موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
عندما يدفع أوباما لإسرائيل بـ " العملة الفلسطينية "

لأول وهلة يبدو قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الموافقة على استئناف المفاوضات مع إسرائيل، والتي بدأت في عمان، أمراً مستهجناً بكل المقاييس. لكن بالنظر إلى تاريخ العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فإن سلوك عباس يبدو طبيعياً تماماً وينسجم مع السمت العام لتعاطيه السياسي. ففي النهاية – وللأسف – لا يبدو أن عباس مستعداً لأن يتخذ قراراً حاسماً على صعيد العلاقة مع إسرائيل، وسرعان ما يتراجع تحت ضغط هذا الطرف أو ذاك. فهذه المرة يستأنف عباس المفاوضات، التي تجري برعاية الأردن، في ظل بيئة لا تشي بأي توجه إسرائيلي بأي قدر من المرونة. لقد قطع ممثلو السلطة أغلظ التعهدات بأنه لن يتم استئناف المفاوضات بحال من الأحوال قبل أن توقف إسرائيل الأنشطة الاستيطانية التهويدية في الضفة الغربية، وضمنها مدينة القدس، وأن تلتزم حكومة نتنياهو بقرارات الشرعية الدولية كمرجعية للمفاوضات. لكن ماحدث مؤخراً يدلل على أن قرار عباس منقطع تماماً عن هذه التعهدات. فخلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة فقط أصدرت وزارة الإسكان الإسرائيلية عطاءات لبناء خمسة آلاف وحدة سكنية في محيط القدس وبعض مناطق الضفة الغربية. وإن كان هذا غير كاف، فإن الحكومة الإسرائيلية قد أعدت خطة لإقامة عشرين ألف وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية خلال العقدين القادمين، وذلك بهدف زيادة عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية بـ 100 ألف مستوطن. ولا حاجة بالطبع للإشارة إلى رعاية الحكومة الإسرائيلية للعمليات الإرهابية التي يشنها المستوطنون اليهود ضد المواطنين الفلسطينيين والتي تشمل الاعتداءات الجسدية واقتحام البلدات والقرى وتحطيم الممتلكات واقتلاع الأشجار وتسميم الآبار، وقد وصلت هذه الاعتداءات ذروتها في إقدام هؤلاء الإرهابيين على حرق المزيد من المساجد في الضفة الغربية وفي فلسطين 48، دون أن تتخذ حكومة نتنياهو إجراءً رادعاً ضدهم، بل على العكس تماماً. فنتنياهو الذي نجح في إرغام السلطة على مواصلة التنسيق الأمني وتعقب المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربية يوبخ كل من يجرؤ على وصف هؤلاء المستوطنين بـ " الإرهاب "، في الوقت الذي يواصل فيه هؤلاء عمليات العدوان.

تجاهل الواقع الإسرائيلي الداخلي

يدعي المتحدثون باسم السلطة أن الحديث لا يدور عن مفاوضات، بل لقاءات " جس نبض "، وهذا توصيف مجاف للواقع، حيث إن هذه اللقاءات تتم بشكل ثنائي، كما إنها ستكون في المستقبل سرية. ومن أسف، فقد تعلمنا من واقع تاريخ المفاوضات بين إسرائيل والسلطة، أن الطابع السري للمفاوضات هو وصفة لتوفير البيئة المناسبة لكي تقدم السلطة الفلسطينية خلالها التنازلات. لكن مشكلة عباس هنا تكمن في حقيقة أن الخطوة التي أقدم عليها تتناقض مع أي حسابات واقعية وموضوعية يمكن أن يقدم عليها صاحب قرار مسؤول. فإن كان السلوك الإسرائيلي العملي والنظري لا يشي بأي تغير في توجهات الحكومة القادمة، فإن كل المؤشرات تدلل على أن حكومة نتنياهو ستسفر في المستقبل عن مواقف أكثر تطرفاً وتشدداً، حيث أن هناك من الدلائل ما يؤكد أن عام 2012 سيكون عام انتخابات في إسرائيل، وهذا ما يعني أن الأحزاب التي تشارك في الائتلاف الحاكم في تل أبيب ستقدم على المزيد من الخطوات الاستفزازية ضد الفلسطينية وذلك بهدف استرضاء جمهورها اليميني عشية الانتخابات المتوقعة. ما لم ينتبه له عباس حقيقة أن نتنياهو سيستخدم المفاوضات لإقناع الرأي العام في إسرائيل أنه بالإمكان التشبث بمواقف يمينية متطرفة، وفي نفس الوقت العثور على شريك فلسطيني، وهذا ما سيزيد من شعبية نتنياهو. من هنا، فلو افترضنا أن هناك " معسكر للسلام " في إسرائيل، مع أن هذا المعسكر لم يكن موجوداً في يوم من الأيام، فإن قرار استئناف المفاوضات من قبل عباس سيضر بهذا المعسكر ويقلص هامش المناورة المتاح أمامه.

ما وراء التحرك الأردني

وما يثير الدهشة أن استئناف المفاوضات يجري في ظل تأكيد مسؤولي السلطة أنهم مايزالون يراهنون على تدخل الإدارة الأمريكية. وهذا الرهان يشبه إلى حد كبير رهان الخروف على سكين القصاب. فمن نافلة القول أن عام 2012 هو عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وها هو الرئيس أوباما يخرج عن طوره من أجل التدليل للمنظمات اليهودية والرأي العام اليهودي في أمريكا وإسرائيل على أنه " أكثر رؤساء الولايات المتحدة التزاماً بأمن وحصانة إسرائيل "، كما صرح مؤخراً. وبعد أن سرد أوباما قائمة " إسهاماته " في خدمة أمن إسرائيل من خلال تقديم الأسلحة المتطورة والدعم السياسي، ها هو يكمل " إسهاماته " وذلك في إرغام السلطة الفلسطينية على سحب كل شروطها المسبقة، واستئناف المفاوضات، وذلك لأن أوباما يعي أن موافقة السلطة على استئناف المفاوضات سيؤدي إلى تعزيز مكانة إسرائيل الدولية وتحسين صورتها العالمية التي تضررت كثيراً في الأعوام الثلاث الأخيرة. لم يفلح أوباما في اقناع السلطة باستئناف المفاوضات، فتوجه لاستخدام الأردن للقيام بهذا الدور، وهو الدور الذي ينسجم مع الدور الوظيفي للنظام الأردني، كنظام يؤدي خدمات مجانية للولايات المتحدة وإسرائيل. وإلا كيف يمكن تفسير حرص هذا النظام على الضغط على السلطة بهذا الشكل وإرغامها على استئناف المفاوضات. بالطبع يعتقد الأردن أن " المغازلة " بينه وبين قيادة حركة حماس في الخارج ستقلص من حجم انتقادات الحركة لهذه الخطوة.

قصارى القول، لقد دفع الرئيس أوباما – في سعيه للفوز بولاية رئاسية ثانية - الكثير لإسرائيل بالعملة الأمريكية، وهو يدفع لها حالياً – بالعملة الفلسطينية – عبر إرغام السلطة على استئناف المفاوضات من أجل توفير الظروف لتحسين مكانة إسرائيل الدولية.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر