موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
العامل الاقتصادي كمحفز للإسرائيليين على التدين

شهدت إسرائيل منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي تحولات عدة أسهمت في تعاظم دور التيار الديني الصهيوني وأمدته بأدوات لزيادة تأثيره على دائرة صنع القرار السياسي في إسرائيل. ولقد كانت بعض هذه التحولات نتاج مبادرات أقدم عليها هذا التيار، مثل اختراق الأحزاب العلمانية والمؤسسة الأمنية، وفي حالات أخرى سعى هذا التيار إلى استغلال تحولات لم يكن له دور في ظهورها لصالحه؛ فقد وظف هذا التيار بعض المخاطر التي تعرضت لها إسرائيل، لتكون عوامل لرفده بالقوة، مثل الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها إسرائيل مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، واستغلاله مظاهر التحولات الثقافية التي جلبتها العولمة لكي يضفي شرعية على تحركاته لمراكمة القوة والنفوذ. وفي هذا المبحث سيحاول الباحث رصد مجمل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والسياسية التي أسهمت في تعاظم دور هذا التيار.

لقد كانت إسرائيل عرضة لكثير من التحولات الاقتصادية والديموغرافية والثقافية التي كان لها دور واضح وجلي في تعاظم قوة التيار الديني الصهيوني.

لقد تعرضت إسرائيل في الفترة الممتدة بين عامي 1979 و1985 إلى أزمة اقتصادية خانقة أجبرت الحكومة الإسرائيلية على تبني سياسة الخصخصة، والتي تمثلت بشكل أساسي في بيع المنشآت والمرافق الاقتصادية في القطاع العام للقطاع الخاص، الذي لم يتوان عن الاستغناء عن خدمات عشرات الآلاف من العمال مما فاقم من قسوة الأوضاع الاقتصادية؛ وفي الوقت نفسه اعتمدت الحكومة سياسة اقتصادية تقشفية، تمثلت في تقليص الدعم المالي للفئات الفقيرة وعلى رأسها مخصصات الضمان الاجتماعي التي تتضمن: مخصصات الأولاد والبطالة والشيخوخة، وقلصت الدولة  من إسهامها في دعم التأمين الصحي، وتراجع إسهامها في تخصيص المنح التعليمية للطلاب من الطبقات الفقيرة في المجتمع. لكن في الوقت الذي كان يتوجب على الإسرائيليين الذين يعيشون داخل إسرائيل شد الحزام والتكيف مع سياسة التقشف فإن الحكومات الإسرائيلية وتحديداً الحكومات التي شكلها حزب الليكود اليميني، ومن منطلقات أيدلوجية صرفة، عملت على منح المستوطنات اليهودية المقامة في الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 المزيد من المزايا الاقتصادية، تمثلت في: مخصصات مالية إضافية وتسهيلات في مجال الضرائب والتعليم والسكن،  مما أدى إلى تحول هذه المستوطنات إلى بيئة جاذبة لكثير من القطاعات من الإسرائيليين الذين وجدوا فيها حلاً للكثير من مشاكلهم. وفي الوقت الذي كان فيه متوسط سعر الشقة السكنية في مدينة تل أبيب، وسط إسرائيل، يصل إلى نصف مليون دولار، كان متوسط سعر الشقة في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لا يتجاوز سبعين ألف دولار، يتم دفعها على شكل أقساط طويلة؛ إلى جانب إعفاء المستوطنين من دفع أية مستحقات مالية مقابل الأرض التي تقام عليها منازلهم؛ إلى جانب الاستثمار في مجال البنية التحتية، وهو ما أوجد فائضاً في فرص العمل في المستوطنات. وهكذا تحولت المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة إلى منطقة لجذب أبناء الطبقات الفقيرة والمعدمة في المجتمع الإسرائيلي، وتحولت هذه المستوطنات إلى جهاز لتعويض الشرائح الفقيرة عن الضرر الذي لحق بها بسبب الأزمة المالية وسياسات التقشف والخصخصة التي اتبعتها حكومات الليكود. لقد أصبح الاستيطان في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 يمثل الخلاص من الفقر ويعتبر البوابة للانضمام للنخبة الجديدة التي تبلورت في المجتمع الاستيطاني. ولقد فتحت المستوطنات أمام الشرائح الدنيا الفرص للحراك الاجتماعي والاقتصادي؛ وهذا أدى عملياً إلى إلغاء الخط الحدودي الفاصل بين الضفة الغربية التي تحتضن معظم المستوطنات اليهودية، التي أقيمت بعد حرب عام 1967، وإسرائيل. من هنا نجد أن أكثر الفئات السكانية التي تركت إسرائيل وانتقلت للعيش في المستوطنات هي تلك التي كانت تقطن فيما يعرف بـ "مدن التطوير"، المقامة في الأطراف الشمالية والجنوبية من إسرائيل، حيث أن هذه المدن، هي الأكثر فقراً في إسرائيل، ومعظم سكانها من الشرقيين.

أن الدوافع التي أدت إلى انتقال أبناء الفئات الدنيا للاقامة في المستوطنات اقتصادية محضة، لكنها أدت إلى انقلاب في توجهاتهم الأيدلوجية والسياسية، حيث ارتبط التحول الإيجابي في حياة هؤلاء وأسرهم بالانتقال للاستيطان في مستوطنات الضفة الغربية، وأدى ذلك إلى ثلاثة تحولات بارزة:

أولاً: تعاظم الرفض الجماهيري للتسوية السياسية للصراع، على اعتبار أنها ستكون مرتبطة بتفكيك المستوطنات أو بعضها، أي أن التسوية السياسية للصراع ستؤدي حتماً إلى انهيار منظومة المزايا الاقتصادية التي تمتع بها المستوطنون الذين كانوا جزءاً من الشرائح الفقيرة في المجتمع الإسرائيلي.

ثانياً: تحول جميع الذين انتقلوا للإقامة في المستوطنات لتأييد الأحزاب والحركات الدينية واليمينية التي ترفض بطبيعة الحال من حيث المبدأ فكرة الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 1967 على اعتبار أنها "أراضٍ محررة" وأنها تمثل "أرض الأجداد"، وتسعى في الوقت نفسه إلى توفير كل الظروف التي تسمح بتعاظم المشروع الاستيطاني وجعله مصدر جذب لمزيد من الإسرائيليين؛ لذا فإن تدهور الأوضاع الاقتصادية أدى إلى تعاظم قوة الأحزاب الدينية.

ثالثاً: أقنعت الأزمة الاقتصادية جماهير الأحزاب الدينية الحريدية التي لم تظهر حماساً كبيراً للانتقال للعيش في المستوطنات بعد حرب عام 1967 ليس فقط للإقبال على الإقامة في هذه المستوطنات، بل وإنشاء مستوطنات خاصة بها. لقد منحت المستوطنات المقامة في الضفة الغربية أتباع التيار الحريدي بيئة مناسبة تلائم توجهاتهم الانعزالية في ظل أدنى مستويات الاحتكاك مع المجتمع العلماني. من هنا فليس من المستغرب أن تكون ثلاث من أصل ست مستوطنات يهودية تحولت إلى مدن في الضفة الغربية هي مستوطنات يقطنها المتدينون الحريديم، وهي: عموانئيل،  كريات سيفر، وبيتار عليت. وتدل معطيات وزارة الإسكان الإسرائيلية على أن معظم اليهود الذين يتجهون للإقامة في مستوطنات الضفة الغربية هم من المتدينين الحريديم. وقد أدى هذا الواقع إلى كسر احتكار المتدينين القوميين لواء الاستيطان في الضفة الغربية؛ حيث أصبحت الأحزاب الحريدية الشرقية والغربية صاحبة مصلحة في الدفاع عن بقاء المستوطنات.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر