موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
التحوط الإسرائيلي لتبعات الانسحاب الأمريكي من العراق

تبدي دوائر التقدير الاستراتيجي في إسرائيل قلقاً كبيراً إزاء تداعيات الانسحاب الأمريكي من العراق، وتفترض هذه الدوائر، إن هذا الانسحاب سيزيد من دافعية الأطراف المعادية لإسرائيل على استهدافها في بيئة مثالية، سيما إيران وأدواتها في العراق. وأكثر ما يثير القلق الإسرائيلي أن يتمكن الإيرانيون من نصب قواعد صواريخ على الأراضي العراقية، سيما في غرب العراق، واستخدامها في ضرب إسرائيل، في حال هاجمت الأخيرة المنشآت النووية الإيرانية. من هنا فإن من ضمن مهام القيادة العسكرية الجديدة التي أقامها الجيش الإسرائيلي لتتولى الإشراف على تنفيذ عمليات خنجرية وخاصة في العمق العربي، سيكون معالجة مثل هذا التهديد في حال تحققت هذه التوقعات. وتفترض النخب العسكرية إن الانسحاب الأمريكي قد يسمح بتحول بعض المناطق في العراق إلى ساحة انطلاق لجماعات سنية تعمل ضد إسرائيل في المستقبل. في الوقت نفسه، فإن القيادة الجديدة ستلعب دوراً أساسياً في أية حملة عسكرية تشنها إسرائيل ضد المنشآت النووية، إذ إن هيئة أركان الجيش الإسرائيلي تفترض أن أية غارات سيشنها سلاح الجو الإسرائيلي ضد المنشآت النووية لن تكون كافية وحدها لضمان إلحاق أذى كبير وبالغ بهذه المنشآت، لذا فإن هناك حاجة وحدات خاصة تعمل على الأرض من  أجل انجاز المهمة، علاوة على أن وجود هذه الوحدات على الأرض الإيرانية يسمح بتوسيع دائرة الأهداف المكملة للضربة الجوية.

تبعات مرحلة ما بعد نظام الأسد

تفترض دوائر التقدير الاستراتيجي في إسرائيل أن فرص نجاح النظام السوري في الإفلات من المصير الذي انتهت إليه أنظمة القذافي ومبارك وبن علي آخذة بالتقلص، وبالتالي فهي تستعد لمواجهة التبعات الثقيلة لمرحلة ما بعد الأسد. وعلى رأس مخاوف إسرائيل من هذه المرحلة إدراك النخب العسكرية الإسرائيلية حقيقة أن أي نظام سيحل محل الأسد، لن يتمكن – على الأقل في المرحلة الأولى – من منع تحول هضبة الجولان إلى ساحة لإنطلاق العمل المقاوم ضد إسرائيل، مع العلم إن هذا التحول يحمل في طياته تغييراً جذرياً في البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث إن الهضبة تطل على الكثير من المراكز الحضرية والصناعية اليهودية في منطقة الجليل وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. في نفس الوقت، فإن تفجر الأوضاع على الساحة السورية يعني تدهور البيئة الأمنية في المستوطنات اليهودية التي أقيمت على هضبة الجولان، والتي ظلت تنعم بالأمن والهدوء طوال فترة حكم عائلة الأسد، وهو ما وجد تعبيره في الزيادة الكبيرة التي طرأت في العقدين الأخيرين على اليهود الراغبين في الإقامة في الهضبة. ومما يزيد من تعقيد الأمور حقيقة أنه سيكون من المستحيل على إسرائيل تحقيق الردع في مواجهة الجماعات والحركات التي يتوقع أن تقف وراء عمليات المقاومة من سوريا، سيما باستخدام العمليات العسكرية التقليدية. يدرك الإسرائيليون إنهم سيشتاقون للأيام التي كان فيها نظام الأسد يحكم، لأن تل أبيب نجحت وبشكل كبير في مراكمة قوة الردع  إزاء هذا النظام، بحيث أنه ابتلع كل الإهانات التي وجهتها له إسرائيل دون حتى أن يلمح بالرد. فقد قامت إسرائيل بقصف المنشأة البحثية النووية السورية في شمال شرق سوريا أواخر عام 2006، وقام الموساد بتصفية عدد من المسؤولين عن البرنامج النووي السوري، فضلاً عن تصفية قائد الذراع المسلح لحزب الله عماد مغنية، دون أن يتخذ نظام الأسد خطوة عملية واحدة جادة ولو على الصعيد الإعلامي. وترى دوائر التقدير الاستراتيجي في إسرائيل أنه حتى لو لم يسقط النظام ودخلت سوريا في مرحلة الحرب الأهلية، فإن هذا التطور يحمل في طياته مخاطر جمة، لأنه سيسمح بتشكل تنظيمات وعصابات مسلحة، ستتجه في وقت لاحق للعمل ضد إسرائيل. من هنا تبرز الحاجة إلى قيام القيادة العسكرية الجديدة بمعالجة هذه التهديدات في حال تحققت.  وفي الوقت نفسه، تفترض إسرائيل أن نظام الأسد، عندما يدرك أنه في أيامه الأخيرة سيعمل على نقل ترسانة السلاح الثقيل لديه لحزب الله، مما يستدعي من إسرائيل التدخل لضرب قوافل السلاح أثناء تحركها، أو مهاجمة المخازن التي سيتم تخزينها فيها.

السعي لتجفيف منابع تسليح المقاومة الفلسطينية

يستشف من خلال الجدل الإسرائيلي الذي أثير حول تشكيل القيادة الجديدة أن القيادة العسكرية الإسرائيلية تنطلق من افتراض مفاده أن الثورات العربية تزيد من قدرة المقاومة الفلسطينية على الحصول على أسلحة يمكن أن تخل بالتوازن القائم بينها وبين إسرائيل. ولا خلاف بين دوائر صنع القرار الإسرائيلي على أن الأوضاع السائدة في عدد من الدول العربية التي شهدت ثورات تحول ديمقراطي ستسمح بتدفق السلاح لقطاع غزة، وذلك – على الأقل – لعدم قدرة الحكومات في هذه الدول على الدول على فرض رقابة على إقليمها وحدودها، وتحديداً مصر وليبيا. والذي يزيد الأمور تعقيداً بالنسبة لإسرائيل أنها باتت تواجه معضلة تدفق السلاح لقطاع غزة في ظل تراجع مستوى التعاون الأمني بينها وبين بعض دول المنطقة، وهذا  سيزيد من الحاجة لتكثيف عمل الوحدات الخاصة في قلب الدول التي تتم منها أو عبرها عمليات تهريب السلاح. وإن كان قد بات في حكم المؤكد إن إسرائيل قد عملت مراراً ضد عمليات تهريب السلاح عبر السودان، فإنه يمكن الافتراض أن مهمة إحباط عمليات تهريب السلاح لقطاع غزة ستتسع، مما يعني أن القيادة العسكرية الجديدة سيكون لها الكثير مما تحاول انجازه على هذا الصعيد.

قصارى القول أن استهداف العمق العربي والعمل في قلب الدول العربية، سيكون أحد أهم آليات التحرك الإسرائيلي لاحتواء تداعيات وإسقاطات ثورات التحول الديموقراطي في الوطن العربي.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر