يرتبط بشكل أساسي بخيبة أمل هؤلاء عندما تبين أن الصورة التي بنوها عن الإنسان العربي غير واقعية، سيما عندما أثبتت الثورات العربية هشاشة حديث المستشرقين عن ميل المواطن العربي الفطري للخنوع واتجاهه لعدم تحدي حكامه، وأن العرب وتحديداً المصريين لا يمكنهم تجاوز حاجز الخوف من النظام. ويرفض أستاذ الدراسات الشرقية درور زئيفي في جامعة " بن غوريون " الرأي السائد في إسرائيل والقائل أن الإسلاميين سيرفضون الديموقراطية وسيتبنون أنماط حكم لا تستند إلى قيمها، وقد عزز رأيه بالحجج التالية:

1-معظم أدبيات الإسلاميين تدلل على أنهم  سيتصرفون تماماً مثل بقية مكونات الجماعة الوطنية العلمانية، تحديداً في مصر، مشيراً إلى أن كل الدلائل تؤكد أن الإسلاميين سيتصرفون وفق المبادئ والقيم التي أملتها الثورات العربية وليس وفق التراث الفكري لدى هذه الحركات.  وتوقع زئيفي أن تبدي هذه الحركات اهتماماً بمحاربة الفساد و ستسعى لتحقيق النمو الاقتصادي، وحل مشاكل الناس الاقتصادية، ولا يفوته أن يشير إلى أن الشباب العربي الذي تمكن من إسقاط الأنظمة لن يحتمل ألا تحكم البلدان لعربية بغير القيم الديمقراطية، حيث أن هؤلاء الشباب سيتمكنون من مواجهة أي نظام يتنكر لهذه القيم، حتى لو كان إسلامياً.

ويرى زئيفي أن كل من يدعي بأن وصول الإسلاميين لحكم يعني إسدال الستار على فرصة الاحتكام للديمقراطية يتغافل ويتجاهل " الجدل الثري والممتع " الذي دار في أوساط إسلامية مركزية حول كيفية الموائمة بين الإسلام والديمقراطية،  مشيراً إلى أن هناك دينماكية تغيير واضحة في هذا الاتجاه .

2-هناك دلالات عميقة للفتوى التي أصدرها الشيخ يوسف القرضاوي – الذي يصفه بالمرجعية الدينية الأهم في العالم السني – والتي شدد فيها على أن الدولة في الإسلام يجب ألا تكون دينية، كتلك التي أقيمت في دول الغرب في العصور الوسطى، وأن " الحاكم في الدولة الإسلامية يمثل الأمة وأجير لديها ومن حق الأمة – ممثلة بأصحاب السلطات فيها – محاسبة الحاكم ومراقبته، ومقاطعته وشن نضال ضده وحتى إزاحته من الحكم إذا لم يتصرف وفق مصالح الأمة "، وهو يرى أن هذه الفتوى تمثل نقيضاً للفهم  الكلاسيكي للدين السائد في كل من إيران والسعودية.

وإزاء الحملة الشعواء التي تحذر من تداعيات من إعادة تجربة الثورة الإسلامية في إيران، فإن هناك العديد من المعقلين والمستشرقين الإسرائيليين من وجد فروقاً جذرية بين ثورات التحول الديموقراطي في العالم العربي وبين الثورة الإسلامية في إيران. ويشير المستشرق يورام ميتال إلى حقيقة أن الثورة المصرية لم تحتكر أصلاً من قبل الإسلاميين، بل شارك في حمل أعبائها فسيفساء من جماعات ومنظمات تؤيد كلها فكرة الدولة المدنية.

 

6.المفاضلة بين الإسلاميين والعلمانيين

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حقاً أن دوائر صنع القرار في إسرائيل ترى في صعود الحركات الإسلامية للحكم خطراً على مصالحها يفوق مستوى الخطر الذي تشكله مركبات الجماعة الوطنية في كل بلد عربي؟.

إن التجربة العملية تدلل على - أنه بعكس ما توحي به المواقف المعلنة الصادرة عنها – فإن النخب الحاكمة في إسرائيل تنطلق في تقييماتها الحقيقية لتأثير التيارات السياسية في العالم استناداً لواقع تجربة هذه التيارات العملية، وليس فقط استناداً لشعاراتها ومواقفها الأيدلوجية. ولعل أوضح مثال على ذلك ما كشفت عنه وثائق " ويكليكس " التي أكدت أن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال عاموس يادلين أبلغ عدداً من أعضاء الكونغرس الأمريكي أن إسرائيل مرتاحة تحديداً إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، على اعتبار أن انفراد الحركة بحكم القطاع سيوفر لإسرائيل فرصة متابعة ومراقبة قياداتها وأعضاءها ومعرفة أماكن تواجد مكاتبهم ومنازلهم, تمهيداً لتصفيتهم بسهولة، في حال قررت إسرائيل الرد على أي عمليات عسكرية تقدم عليها الحركة، علاوة على إن صعود حماس للحكم يمثل فرصة تاريخية للتدليل على فشل تجربتها في الحكم.

فمن الواضح أن هذا التقييم الذي تم التعبير عنه في الغرف المغلقة، من قبل رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، يمثل في الواقع التقييم الحقيقي لإسرائيل إزاء تجربة حركة إسلامية في الحكم، مع إن إسرائيل ظلت ومازالت تهاجم حكم حماس وتدعو لإسقاطه. وهذا يعني أنه يتوجب التعامل بحذر شديد مع التحذيرات الإسرائيلية من خطورة تولي الحركات الإسلامية مقاليد الأمور في العالم العربين كنتاج لثورات التحول الديموقراطي في العالم العربي. وقد دعا بعض الباحثين الإسرائيليين النخبة الحاكمة في تل أبيب إلى مساعدة حماس على حكم قطاع غزة على اعتبار أن أداء متطلبات الحكم سيفرض على الحركة ضبط وتيرة العمل المقاوم المنطلق من القطاع، بحيث لا يشكل مسوغاً لإسرائيل لضرب مؤسسات الحكم والتضييق على الجمهور الفلسطيني لحثه على التمرد على حماس. وقد اعتبر الباحث يغيل ليفي أن من مصلحة إسرائيل تعزيز شرعية حكم حماس من أجل مساعدة الحركة على فرض سيطرتها على الفصائل الأخرى لتمنعها من مواصلة العمل المقاوم من ناحية، ومن ناحية ثانية تعزيز القيادة السياسية للحركة على حساب الذراع المسلح الذي يبدي تشدداً أكثر، سيما في كل ما يتعلق بشروط التوصل لصفقة تبادل أسرى مع حماس، يتم في إطارها الإفراج عن الجندي الإسرائيلي المختطف من قبل الحركة حلعاد شليت. وينصح الباحث عيرن شمشون القيادة الإسرائيلية بأن تسمح لحماس بحكم القطاع دون أن تعترف بها، على اعتبار أن ذلك يجعل هناك ما يمكن أن تفقده الحركة في حال تجاوزت الخطوط الحمراء في كل ما يتعلق بانطلاق المقاومة من قطاع غزة، سواء من قبل الحركة أو من قبل غيرها من الحركات العاملة هناك.

إن إسرائيل تولي أهمية للمواقف الأيدلوجية والشعارات التي ترفعها التيارات السياسية المختلفة في العالم العربي، وضمنها الحركات الإسلامية، لكن مما لا شك فيه أن المعيار الأساس الذي على أساسه تقيس النخب الحاكمة في إسرائيل خطورة هذا التيار السياسي العربي أو ذاك يستند إلى مدى اقترابه من تحقيق نهضة حضارية، يكون أحد أهم مخرجاتها المس بالتفوق العسكري الإسرائيلي من جانب، وضمان جسر الهوة في المجال التكنلوجي مع الإسرائييين، على اعتبار أنه دعامة أساسية لتعاظم القوة العسكرية والمنعة الاقتصادية، وذلك بغض النظر عن الخلفية الأيدلوجية للتيار الذي يقود مسيرة النهضة. لقد قامت إسرائيل بتدمير المفاعل الذري العراقي عام 1981 ومنشأة أبحاث نووية في سوريا عام 2006، مع أن البلدين كانا يحكمان من قبل حزب البعث العلماني، وهاهي تل أبيب بتذل أقصى جهد ممكن في سعيها لتجنيد العالم من أجل إحباط المشروع النووي الإيراني.

لقد خبرت إسرائيل بؤس الحلول العسكرية في مواجهة الحركات الإسلامية، إذ تبين أن النتائج المترتبة على هذه الحلول تكون محدودة للغاية. فعلى سبيل المثال لقد كشف يوفال ديسكين الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلي " الشاباك " أنه أوصى النخب الحاكمة في الدولة بشن حملة عسكرية بهدف إسقاط حكم حماس، لكنه في نفس الوقت أقر أن تحطيم حكم حركة حماس لن يؤدي إلى اقتلاع حبها من قلوب الفلسطينيين، وهذا عملياً يجعل خيار إسقاط حكم حماس يفضي إلى خيارات أكثر مأساوية بالنسبة لإسرائيل.

إن كانت الأمور على هذا النحو، فلماذا إذن تتشبث إسرائيل بفزاعة الحركات الإسلامية والإسلاميين؟.

  تدرك القيادات والنخب الإسرائيلية أنه في ظل الصورة النمطية السائدة عن الحركات الإسلامية في الغرب، فإنه سيكون من السهل عليها التحريض على الثورات العربية من خلال تكرار الزعم بأن هذه الثورات ستنتهي بسيطرة الإسلاميين. ومع ذلك فإنه يمكن القول أنه منذ اندلاع الثورة المصرية، فإن جل ما استوقف الإسرائيليين من تصريحات ومواقف لقيادات وطنية مصرية، كان تحديداً لقيادات علمانية. فقد عبر يعكوف عامي درور، مستشار الأمن القومي لنتيناهو عن انزعاج إسرائيل الشديد تحديداً من التصريحات التي أدلى بها الدكتور أيمن نور مرشح الرئاسة العلماني في مصر، والتي دعا فيها إلى إعادة تقييم إتفاقيات " كامب ديفيد "، بل أن درور أوضح أن إسرائيل ستعمل على اقناع الولايات المتحدة بعدم إجراء أي حوار مع أي جماعات علمانية مصرية تتخذ مواقف سلبية من " كامب ديفيد ".

ويكشف الصحافي أمنون أبراموفيتش النقاب عن أن معظم التقارير التي رفعتها أجهزة التقييم الاستراتيجي في تل أبيب لحكومة نتنياهو تؤكد أنه في كل ما يتعلق بإسرائيل، فإنه لا يوجد ثمة فروق جوهرية بين التيارات الإسلامية والعلمانية في العالم العربي.

إن الإسرائيليين يدركون في الواقع أن الثورات العربية دفعت الحركات الإسلامية في العالم العربي إلى مواقف أكثر مرونة وواقعية، وأن هذه الحركات باتت تسعى لاعتراف المجتمع الدولي وذلك من خلال فتح حوارات مع الغرب وتحديداً الولايات المتحدة.  وبالتالي فإن حملات التحريض على الحركات الإسلامية تهدف إلى تحقيق أحد هدفين: فإما أن تضفي هذه الحركات مرونة على مواقفها من إسرائيل والاتفاقيات الموقعة معها، وإما أن يتوقف العالم وتحديداً الغرب عن إجراء الحوار معها، وهو ما يعمل  ليس فقط على تآكل شرعية هذه الحركات الدولية، بل شرعية الثورات العربية.

لقد حاولت إسرائيل رفد تحريضها على الحركات الإسلامية بمسوغين أساسيين، فمن ناحية اعتبرت أن وصول الإسلاميين للحكم يعني دخول المنطقة مرحلة من عدم الاستقرار، بسبب موقفهم المبدأي الرافض للسلام مع إسرائيل، ومن ناحية ثانية زعمت إن الإسلاميين يناصبون الديمقراطية وقيمها العداء، وبالتالي فإن أنظمة الحكم التي سيقيمونها في أعقاب الثورات العربية ستكون أكثر سوءً من الأنظمة الديكتاتورية القائمة.

إن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان السلوك الإسرائيلي يشي باحترام تل أبيب لهذا " السلام "؟، ألم يهدد وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي بقصف السد العالي، ألم يتم توجيه الإهانات لمبارك من على منبر الكنيست؟، ألم تحرض الكثير من الأوساط الإسرائيلية الكونغرس الأمريكي على فرض عقوبات على نظام مبارك، الذي يوصف بالحليف الاستراتيجي، عندما وجه انتقادات عابرة للسلوك الإسرائيلي، ألم تتحدث إسرائيل دوماً عن كراهية المصريين بشكل عام لها.

إن النخب الحاكمة في إسرائيل تدعي أن صعود الإسلاميين للحكم سيسدل الستار على أي إمكانية للتوصل للسلام مع العالم العربي، في حين أن هناك الكثير من الشهادات لمسؤولين إسرائيليين تؤكد أن الجماعات الدينية اليهودية تحديداً هي التي تسهم بشكل كبير في جعل التسوية مع العرب ضرباً من ضروب المستحيل. لقد سمح النظام السياسي الإسرائيلي للمرجعيات الدينية اليهودية ليس فقط بالتحريض على إحباط مشاريع التسوية التي تطرح لحل الصراع، بل أنه سمح لها بالدعوة لقتل الشيوخ والنساء والأطفال الفلسطينيين، دون أن تتعرض هذه المرجعيات للمساءلة والعقاب.  إن الرأي العام الإسرائيلي هو الذي يتبنى مواقف بالغة التطرف من حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بالديمقراطية فإننا نجد أن الحركات الإسلامية في العالم العربي تتبنى مواقف متقدمة جداً من الديمقراطية وقيمها، مقارنة بالحركات الدينية اليهودية، سيما تلك التي تمثل في الائتلافات الحاكمة. فقد أعلنت جماعة " الإخوان المسلمين " التزامها بفكرة الدولة المدنية، بشكل واضح. في حين تدعو المرجعيات الدينية اليهودية الرئيسة بشكل صريح للفظ قيم الديمقراطية في حال تعارضت مع تعاليم التوارة.

ولا مجال هنا للحديث عن التمييز على أساس الدين والعرق الذي تمارسه إسرائيل ضد فلسطينيي 48، والقمع الذي يتعرض له الفلسطينيون الواقعون تحت الاحتلال  الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لذا لا يحق لإسرائيل - من ناحية أخلاقية - أن تعرض نفسها كما لو أنها حريصة على السلام والديموقراطية في سعيها لشيطنة الثورات العربية لمجرد أنها قد تقضي إلى سيطرة الإسلاميين على مقاليد الأمور بسبب موقفهم من التسوية والديموقراطية.

 

7.    الخاتمة

لقد أدركت إسرائيل أن ثورات التحول الديموقراطي التي تجتاح العالم العربي قد مثلت نهاية مرحلة من مراحل الصراع مع العرب، وتعي النخبة الحاكمة في إسرائيل إن هذه الثورات قد أبطلت الكثير من المسلمات التي مثلت منطلقات للسياسة الإسرائيلية تجاه العالم العربي، وهددت بالتالي القواعد التي حكمت السلوك الإسرائيلي إزاء العرب حتى الآن، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الكثير من التحولات التي يمثل بعضها تحديات استراتيجية من الطراز الأول للدولة العبرية. لقد اختصر موشيه يعلون المأزق الذي تعيشه إسرائيل في أعقاب الثورات العربية، عندما قال راثياً النظام الرسمي العربي الذي يمر في مرحلة تصدع: " الجني الذي تعرفه خير من الإنسان الذي لا تعرفه ".

 من هنا فقد وجدت إسرائيل أنه يتوجب عليها محاربة الثورات العربية من خلال التشكيك في مآلاتها، ولم تجد وسيلة أفضل من توظيف فزاعة الحركات الإسلامية، وتعميم انطباع مفاده إن هذه الثورات ستفضي إلى سيطرة الإسلاميين على مقاليد الأمور في العالم العربي، وذلك لأنها تعتقد أن الصورة النمطية السائدة عن الحركات الإسلامية ستضمن لها تحقيق الأهداف التالية:

1-    إقناع القوى المؤثرة في العالم بالتريث وعدم التدخل بشكل فاعل لإنجاح الثورات التي تعتمل حالياً في أكثر من قطر عربي بذريعة أن نجاحها وإسقاط الأنظمة الديكتاتورية فيها قد يفضي إلى تولي الإسلاميين مقاليد الحكم فيها. ومن جانب آخر، إقناع القوى العالمية بممارسة ضغوطاً على النخب التي تولت مقاليد الحكم في الدول التي نجحت فيها الثورات لتقييد النظم السياسية المتبلورة فيها، بحجة أن هذه ضرورات تمليها الوقاية من خطر الإسلاميين.

2-    توفير مسوغات لتبرير مواقف إسرائيل الرافضة لمشاريع التسوية التي تطرح لحل الصراع.

3-    تعزيز مكانة إسرائيل لدى الغرب وتحديداً الولايات المتحدة استناداً للحجة الإسرائيلية القائلة أن الثورات العربية أثبتت أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي بإمكان الغرب الاعتماد عليها، وما يترتب على ذلك من تسويغ المطالبة بدعم اقتصادي وعسكري بحجة حماية إسرائيل من تداعيات هذه الثورات.

4-     محاولة منع تغيير الصورة النمطية السائدة لدى الغرب عن الإسلام والحركات الإسلامية.

5-    إعاقة توافق مكونات الجماعة الوطنية في كل قطر عربي على برامج وطنية تضمن إتمام عملية تحول ديمقراطي حقيقية، تمثل متطلباً أساسياً يسبق أي نهضة تفضي إلى المس بموازين القوى القائم بين العرب وإسرائيل.

 

أن ما تقدم يفرض على مكونات الجماعة الوطنية في كل قطر عربي، وضمنها الحركات الإسلامية، إبداء أقصى درجات الحذر، والإسراع بالتوافق على برامج وطنية، تضمن انجاز مهمة التحول الديمقراطي، مع كل ما يتطلبه ذلك من إبداء أقصى درجات المرونة اللازمة لتحقيق ذلك. أن على مختلف التيارات السياسية في العالم العربي التي تؤمن بأهمية القطيعة مع عصر الطغيان والاستبداد أن تدرك إن انجاز التحول الديمقراطي يتطلب بذل أقصى جهد ممكن لتفويت الفرصة على إسرائيل ومنعها من تجنيد القوى العالمية لإعاقة فتح صفحة جديدة تفضي إلى انجاز المشاريع النهضوية التي تغير مسار الصراع مع كيان الاحتلال.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر