موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
العامل الإثني كمحدد لتحول الإسرائيليين نحو التدين

أن  جميع الحركات الاجتماعية التي انطلقت من أوساط الشرقيين احتجاجاً على الغبن واللامساواة في توزيع الموارد قد فشلت؛ حيث ينظر إلى قادة هذه الحركات في إسرائيل على أنهم "طابور خامس" يريد إلهاء إسرائيل في الوقت الذي تتعرض فيه لمخاطر وجودية.

ولقد كانت المفارقة عندما فسرت الفئات الدنيا انتقاد بعض أوساط اليسار الصهيوني للمشروع الاستيطاني في الأراضي العربية المحتلة على أنه محاولة من قبل النخب العلمانية اليسارية الغربية لوضع الحواجز أمام الفرص التي منحها إياها الاحتلال؛ ومن أجل تعميق واقع اللامساوة على أساس إثني داخل إسرائيل. ويرى عالم الاجتماع الإسرائيلي داني غوينيان أن اليسار الإسرائيلي كان في الواقع راضياً تماماً عن انتقال الفئات الفقيرة للإقامة في مستوطنات الضفة الغربية على اعتبار أن هذا الواقع أسهم في انهيار سياسة الرفاه الاجتماعي التي كانت تنفذ على حساب الطبقة الوسطى التي تمثلها أحزاب اليسار ويسار الوسط.

وبدلاً من أن يتناول الجدل الإسرائيلي الداخلي قضية الاستيطان من زاوية تأثيره على مستقبل التسوية السياسية للصراع، فإنه قد تم ربطه بالاستقطاب الطبقي والإثني، وهذا ما أثر على طابع القضايا المطروحة في الانتخابات، حيث إنها أصبحت قضايا مرتبطة إلى حد كبير بالولاءات الاجتماعية، أي أنها مرتبطة بالشروخ القائمة، مما أدى إلى تعميقها عن طريق توفير أسباب جديدة للأفراد والجماعات لدعم نفس الأحزاب السياسية. فعلى سبيل المثال لم يعد تأييد حركة شاس في أوساط اليهود الشرقيين الذين ينتمي معظمهم للفئات الفقيرة لمجرد أنها تناضل من أجل رفع الغبن الاجتماعي عنهم؛ بل أصبح دعم الكثير من الشرقيين لهذه الحركة - يعود أيضاً - لأنها تدافع عن المشروع الاستيطاني الذي منح الفرصة لقطاعات واسعة من الشرقيين للتخلص من واقع اللامساوة داخل إسرائيل.

ويمكن من خلال ما تقدم تفسير تحول الفئات الدنيا داخل إسرائيل نحو تأييد اليمين الديني وتبنيها المواقف المتشددة من الصراع، حيث إن هذه الفئات وجدت في الاستثمار في المستوطنات استثماراً لصالحها ولصالح مستقبلها.

ومما ساعد على التوجه نحو تأييد الحركات الدينية في أوساط الفقراء والمعوزين هو عدم وجود يسار حقيقي يتبنى القضايا الاجتماعية؛ فبخلاف جميع دول العالم، فإن مصطلحي "اليسار" و "اليمين" في إسرائيل يتعلقان بشكل خاص بالموقف من الصراع مع العرب، ولا علاقة لهما بالقضايا الاجتماعية، على اعتبار أن المخاطر الأمنية التي تتعرض لها إسرائيل قلصت من فرص ظهور حركات احتجاج على خلفية اجتماعية. وكما يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي تسفي سولدفير: "في الحقيقة ليس هناك نقاش في أنه ليس في إسرائيل يسار أو يمين عندما يتعلق الأمر بالقضايا الاجتماعية، مصطلحات "اليسار" و"اليمين" تعني بالنسبة لنا الموقف من الأراضي المحتلة، والمستوطنات، أما إذا تعلق الأمر بالمغزى الاجتماعي، فكلنا يمين اجتماعي". ومن الواضح أن عدم وجود يسار اجتماعي فعال أسهم في تكريس توجه الفقراء والمعدمين للأحزاب الدينية واليمينية، فالأحزاب اليسارية الإسرائيلية لم تقترح على الفئات الفقيرة طريقاً للدفاع عن نفسها في مواجهة استهداف حقوقها. ولقد أسهم كل من  حزب العمل وحركة "ميريتس"، اللذين كانا من المفترض أن يقوما بدور اليسار الاجتماعي، في لعب دور أساسي في عملية الخصخصة، التي ارتبطت بتدهور الأوضاع المعيشية للفئات الفقيرة في إسرائيل. ومما لا شك فيه أن الذي ساعد على غياب أحزاب اليسار الاجتماعي؛ هو الأوضاع الأمنية المضطربة، حيث تم ترسيخ الادعاء بأنه يمكن معالجة الأوضاع الاقتصادية بعد أن تنتهي الحروب

وبشكل عام فقد وفر تواصل الاحتلال للأراضي العربية التي احتلت عام 1967 مصدراً لتعزيز الأوضاع الاقتصادية لقطاعات كبيرة في المجتمع الإسرائيلي. فقد ضمن بقاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وحالة الحرب المتواصلة ازدهار الصناعات العسكرية الإسرائيلية التي تشغل عشرات الآلاف من الفنيين والخبراء والموظفين. وقد أدت متطلبات الأمن الناجمة عن بقاء الاحتلال وحالة الحرب إلى دفع مجمعات الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى التوسع في الإنتاج العسكري والأمني وتطويره كماً ونوعاً؛ مع كل ما يرتبط بذلك من توظيف طاقات بشرية كبيرة، فمئات الآلاف من الإسرائيليين يدينون للاحتلال في حصولهم على عمل في ظروف ممتازة، فحوالي 100 ألف إسرائيلي يعملون في الصناعات العسكرية، ويختار عشرات الآلاف من الإسرائيليين مواصلة الخدمة النظامية في الجيش والأجهزة الاستخبارية والحصول على رواتب مغرية، وحتى عندما يتقاعد هؤلاء فإن نوافذ الفرص تفتح أمامهم، حيث يتنافس القطاع الخاص على استقطابهم. من هنا فإن التوصل لتسوية سياسية للصراع سيؤثر تأثيراً سلبياً على الواقع المهني لهؤلاء وأسرهم.

لقد عمقت الأزمة الاقتصادية النزعة الإثنية وكرست تشكل القطاعات الإثنية، فالشرقيون أيدوا بشكل خاص حزب الليكود وحركة شاس على اعتبار أنهما يمثلان مصالحهم، في حين أيد المهاجرون اليهود الروس الأحزاب التي تمثلهم. وقد تميز كل قطاع إثني بخصائص ديموغرافية وأيدلوجية. وقد تعزز هذا الواقع بتولد التضامن داخل كل قطاع وتعززت شبكة العلاقات الاجتماعية داخله. فعلى سبيل المثال اندمج "النضال" من أجل المساواة في النضال من أجل الهوية، وهذا أدى إلى بلورة موقف موحد داخل كل قطاع إثني من الهوية  القومية والدينية، وأنتج موقفاً موحداً من القضايا المصيرية.

أن الخصخصة قد أدت إلى تعلق الفقراء والمحتاجين بالخدمات التي تقدمها الأحزاب الدينية؛ فلهذه الأحزاب مؤسسات اجتماعية تقدم الدعم للفقراء، علاوة على أن لديها أجهزة تعليم خاص تقوم على تقديم تسهيلات كبيرة للمنتمين للطبقات للفقيرة. وقد أسهم ازدياد معدلات الفقر الذي نجم عن الأزمة الاقتصادية في دفع قطاعات من الإسرائيليين نحو التدين الأمر الذي أدى إلى تدعيم القاعدة الشعبية للحركات الدينية؛ فانهيار سياسة الرفاه الاجتماعي وتخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه الطبقات الفقيرة التي لم تتجه للإقامة في المستوطنات، جعلها تتجه نحو التدين؛ وقد شغلت الحركات الدينية الفراغ الذي تركته الدولة مما عزز من قاعدتها الشعبية.

أن أحد العوامل المهمة التي ساعدت على ثبات هذا الميل لدى قطاعات متزايدة من الإسرائيليين هو تحسن الظروف الأمنية في الضفة الغربية بسبب التعاون الأمني غير المسبوق بين أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية وأجهزة الأمن الإسرائيلية؛ وهو ما بات يقر به حتى أكثر فئات المستوطنين تطرفاً. وقد فاجأ وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك المشاركين في مؤتمر "مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات"، أهم مراكز البحث في إسرائيل لدى التئامه في شباط 2009، عندما قال أن قادة المستوطنين باتوا يقرون بدور أجهزة السلطة الفلسطينية في تحسين البيئة الأمنية في المستوطنات ومحيطها. لقد بات من الواضح أن بقاء الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية على حالها ومواصلة السلطة تعاونها الأمني مع إسرائيل لن يقنع فقط اليهود الذين انتقلوا للعيش في المستوطنات بأن قرارهم كان صائباً؛ بل إنه سيقنع المزيد من القطاعات السكانية في إسرائيل بالانتقال للعيش هناك للاستفادة من ظروف الحياة الجيدة.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر