موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
التصعيد على غزة ... وثنائية الحكم والمقاومة المستحيلة

قبل ثلاثة شهور، وخلال اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، فجر ممثلو الجيش الإسرائيلي الذين كانوا يقدمون إفادات أمام أعضاء اللجنة حول الأوضاع الأمنية قنبلة من العيار الثقيل، عندما كشفوا النقاب عن أن منفذي عملية " إيلات " التي وقعت في الثامن عشر من آب الماضي جميعاً من المواطنين المصريين، وأنه لا يربط قطاع غزة بهذه العملية أي رابط. هذه المعلومات لم تثر بالتأكيد انطباع أياً من أعضاء اللجنة، وإن لقيت اهتماماً من بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية. لكن أهمية هذه المعلومات تكمن في حقيقة إن إسرائيل بررت في حينه عملية الاغتيال التي استهدفت الشهيد كمال النيرب ( أبو عوض )، الأمين العام السابق للجان المقاومة الشعبية وعدد من قادة اللجان، بالزعم بأنهم كانوا وراء تخطيط وتنفيذ عملية " إيلات "، مع العلم أن عملية الاغتيال تمت في الوقت الذي كانت العملية متواصلة. وهاهو السيناريو يتكرر مرة ثانية، فإسرائيل تزعم أنها أقدمت على اغتيال الشهيد زهير القيسي، أمين عام " لجان المقاومة الشعبية " لأنه كان يعكف على التخطيط لتنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد إسرائيل انطلاقاً من سيناء. بالطبع، فإن الإعلاميين الصهاينة الذين قاموا بتغطية عملية الاغتيال وتداعياتها، وقاموا بتبني الرواية الرسمية للجيش الإسرائيلي، لم يكلفوا أنفسهم عناء الرجوع إلى ما دار في جلسة الخارجية والأمن، والتي تبين عندها بشكل قاطع أن جيش الاحتلال قام بفبركة المسوغات لاغتيال الشهيد " أبو عوض "، وبالتالي فإن الاستنتاج المنطقي هو أن تكون المزاعم الإسرائيلية بأن اغتيال الشهيد القيسي جاء لإحباط عملية ضد إسرائيل انطلاقاً من سيناء، هي محض افتراء.

ضربة استباقية

إن اغتيال الشهيد القيسي وما تبعه من تصعيد أفضى إلى استشهاد ثمانية عشر مقاوماً وجرح العشرات يأتي في إطار الاستراتيجية التي يتبعها الجيش والمخابرات العامة الإسرائيلية " الشاباك " والقائمة على محاولة التخلص من أكبر مما يوصفون بـ " مصادر التهديد " في الساحة الفلسطينية مستقبلاً. فالذي أصدر التعليمات لتنفيذ عملية الاغتيال يعلم قبل غيره أنه لم يكن في غزة من خطط لتنفيذ عملية عسكرية انطلاقاً من سيناء، ولكنه صناع القرار في تل أبيب يرون أن المبادرة للتصعيد في قطاع غزة تسهم في تمكين إسرائيل من القضاء على مركبات المقامة القيادية والبشرية، علاوة على إنها تسمح لإسرائيل بالكشف عما لدى المقاومة من إمكانات عسكرية تفترض أنها ستستخدم في عمليات الرد. أن النظرية التي تعمل على أساسها إسرائيل في قطاع غزة قديمة وليست جديدة، وقد عبر عنها بشكل واضح وصريح وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بنيامين بن إليعازر عندما وبخ في صيف 2001 دورون ألموغ قائد المنطقة الجنوبية، المسؤول عن توجيه عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، حيث قال له أمام وسائل الإعلام: " تصفية الإرهابيين يجب أن يكون المبدأ الثابت في استراتيجة قيادتك ".

تحريض مصر

إن المزاعم الإسرائيلية بشأن نية حركات مقاومة فلسطينية تنفيذ عمليات ضد تل أبيب انطلاقاً من سيناء يهدف بشكل واضح إلى تحقيق هدفين أساسيين:

أولاً: تحريض الحكم في مصر على المقاومة الفلسطينية وإظهارها كمن يستغل الأوضاع الأمنية في مصر وتحديداً في سيناء لتنفيذ عمليات تهدف إلى إحراج مصر.

ثانياً: تقليص حدة ردة الفعل المصرية على التصعيد الإسرائيلي، مع العلم إن إسرائيل لازالت تذكر ردة الفعل المصرية التي جاءت في أعقاب قيامها باغتيال قادة " لجان المقاومة " في أعقاب تنفيذ عملية " إيلات "، حيث تم اقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة.

ظروف التصعيد

تأخذ إسرائيل بعين الاعتبار الظروف المرافقة للتصعيد الذي تخطط له، من هنا، فإنه ليس من فراغ أن تختار إسرائيل الظروف الحالية لتصعيد العمليات العسكرية ضد قطاع غزة. فالظروف الدولية مواتية لذلك، حيث أن الولايات المتحدة تمر في غمرة الاستعداد للانتخابات الرئاسية الأمريكية، وإدارة أوباما معنية بدعم الحكومة الإسرائيلية الحالية بكل ثمن من أجل تعزيز فرص أوباما بالفوز، لذا لم تتردد وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون في الإعلان عن دعمها للعمليات العسكرية التي نفذتها إسرائيل في قطاع غزة. في الوقت نفسه، فإن عدداً من الدول الأوروبية المركزية، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا تستعد لإجراء انتخابات، ومن يقف على رأس هذه الدول هي قيادات يمينية، تبدي بشكل تقليدي دعماً لمواقف وسلوك إسرائيل. كما تلعب الظروف الإقليمية دوراً مهماً في تشجيع إسرائيل على التصعيد، حيث تنشغل الدول العربية بشؤونها الخاصة، في الوقت الذي تمر فيه الدول التي شهدت ثورات تحول ديموقراطي في مرحلة انتقالية تعج بالمشاكل التي تطغى تفاعلاتها على صعيد الصراع مع إسرائيل. ومن نافلة القول أن الأوضاع الفلسطينية تسهم بالتأكيد في تشجيع إسرائيل على التصعيد، فحالة الانقسام، وقدرة تل أبيب على المناورة في الساحة الفلسطينية، كما يعكس ذلك التناقض بين حقيقة إن إسرائيل ترفض الوفاء بأدنى مقومات التسوية السياسية للصراع وتواصل عمليات التهويد والاستيطان وبين مواصلة السلطة الفلسطينية التعاون الأمني معها. في نفس الوقت، فإن حركة حماس آثرت عدم الرد خشية الانجرار لمواجهة غير مخطط لها، وهذا ما أضر كثيراً بمصداقية حركة حماس في الشارع الفلسطيني وأظهرها كحركة تعنى فقط بتواصل الحكم، ومما لا شك أن معا تعانيه حماس حالياً هو نتاج خطأ افتراضها الأساس الذي على أساسه شاركت في الانتخابات التشريعية عام 2006 وشكلت الحكومة لأول مرة، وهو إمكانية الجمع بين الحكم والمقاومة. لقد دللت الأحداث الأخيرة على أن الطرف الذي يمارس الحكم تحت تأثير الاحتلال لا يتمتع بهامش مناورة كبير، سيظل عرضة لهذا النوع من الاختبارات القاسية، مع العلم أن الأختبارات الأصعب أمامنا. أن هذا يحتم على حماس إعادة التفكير بشكل جذري والبحث عن صيغة تخرجها من هذه الدائرة وتضمن في نفس الوقت عدم عودة قطاع غزة إلى الحكم وفق نظرية دايتون.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر