موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الثقافة كمحدد لفهم تحول اليهود للتدين

تتسم الحالة الدينية في إسرائيل بكثير من التعقيد والإلتباس وذلك بسبب الطبيعة الفسيفسائية للمجتمع الإسرائيلي و تعقيد تركيبته الطائفية والعرقية وتأثيرها المباشر على الحالة الدينية، وهو ما جعل أنماط تأثير هذا الواقع على نشوء وتعاظم دور القوى الدينية، والذي زاد الأمور تعقيداً أن بعض القوى الدينية في إسرائيل وبخلاف ما هو عليه الحال في كثير من المجتمعات في العالم تحرص على تمثيل قطاعات سكانية محددة لاعتبارات عرقية ودينية، وهو ما يجعل من الصعب تبني تصور نظري محدد لتفسير تنامي تأثير القوى الدينية في إسرائيل وعلاقتها بالمجتمع، بحيث أن تصور نظري يصلح لتفسير تنامي قوة دينية محددة قد لا يصلح لتفسير تنامي القوى الأخرى، لكن ومع ذلك فإن هناك بعض النظريات التي تصلح لتفسير الإقبال على التدين في المجتمع الإسرائيلي، وهو ما استفادت منه القوى الدينية في مراكمة القوة. ولا يمكن إغفال الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية التي كان لها دور في توفير البيئة المناسبة لتنامي القوى الدينية.

 

دور الثقافة

تعتبر نظرية التواصل الثقافي أحد النظريات التي تصلح لتفسير ارتفاع نسبة المتدينين والتقليديين في المجتمع الإسرائيلي من 30% أواسط الثمانينيات من القرن الماضي إلى 50% مطلع القرن الحالي. وكما يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي سامي ساموحا فإن دور الثقافة في تحول المزيد من العلمانيين للتدين حاسم، حيث أن قطاعات واسعة من اليهود ترى في مظاهر التدين علامة ثقافية قومية مميزة، ويشير ساموحا إلى ولادة ما يصفه بـ " الثقافة الجديدة " التي يعكسها اتساع دائرة ممارسة الطقوس الدينية والتوجه للكنس والتعلق بالتراث الديني. وقد شهد العقدان الأخيران تعزيزاً لنزعة التقرب من الدين بشكل متواصل أو إلى أنماط دينية في التفكير والحياة ودراسة الدين والتراث اليهودي بين الشرائح العلمانية في إسرائيل، ولا يأتي ذلك فقط بهدف التعرف على هذا التراث وإنما من أجل بلورة الهوية الثقافية المميزة في شقيها الشخصي والجماعي، ويتمثل هذا التحول في ظهور العديد من المعاهد والكليات في العقد الأخير والتي تهدف بشكل أساسي إلى إطلاع الشريحة  اليهودية العلمانية للدراسات الدينية وتعليمهم التراث اليهودي حتى بجوانبه الصوفية، وليس دائماً تتم هذه الجهود بواسطة أدوات دينية، بل أحياناً من خلال أدوات علمانية، لكنها تؤدي نفس النتيجة، حيث تنكشف المزيد من القطاعات العلمانية على التراث الديني، وهو ما يوفر البيئة المناسبة لزيادة الدعم الشعبي للقوى الدينية. والذي يدلل على التوظيف الثقافي للدين بالنسبة للعلمانيين في إسرائيل هو توبيخ الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس لمجموعة من الشبان العلمانيين الذين انتهكوا حرمة يوم السبت في مدينة تل أبيب التي تعتبر معقل العلمانيين في إسرائيل، حيث قال " على كل اليهود متدينين وعلمانيين الالتزام بحرمة السبت.

ويرى عالم الاجتماع السياسي الإسرائيلي يوآف بيليد أن نظرية " توزيع العمل الثقافي " تصلح لتفسير ظاهرة إقبال الفئات الهامشية الفقيرة من الأصول الشرقية في المجتمع الإسرائيلي على التدين وتأييد الحركات الدينية ذات النزعة الاجتماعية مثل حركة " شاس ". ويوضح بيليد أن أبناء الطوائف الشرقية من اليهود الذين يشكلون حوالي 45% من مجمل اليهود في إسرائيل احتلوا قاع الهرم الثقافي وتعرضوا لتمييز على أسس عنصرية، وضمن ذلك حاولت القيادة العلمانية الغربية للدولة إرغامهم على التخلي عن المضامين الثقافية التي جاءوا بها من البلدان العربية والإسلامية التي هاجروا منها، ضمن ما كان يعرف بإستراتيجية " بوتقة الانصهار "، والتي هدفت إلى صهر ثقافات اليهود المهاجرين لتنتج ثقافة إسرائيلية واحدة تكون ذات مضامين غربية علمانية صرفة. ويرى بيليد أن العودة للدين وتأييد حركة " شاس " الدينية التي انطلقت لرفع راية الدفاع عن حقوق الفئات الشرقية الفقيرة مثل ردة فعل احتجاجية على ممارسة القيادة العلمانية للدولة. وتتقاطع نظرية " سياسة الهوية " مع نظرية " توزيع العمل الثقافي "، وكما يقول كل من ايرز صفديا وأورن يفتاحيل أن نظرية " سياسة الهوية " تصلح أيضاً لتفسير اقبال الفئات الهامشية الفقيرة وتحديداً ذات الأصول الشرقية على التدين، على اعتبار أن هذه الفئات كانت ترغب في الحصول على اعتراف بهويتها الثقافية المميزة ونيل الشرعية من المجتمع المحيط بهذه الهوية.

 

 

استغلال البنية السياسية

تشكل نظرية استغلال البنية السياسية أحد النظريات التي تفسر سبب تعاظم تأثير القوى الدينية في إسرائيل. فمنذ الاعلان عنها وحتى الآن لم يحدث أن تمكن حزب من تمكن حزب من تحقيق الأغلبية المطلقة في البرلمان الأمر الذي أدى إلى تشكيل حكومات إئتلافية، حيث لعبت فيها الأحزاب الدينية دور لسان الميزان، واستغلت هذا الدور في إملاء سياساتها. ومن خلال حصولها على عدد من الوزارات الخدماتية على وجه الخصوص تمكنت الأحزاب الدينية من تعزيز علاقتها بالجمهور، مما زاد من نفوذها، كما سنوضح لاحقاً.

 

 

فشل استراتيجية " بوتقة الانصهار "

ويرى الباحث أنه لا يمكن تفسير تنامي التوجه نحو التدين وتعاظم دور الأحزاب الدينية بمعزل عن فشل استراتيجية " بوتقة الانصهار "، التي بلورها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دفيد بن غوريون وكانت تهدف الى صهر جميع الثقافات التي جاء بها اليهود الذين هاجروا إلى أرض فلسطين بغية بلورة ثقافة إسرائيلية واحدة تكون ذات صبغة علمانية غربية، وكان من متطلبات هذه الاستراتيجية أن يتخلى اليهود الذين قدموا من البلدان الشرقية عن مضامين ثقافتهم، لكن بن غوريون الذي أراد أن تندمج ثقافات المهاجرين وهوياتهم في بوتقة واحدة، أقدم على خطوة تجعل تحقيق هذا الهدف مستحيلاً عندما خصص للشرقيين تحديداً معازل سكانية في أقاصي شمال وجنوب فلسطين المحتلة أطلق عليها " مدن التطوير "، لكي يقوم بدور فلاحة الأرض وفي نفس الوقت حمايتها من الفدائيين الفلسطينيين الذين كانوا يتسللون للمستوطنات لاستهدافها، فتحولت هذا المعازل إلى بيئة تشهد على فشل الاندماج، وقد زادت التمييز العنصري ضد الشرقيين سيما في العقود الثلاث الأولى من عمر الكيان الصهيوني من شعور هؤلاء بالغربة، فتولدت هناك رغبة لديهم للعودة الى ما يوحدهم، فكانت العودة للدين. ويلخص الباحث اليهودي الشرقي آلية العودة للدين لدى الشرقيين بالقول " لقد أوصدت كل الأبواب أمامهم إلا باب الكنيس ".

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر