موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ماكينزمات ومظاهر تأثير انتفاضة الأقصى على الواقع الديموغرافي في الدولة العبرية

( دراسة صادرة عن مركز باحث في بيروت )

أقامت الحركة الصهيونية دولة " اسرائيل " ، لتكون " وطناً " لليهود ، أينما كانوا ، و حيثما حلوا . ومن أجل تحقيق هذا الهدف ومواصلة الاحتفاظ بفلسطين تحت الاحتلال ، اعتقد الصهاينة أنه من الأهمية بمكان أن يتم انتزاع الفلسطينيين من أرضهم وإحلال اليهود محلهم . لكن من أجل  انتزاع الفلسطينيين من أرضهم ، كان لا بد من جلب اكبر عدد ممكن من اليهود لأرض فلسطين. فالمخزون البشري اليهودي هو الضمانة الأهم لمواصلة الاستيطان والتوسع . الى جانب ذلك فأن المحافظة على اغلبية ديموغرافية يهودية كاسحة يعتبر أهم ركيزة في النظرية الامنية الاسرائيلية (1) ، على اعتبار أن آلة الحرب والقتل الاسرائيلية تعتمد - الى جانب توظيف التقنيات المتقدمة - على العنصر البشري الذي توفره الهجرة اليهودية أو التكاثر الطبيعي لليهود في ارض فلسطين . الواقع الديموغرافي – بالنسبة لدوائر صنع القرار في الدولة العبرية – أهم معايير للحكم على  نجاح او فشل الحركة الصهيونية في تحقيق أهدافها . من هنا نجد تشديد دوائر البحث  الاسرائيلية الهامة على متابعة الواقع الديموغرافي في الدولة العبرية والاراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 67 ، كمؤشر على منعة الدولة وممانعة مجتمعها في مواجهة الاخطار والتهديدات التي تحيق بمشروعها ومشروعيتها . وقد ورد في" تقرير ميزان المناعة القومية " ، الصادر عن مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات  " الاتجاهات الديمغرافية في داخل اسرائيل ومحيطها، واسقاطاتها من ناحية طابعها وهويتها كدولة يهودية تابعة للشعب اليهودي، تضع إسرائيل أمام تهديد كبير. التهديد الديمغرافي لاستمرار وجود دولة إسرائيل هو الأكثر قربًا ومعقولية، وتيرة تطور التهديد- متسارعة، وتيرة السياسة القومية حيال التهديد – زاحفة " (2). من هنا فإن أي عامل يؤثر على الواقع الديموغرافي في الدولة العبرية ، لصالح الفلسطينيين، يعتبر تهديد وجودي للدولة العبرية . قد يكون ما تقدم جزءاً من التعبير عن هواجس مبعثها خوف غير محدق وبعيد ، في الماضي ، ولكن ما يحدث الآن ، لا يمكن تصنيفه ضمن الهواجس  ، فحسب معطيات مركز الاحصاء المركزي الاسرائيلي ، فقد فقد اليهود الان أغلبيتهم الديموغرافية ( 3)

ونحن هنا بصدد التدليل على أن انتفاضة الأقصى التي فجرها الشعب الفلسطيني ثورة على واقع الاحتلال ، تمثل أحد أهم العوامل التي أثرت وتؤثر على الواقع الديموغرافي في الدولة العبرية لجهة تقليص الفجوة بين عدد اليهود والفلسطينيين لصالح اصحاب الارض الفلسطينييين . وسنتعرض في هذه الدراسة الى ماكينزمات تأثير الانتفاضة على الواقع الديموغرافي ، فضلا عن مظاهر ومعالم هذا التأثير ، الى جانب تقدير الاسرائيليين للخطر الديموغرافي الناجم عن اندلاع الانتفاضة ، فضلا عن اليات العمل المقترحة اسرائيليا لمواجهة هذا الخطر

الواقع الديموغرافي لليهود في " إسرائيل " والعالم

 بمناسبة حلول الذكرى السادسة والخمسين لإغتصاب فلسطين، أو ما تطلق عليه إسرائيل " يوم الاستقلال "، أصدر مركز الإحصاء المركزي الإسرائيلي معطيات حول الواقع الديموغرافي في إسرائيل تبين منه أن عدد السكان في الدولة العبرية يبلغ ستة ملايين وسبعمائة وثمانين الف نسمة، يشكل اليهود ما نسبته واحد وثمانين بالمائة، مع العلم أنه عند الأعلان عن الدولة العبرية في العام 1948 كان عدد اليهود 806 ألف نسمة فقط.(4) تسعة عشر بالمائة من السكان هم من الفلسطينيين. تعتبر منطقة القدس المحتلة أكثر المدن تعداداً للسكان، حيث يبلغ عدد السكان فيها 692000 نسمة، من بينهم مائتي ألف نسمة من الفلسطينيين، لكن هذه المنطقة تشمل بالاضافة الى المدينة المحتلة المستوطنات اليهودية التي تصطف في الحزام الذي يحيط بالمدينة. وتليها مدينة تل أبيت التي يبلغ عدد سكانها 364300 نسمة، وتحتل مدينة حيفا المرتبة الثالثة، حيث يبلغ عدد سكانها 270500 نسمة. هناك اربعة عشر مدينة يهودية يتجاوز عدد سكانها مائف الف نسمة، وتقع معظمها في محيط مدينة تل ابيب. لكن وتيرة الزيادة الطبيعية لدى المسلمين في اسرائيل هي ضعفها لدى السكان اليهود، وذلك حسب معطيات مكتب الاحصاء المركزي عشية عيد الاضحى المبارك الاخير عن السكان المسلمين في اسرائيل.والمعطيات التي تتضمن المسلمين في شرقي القدس ايضا تفيد بانه في بداية العام 2003 يعيش في اسرائيل اكثر من مليون مسلم. نحو 40 في المائة من المسلمين (نحو 400 الف نسمة) يسكنون في مدن وقرى مختلفة في منطقة الشمال، وعلى رأسها مدينة الناصرة التي تضم اكثر من 40 الف من السكان المسلمين. وتعتبر القدس هي المدينة ذات التركيز السكاني الاسلامي الاكبر في اسرائيل، حيث يعيش اكثر من 200 ألف مسلم، يشكلون نحو 30 في المائة من سكان المدينة ونحو 20 في المائة من اجمالي السكان المسلمين في الدولة. عدد السكان المسلمين في اسرائيل في بداية العام 2003 هو مليون و 37 الف نسمة، وهم يشكلون 15 في المائة من اجمالي السكان في البلاد. وحسب التوقعات فأن عدد المسلمين سيرتفع الى 1.677 مليون نسمة، بحيث يشكلون 19 في المائة من اجمالي السكان في اسرائيل عند نهاية العام 2020. في بداية العام 2003 يشكل السكان المسلمون نحو 82 في المائة من اجمالي الفلسطينيين في اسرائيل. وحسب التوقعات فان نصيب السكان المسلمين في اجمالي السكان العرب في اسرائيل سيرتفع الى 85 في المائة في العام 2020.

ووتيرة النمو السنوية المتوسطة للسكان المسلمين في اسرائيل في السنوات الاخيرة تبلغ3.6 بالمائة  هي ضعفها لدى السكان اليهود التي تبلغ 1.8 في المائة. وتعتبر هذه الوتيرة العالية هي بين الاعلى في العالم (!)، بل واعلى منها لدى السكان في البلدان العربية المجاورة. في سياق العام 2002 ولد في اسرائيل اكثر من 35 الف وليد لامهات مسلمات، اكثر من ربع - 26 في المائة - من اجمالي المواليد في هذا العام في الدولة العبرية. والسكان المسلمون في اسرائيل هم شباب: "42 في المائة منهم اطفال حتى سن 15، بالقياس الى 26 في المائة في وسط السكان اليهود. وبالمقابل فان نسبة ابناء 65 سنة فما فوق لا يصل الى 3 في المائة من مجموع السكان المسلمين في اسرائيل، بالقياس الى 12 في المائة لدى السكان اليهود. السكان المسلمون في اسرائيل يعيشون في نحو 173 الف منزل، يشكلون نحو 9 في المائة من اجمالي المنازل في اسرائيل. فمتوسط عدد النفوس في المنزل لدى السكان المسلمين يصل الى 5.4 بالقياس الى 3.1 نسمة في المنازل اليهودية.(5)

أما عن الواقع الديموغرافي لليهود في العالم فهو أكثر سوءاً مما يحاول اليهود أحياناً الإقرار به. فقد جاء في تقرير جديد، هو الاول من نوعه، حول "حال الشعب اليهودي في العام 2004". وقد اعد هذا التقرير "المعهد لتخطيط سياسات الشعب اليهودي" ، وهو هيئة انشأتها الوكالة اليهودية. وهذا التقرير هو ملخص للتقرير الكامل الذي يحوي 600 صفحة وسيتم نشره في العام المقبل. ويتضمن التقرير معطيات حول عدد من القضايا المتعلقة باليهود في العالم، خصوصا انتشارهم من الناحية الجغرافية، تكاثر اليهود بنسب ضئيلة ومدى انصهارهم في المجتمعات التي يسكنون بينها. واشار "المعهد" في التقرير الى انه يتوجب "اعتبار اليهود في اسرائيل وفي العالم على انهم جسم واحد، خلافا للفصل بين يهود اسرائيل ويهود العالم القائم حتى الان".

يقول التقرير ان 92% من اليهود في العالم يسكنون في 20% من دول العالم، التي تعتبر اغنى الدول والاكثر تطورا. وبحسب التقرير، فقد ساهم في هذه التوزيعة السكانية خروج اليهود من الدول العربية في سنوات الخمسين من القرن الماضي والهجرة الكبرى من رابطة الدول (التي كانت تشكل في الماضي الاتحاد السوفييتي) الى اسرائيل في سنوات التسعين. ولذلك فان جودة الحياة المرتفعة التي يعيشها اليهود في العالم ناتجة عن سكنهم في الدول الغنية. لكن التقرير يشير الى نسبة التكاثر السكاني الضئيل للغاية لدى اليهود. وجاء انه فيما ازداد عدد سكان العالم، خصوصا في الدول الفقيرة، بنسبة 70% بين السنوات 1970- 2003، ازداد عدد اليهود خلال هذه السنوات بنسبة 2%.. كما يشير التقرير الى معطيات حول الزواج المختلط لليهود في دول العالم. وافادت المعطيات أن اعلى نسبة للزاج المختلط لليهود هي في روسيا واكراينا حيث بلغت 80%. وفي المانيا وهنغاريا 60%، الولايات المتحدة 54%، فرنسا وبريطانيا والارجنتين 45%، كندا 35%، استراليا 22%، جنوب افريقيا 20% والمكسيك 10%. (6)

" أ " أهمية ودور العامل الديمغرافي بالنسبة للفلسطينيين في ظل عدم تكافؤ الإمكانيات في الصراع العسكري والأمني والاقتصادي مع اسرائيل.

في أي صراع تعلب مكامن القوة والضعف لدى كل من طرفي الصراع دوراً هاماً في تعزيز أو أضعاف مكان كل منهما. بحسابات بسيطة يبدو واضحاً أن موازين القوى العسكرية والإقتصادية تميل بشكل جارف لصالح الدولة العبرية، التي بواسطة إمكانياتها غير المحدودة في هذه الجوانب. وقد هدفت الدولة العبرية في حربها ضد الشعب الفلسطيني الأعزل الى تحقيق هدفين أساسين انتزاع الأرض الفلسطينية واستجلاب أكبر عدد من اليهود اليها من ناحية، ومن ناحية ثانية تقليص الوجود الديموغرافي الفلسطيني الى أقصى حد ممكن. عملت العصابات الصهيونية قبل الإعلان عن الدولة على تشريد الفلسطينيين من أرضهم عن طريق المجازر التي ارتكبتها في ربوع فلسطين، وبهذه الطريقة نجحت العصابات الصهيونية في تشريد مئات الالاف من الفلسطينيين من ديارهم الى الشتات، واستمرت الدولة العبرية تواصل نفس الأسلوب حتى أواخر السبعينيات بهذه الطريقة أو تلك. لكن  الحكومات الإسرائيلية باتت تدرك بعد ذلك أن ما كان مسموح به، لم يعد مسموحاً به الآن، ليس فقط بسبب التحولات في العالم، بل وبشكل أساسي بسبب الممانعة القوية التي يبديها الشعب الفلسطيني معلناً تمسكه بترابه الوطني. من هنا فقد يئست دوائر صنع القرار في الدولة العبرية من إمكانية تقليص الثقل الديموغرافي للفلسطينيين، فركزت على محاولة دفع مزيد من اليهود للاستيطان تحديداً في الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 67. لكن هامش المناورة المتوفر لدى الدولة العبرية لتحقيق هذا الهدف قد تقلصت الى أبعد حد بفعل المقاومة الفلسطنيية. وتدل المعطيات الرسمية الاسرائيلية على أن اندلاع انتفاضة الاقصى وعمليات المقاومة الفلسطينية التي تتخللها قد أدت الى تآكل المسوغات التي جعلت المستوطنات اليهودية في ارجاء الضفة الغربية وقطاع غزة ، بيئة مغرية  للاستقرار بالنسبة لكثير من اليهود .وقد وجد هذا التأثير ترجمته في مظهرين هامين ، الاول " تقليص عدد اليهود الذين يتجهون للاستقرار في هذه المستوطنات ، المظهر الثاني : نزوح الكثير من المستوطنين عن هذه المستوطنات. في كل ما يتعلق بالمستوطنات التي تعرض سكانها بشكل مباشر لعمليات المقاومة فقد كانت حركة النزوح عنها اكبر بشكل واضح ، فمثلا مستوطنة " عموانئيل " ، الواقعة شمال نابلس و التي تعرضت لعمليتين استشهاديتين نفذتهما " كتائب عز الدين القسام " ، الجناح العسكري لحركة " حماس " ، فقد هجرها 60% من سكانها (  7) ٍ. ويشير البرفسور حانوخ بيرمان ، المختص بدراسة اتجاهات المستوطنين ان الانتفاضة والعمليات الفدائية الفلسطينية قد اثرت بشكل كبير على ذلك القطاع من المستوطنين الذي قدم للاستقرار في الضفة الغربية وقطاع غزة لأسباب اقتصادية وللبحث عن ظروف حياة أسهل ، مع العلم أن نسبة هذا القطاع تبلغ أكبر من 60% من المستوطنين . ويؤكد بيرمان انه بالنسبة لهذا القطاع من المستوطنين فانه في حال توفر جهة حكومية اسرائيلية تبدي استعدادها لتعويضهم عن المنازل التي بنوها وتضمن لهم توفير فرص عمل في مكان آخر ، فان أياً من هؤلاء لن يبقى في المستوطنات ، حيث يصرح هؤلاء أنهم لم يقدموا لدوافع ايدولوجية ، وبالتالي فانهم لا يجدون ان هناك أي مبرر يدفعهم للتضحية بالبقاء في هذه المستوطنات (8) .

لكن هنا على الباحثين توخي الحذر في التعاطي مع المعطيات التي تقدمها المؤسسات الرسمية الاسرائيلية بشأن مظاهر تأثير الانتفاضة على الاستيطان  . فمثلا يتعمد مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة دوماً الادعاء بأن الانتفاضة لم تؤدي إلا لزيادة عدد المستوطنين ، ويمارس مجلس المستوطنات اليهودية ضغوطاً كبيرة على العديد من مؤسسات الدولة ووزاراتها لكي توائم معطياتها بشان الاستيطان مع هذا التوجه . وقد فضح هذا التوجه الصحافي الاسرائيلي   امنون ابراموفيتش ، عندما دلل على تواطؤ مؤسسات الدولة ذات العلاقة مع المستوطنين في تضليل الرأي العام بشان أعداد المستوطنين (9). من ناحية ثانية فقد ساهمت الانتفاضة في تشجيع الهجرة الداخلية في الدولة العبرية نفسها.فعلى الرغم من منطقة  " تل ابيب " وما يحيط بها من مدن شكلت مازالت تشكل نقطة جذب لمعظم الاسرائيليين كونها تضم البنية التحتية الصناعية والتجارية في الدولة العبرية ، فضلا عن انتشار مرافق اللهو والترفيه فيها ، لكن ومع ذلك فقد ادت الانتفاضة الى انتقال عدد من اليهود القاطنين في هذه المنطقة الى اطراف الدولة العبرية خلال العامين الماضيين  . فمن المعروف ان منطقة تل ابيب والمنطقة المجاورة لها والتي يطلق عليها منطقة " المركز " قد شهدت العدد الاكبر من العمليات الاستشهادية في انتفاضة الاقصى .وهناك علاقة وثيقة بين هذه الظاهرة والعمليات الاستشهادية . و وهناك اساس للافتراض يؤكد ان معظم الذين تركوا المنطقة اقدموا على ذلك بسبب الخوف من امكانية تعرضهم للاذى في عمليات استشهادية.

 

دوافع اليهود للهجرة للدولة العبرية وتأثير الانتفاضة عليها

علينا أن نشير هنا الى تفاوت الدوافع وراء هجرة يهود العالم الى فلسطين المحتلة منذ الإعلان عن الدولة في العام 1948 وحتى الآن. فقبل الإعلان عن الدولة وبعد ذلك كان للأحداث في اوروبا دوراً مركزياً في دفع يهود العالم للهجرة الى الدولة العبرية على اعتبار أنها تمثل البيت " الآمن لليهود " في جميع ارجاء العالم، وأن مثل هذه الدولة توفر حلاً يمنع حدوث ما حدث لليهود في اوروبا في تلك الحقبة، وكان هذا أهم الأسباب وراء الحماس الشديد الذي أبداه اليهود للهجرة الى فلسطين. لكن حالياً تعتبر الأوضاع الإقتصادية أهم الدوافع وراء الهجرة للدولة العبرية. فعلى سبيل المثال لا الحصر الطفرة في عدد اليهود الذين هاجروا من الارجنتين الى إسرائيل في العام 2003 كان بسبب انهيار الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير في ذلك البلد. وهذا ما جعل سالي مريدور رئيس الوكالة اليهودية التي تعنى بتهجير اليهود الى إسرائيل الى اصدار اوامره بتنظيم حملات دعائية للتركيز على ازدهار الأوضاع الإقتصادية في الدولة العبرية(10 ). لكن اليهود الذين هاجروا الى إسرائيل، وبفعل المقاومة الفلسطينية  فوجئوا بمشكلتين أساسيتين، الأولى: تدهور مستوى الامن الشخصي، حيث أدت الانتفاضة وبالذات العمليات الاستشهادية التي اصبحت الدولة العبرية مسرحا لها على مر ايام الانتفاضة ، الى تدهور مستويات الشعور بالامن الشخصي لدى قطاعات كبيرة من الجمهور الاسرائيلي ، سيما قطاع المهاجرين الجدد، الذين لا يبدون استعداداً لتحمل مخاطر البقاء في الدولة. ومن ناحية ثانية فقد وجهت الإنتفاضة عدة ضربات موجهة للإقتصاد الاسرائيلي، بشكل جعل الكثير من رهانات المهاجرين الجدد تتبخر، سيما وأن الدوافع الايدلوجية للبقاء في الدولة وتحمل المصاعب التي ينطوي عليها العيش هنا قد تقلصت بشكل كبير (11) فقد تقلصت العوائد المالية من المرافق الإقتصادية في الدولة سيما السياحة والتصدير، الى جانب تقلص الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير، وما نجم عنه من تعاظم مستويات البطالة، أي بكلمات أخرى فأن الانتفاضة ساهمت إلى حد كبير في تهاوي بشكل ملحوظ في تهاوي الرهان على العوائد الإقتصادية للهجرة.

 

ماكينزمات تأثير الانتفاضة على الواقع الديموغرافي في اسرائيل

اولا : الانتفاضة تزلزل دولة " الرفاه " 

منذ ان خططت الحركة الصهيونية لاقامة دولة يهودية على ارض فلسطين ، ادركت انه مع توالي الايام والسنين ، فإن حماس اليهود للانتقال من البلدان التي ولدوا وترعرعوا فيها الى الدولة العبرية سيفتر ، وسيضعف ، حيث سيضع اليهود في حساباتهم اوضاعهم الاقتصادية والمعيشية ليكون ذلك اهم معيار يدفع هذا اليهودي او ذاك للهجرة الى اسرائيل ، سيما بعدما اصبحت بوابات العالم مفتوحة امام المهاجر اليهودي . من هنا عملت دوائر صنع القرار في الحركة الصهيونية وبعد ذلك في الدولة العبرية على ترغيب اليهود بكثير من المغريات الاقتصادية لتجعلهم يقتنعون بالهجرة لتلك الدولة ، عندما يعقدون مقارنة بين ظروف العيش في اسرائيل واي دولة اخرى بامكانهم ان يهاجروا اليها . من هنا اصبحت اسرائيل دولة " رفاه اجتماعي " من الطراز الاول . لذا وجهت الدولة العبرية الكثير من مصادرها لتمويل الكثير من المخصصات الاجتماعية التي تضمن عيش اليهود في الدولة في بحبوحة من العيش . سلة المخصصات الاجتماعية التي تدفعها الدولة للفرد في اسرائيل كبيرة ومتعددة ومكلفة جدا ، فهناك مخصصات الضمان الاجتماعي ، التي تشمل : مخصصات مالية لاول طفل تولده ، وهناك مخصصات للطفل الثاني ، وهناك مخصصات للاسرى كثيرة الاولاد ، ومخصصات كبيرة نسبيا للعاطلين عن العمل ، اذ يحصل كل عاطل عن العمل على الف وتسعمائة شيكل ( اربعمائة وعشرين دولار امريكي ) ، شهريا ، ذكورا ونساءا ، مع ان هذه المبلغ لا يحصل عليه مدراء عامون في بعض الدول العربية المحيطة بالدولة العبرية ، وفضلا عن ذلك فان مخصصات التقاعد في الدولة سخية بشكل خاص ، ناهنك عن المخصصات الخاصة  التي يحصل عليها ذوي الحاجات الخاصة والفقراء  ، الى غير ذلك من المخصصات الاجتماعية . وحتى نعرف حجم الانفاق الحكومي على مخصصات الضمان الاجتماعي ، فانه من الاهمية ان نذكر ان موازنة الضمان الاجتماعي التي تشرف عليها وزارة الرفاه الاجتماعي تعد اكبر من موازنة الامن ، ففي حين ان موازنة الامل للعام 2003 ، ثلاثين مليار شيكل ( 7.3 مليار دولار امريكي )  فان موازنة الضمان الاجتماعي تبلغ 45 مليار شيكل ( عشرة مليارات دولار ) (12) . لكن بعد في موازنة العام 2004 ، فان الدولة ونظرا لمتطلبات مواجهة انتفاضة الاقصى ، امنيا ، فقد قامت بتقليص بموازنة الضمان الاجتماعي وعملت على تقليص المخصصات التي تقدمها ل " مواطني " الدولة ، الامر الذي ادى الى تضرر الطبقات الضعيفة ، التي تشكل معظم السكان في ما يعرف ب " مدن التطوير " ،الواقعة في اطراف الدولة الشمالية والجنوبية ، والتي معظم سكانها من الطبقات الفقيرة الذين ينتمون الى اصول شرقية او انهم مهاجرون جدد من روسيا . وتتضمن مخططات وزارة المالية الاسرائيلية تقليص موازنة الرفاه الاجتماعي بخمسة مليارات ، على ان يكون هذا التقليص مرشح للتعاظم ( 13). هذه المعطيات ، كما سنرى لاحقا بمزيد من التفصيل قد ادت الى تقليص عدد المهاجرين اليهود الذين تصلهم اخبار الاوضاع الاقتصادية في الدولة ، كما انها دفعت الكثير من المنتمين الى الطبقات المتوسطة  تحديدا للهجرة العكسية ( 14) ، وما يقال عن تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي التي تلعب دور " اللاصق " لمئات الالاف من اليهود الذين يهاجرون للدولة العبرية ، يمكن ان يقال بالنسبة لتدهور الاوضاع الاقتصادية . فالانتفاضة ادت الى تدهور المرافق الاقتصادية ، فمثلا منذ اندلاع الانتفاضة حدث انخفاض بنسبة 60% على مداخيل قطاع السياحة في الدولة (15) ، وكذلك تم اغلاق ثمانين بالمائة من مصانع النسيج في الدولة ، اذ ان هذه المصانع كانت تسوق منتوجاتها بشكل اساسي في الاراضي الفلسطينية ، فضلا عن  الحاق الكثير من الضرر بقطاع التقنيات المتقدمة " hightecknology " ، الذي يعتبر احد مصادر الدخل الهامة لخزانة الدولة ولفرص العمل . وكانت النتيجة ان الانتفاضة فاقمت الاوضاع الاقتصادية ، فازدادت معدلات البطالة لتصل الى اكثر من 11% ، مع العلم ان هذا الرقم يعتبر قياسيا بالنسبة لدولة مثل اسرائيل ، تعتبر ان اهم التزاماتها تجاه " مواطنيها " ، توفير فرص العمل لهم ، وكانت النتيجة ، ان انضم عشرات الالاف من الاسرائيليين الى جيش العاطلين عن العمل ، هذه الامر دفع الكثيرين من الشباب الاسرائيلي للبحث عن فرص عمل في الخارج .

 

ثانياً تدهور مستويات الشعور بالامن الشخصي

لم تفشل فقط الرهانات على العوائد الاقتصادية للهجرة لاسرائيل التي كانت من أهم الأسباب التي تدفع اليهود للهجرة، سيما في البلدان التي تعيش ضائقة اقتصادية للهجرة للدولة العبرية، إلا نجاح المقاومة الفلسطينية في جعل فلسطين المحتلة في العام 48 ساحة لعملياتها، زلزل مستوى الأمن الشخصي لدى سكان الدولة، وبالتالي لدى المهاجرين الجدد، الذين فوجئوا بالواقع الجديد. فمن ناحية أوضاعهم الاقتصادية تفاقمت سوءاً ، ومن ناحية أخرى لم يعد هؤلاء المهاجرين يشعرون بالحد الأدنى بالأمن الشخصي. تفاقم الأوضاع الاقتصادية تجعل حساسية المهاجرين الجدد تحديداً للمشاكل الأمنية أكثر حدة، على اعتبار أن ليس لديهم ما يمكن التضحية من أجله. حقيقة استيعاب المهاجرين الجدد في مرافق الخدمة العامة يجعلهم أكثر من غيرهم عرضة للسقوط في عمليات المقاومة الفلسطينية، وهذا سبب آخر يدفعهم لإعادة التفكير في البقاء في الدولة العبرية.

 

ثالثاً الانتفاضة تؤدي الى انخفاض معدلات الهجرة

وجدت الانتفاضة تأثيرها بشكل واضح على حركة الهجرة اليهودية لاسرائيل .  ففي العام 2002 طرأ انخفاض بنسبة 23% على عدد المهاجرين اليهود الذين وصلوا للدولة العبرية من ارجاء العالم  ( 16 ) . ويؤكد سالي مريدور رئيس الوكالة اليهودية ( المؤسسة الصهيونية التي تعنى بتهجير اليهود من ارجاء العالم للدولة العبرية ) ان اليهود الذين ينتشرون في ارجاء العالم عندما يشاهدون عبر شاشات التلفزة  اشلاء سكان المدن الاسرائيلية وهي تتطاير في اعقاب تنفيذ عمليات التفجير التي يقوم بها الفلسطينيون فانهم سيفكرون الف مرة قبل التوجه لاسرائيل . ويؤكد مريدور انه لولا حدوث اضطرابات في بعض الدول التي يعيش فيها اليهود ، كما حدث في الارجنتين لكانت نسبة انخفاض الهجرة اليهودية لاسرائيل اكبر مما عليه الان (176) . وهنا يجدر التنبيه الى نقطة هامة وهي انه يتوجب النظر بالشك الى معطيات الدوائر الرسمية الاسرائيلية في كل ما يتعلق بمعدلات الهجرة . وقد اكد الصحافي رونين بريغمان ان هناك دلائل تؤكد ان الانخفاض في عدد اليهود الذين هاجروا للدولة العبرية خلال العام 2002 هو اكبر من الاعداد التي تفصح عنها الوكالة اليهودية(18) . وقد انخفضت نسبة الهجرة اليهودية على الرغم من ان  الوكالة اليهودية بالتعاون مع وزارة الاستيعاب الاسرائيلية قامت خلال عام 2002 بحملات " توعية " في جميع الدول الذي تتواجد فيها اقليات يهودية من اجل اقناعها انه من الاجدر باليهود العيش في اسرائيل وان الانتفاضة لا تؤثر بشكل فعلي على مجريات الحياة في الدولة  . انتفاضة الاقصى كان لها تأثيران سلبيان على حركة الهجرة اليهودية لاسرائيل . الاول : الخوف من العمليات الاستشهادية التي تنفذها الحركات الفلسطينية . الثاني : بسبب التدهور الاقتصادي الناجم عن الانتفاضة ، فلم تعد اسرائيل مغرية لكثير من قطاعات اليهود في ارجاء العالم. وحسب تقرير نشرته صحيفة " معاريف " فان  معدلات " الهجرة الروسية " الى اسرائيل قد تقلصت بفعل الانتفاضة  في الاعوام الخمسة الاخيرة بمقدار 75% ولم تزد عن 213 الف مهاجر على النحو التالي ، مع ملاحظة ان ان الانخفاض في عدد اليهود الذين يهاجرون لاسرائيل يتناسب طرديا مع عمر انتفاضة الاقصى  :

عام 1999 هاجر 67 الف


عام2000 : 52 الف


عام 2001 : 35.3 الف


عام 2002 : 18.5 الف

عام2003 : 12.5 الف (19)

 

 

رابعاً  الهجرة العكسية

يتضح ايضا ان الانتفاضة لم تؤثر سلبا فقط على حركة الهجرة اليهودية الى اسرائيل بل انها شجعت وبشكل كبير الهجرة العكسية من اسرائيل الى العالم الخارجي ، وهذا يتضح بشكل واضح حتى من المعطيات الاسرائيلية الرسمية نفسها . فمثلا يستدل من تقرير صحفي نشرته صحيفة " معاريف " ان 650 الف اسرائيلي لا يعيشون حاليا في اسرائيل (20) . ويصف الكاتب والصحافي الاسرائيلي دان مرغليت على هذه المعطيات بانها " كارثة قومية " (21) . وحسب تقرير اسرائيلي رسمي تبين ان ما يقرب من خمسين الف من المهاجرين الروس لم يتمكنوا بسبب الاوضاع الامنية والاقتصادية التي ادت اليها انتفاضة الاقصى  ،  من مواصلة الحياة في اسرائيل وعادوا ادراجهم الى بلادهم الاصلية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق .ويشير التقرير الى ان نسبة الراغبين بالعودة الى وطنهم الاصلي من بين المهاجرين الروس في تزايد ملحوظ بسب " خيبة الامل" من الاوضاع الاقتصادية والامنية المتردية في اسرائيل ، مقابل " الانتعاش الاقتصادي " و " الاستقرار الاجتماعي " اللذين تشهدهما روسيا البوتينية (22) . ويتضح ايضا انه مقابل كل مهاجرين يهوديين وصلا اسرائيل في العام 2002 ، غادر يهودي اخر اسرائيل للخارج  ، في حين ان تقديرات الجهات الرسمية ذات العلاقة بالهجرة تؤكد ان نسبة المهاجرين من اسرائيل ستصل الى خمسين بالمائة من المهاجرين لها  (23)  .

خامساً هجرة العقول ورؤوس المال

 انتفاضة الاقصى لم تجبر فقط  المهاجرين الجدد على مغادرة الدولة العبرية ، بل انها دفعت اثنتين من اهم الفئات في المجتمع الاسرائيلي للهجرة : اولا : قطاع المستثمرين ورؤوس الاموال . وحسب معطيات جمعية الصناعيين في اسرائيل فقد غادر اسرائيل في كل من العام 2001 والعام 2002 اكثر من 850 مستثمر اسرائيلي يملكون رأس مال يفوق العشرين مليار دولار  ( 24) . وهنا يتوجب الاشارة الى ما اصبح معروفا للجميع وهي قيام شركة بناء كندية عملاقة ببناء عشرات الفيلل لرجال الاعمال الاسرائليين في كندا بناء على طلبهم وذلك تمهيدا لانتقالهم للعيش هناك بشكل دائم ، ونظرا للاقبال على عروض الشركة الكندية فقد قامت الشركة بنشر اعلانات في الصحف وقنوات التلفزة الاسرائيلية .  ثانيا : اصحاب المؤهلات العلمية والاكاديمية الذين تعذر استيعابهم في المرافق الاقتصادية بسبب التدهور الاقتصادي الذي ادت اليه الانتفاضة ، فغادروا اسرائيل وبشكل خاص الى الولايات المتحدة واوروبا . ويتبين انه وفق استطلاع فان كل اسرائيلي خامس مستعد لمغادرة الدولة لو ضمن حياة معقولة في دولة اخرى( 54) . للافت للنظر ان الانتفاضة دفعت الاسرائيليين الى الحرص على توفير كل الامكانيات التي تمكن اطفالهم من الهرب من الدولة في حال حدث تطور امني ما . وقد تبين حسب دراسة اسرائيلية حديثة ان اغلبية الاسرائيليين يخططون لتمكين اولادهم من الفرار من الدولة الى بلدان اخرى وقت الحاجة ، ذلك عبر الحصول على جوازات سفر اجنبية  . فقد قال 68 في المائة من الاسرائيليين انهم يريدون جواز سفر أجنبي لاطفالهم ( 26) . اللافت للنظر ان تقلص معدلات الهجرة للدولة ، فضلا عن تعاظم معدلات الهجرة العكسية منها ، قد جعلا معظم سكان  الدولة العبرية من النساء والشيوخ ( 27) . الكاتب والمفكر الاسرائيلي يهودا الليطاني حذر من ان الخطر الديموغرافي المتفاقم اثر تواصل الانتفاضة ،  قد يؤدي الى الحاق مخاطر استراتيجية جمة بالدولة ، وبالذات عندما يهجرها الشباب ويضيف " ظاهرة هجرة أفضل الشبان الاسرائيليين الى امريكا هربا من شر الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني ستكون من نصيبنا إذا لم يتوقف هذا الصراع. وهم سيصوتون بأقدامهم ويتركوننا مع الآهات " (28) . امام المفكر الاسرائيلي يواف كيرن ، فقد عبر عن وجوب الندم عن احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة لما ادى ذلك من تهاوي الواقع الديموغرافي لغير صالح الدولة العبرية ،  فقال " حين يكون عدد من يغادرون البلاد اكثر من عدد المهاجرين اليها،  ويتحقق حق العودة الفلسطينية دون فصل، فان الاراضي (الفلسطينية) وسيلة لتصفية الدولة اليهودية، والسياسيون ساكتون " (29)

 

خامساً الانتفاضة تكرس تشبث الفلسطينيين بأرضهم

بخلاف تأثيرها على  الإسرائيليين، فقد أدت الانتفاضة الى تشبث الفلسطينيين بأرضهم. انخراط الشباب الفلسطيني في اعمال المقاومة صرف معظمهم عن التفكير بالسفر أو بالاغتراب من أجل التعليم في الخارج أو للبحث عن مصادر الرزق.

ومن المفارقة أن سياسة العقوبات الجماعية التي تتبعها سلطات الاحتلال قد ساهمت في تقليص عدد الفلسطينيين الذين يغادرون الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كبير. فمن المعروف أن سلطات الإحتلال لجأت الى المنع من السفر كعقوبة للفلسطينيين على قيامهم بأعمال المقاومة أو حتى لقربهم من رجالات المقاومة. اغلاق المعابر الحدودية بين الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة وبين الاردن ومصر من جهة أخرى كان له دوراً كبيرا في تقليص الرغبة لدى الفلسطينيين للتوجه للخارج. من ناحية ثانية فقد ادت الظروف التي سادت في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتفجيرات في الولايات المتحدة الى جعل الكثير من الدول في الغرب ترفض منح الشباب الفلسطيني تأشيرات دخول أراضيها، ناهيك عن القيود القديمة التي تفرضها الدول العربية على دخول الفلسطينيين، سيما من قطاع غزة اليها.

 

 

حلول اسرائيلية مقترحة للتغلب على الخطر الديموغرافي

احد اهم الرهانات الصهيونية على اقامة مئات المستوطنات في في ارجاء الضفة الغربية وقطاع غزة هو العمل على مواجهة الخطر الديموغرافي الفلسطيني ، حيث ان ارباب المشروع الاستيطاني ظلوا يعتقدون ان اقامة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وما تبتلعه من اراضي فلسطينية ، وما تستحوذ عليه من مصادر مياه ، وما سينجم عنه من تقلص الزاعة الفلسطينية وما يترتب عليها من انهيارات صناعات محلية ، تعتاش عليها عشرات الالاف من الاسر الفلسطينية ، سيضعف الى حد كبير مقومات بقاء الفلسطيني على ارضه ، فتتصاعد معدلات الهجرة الفلسطينية الى مواقع الشتات . لكن هذا الرهان لم يفشل فقط ، بل العكس تماما ما قد حدث . فقد ادت الانتفاضة الاولى وانتفاضة الاقصى الى اضعاف توجهات اليهود للاستيطان في الاراضي الفلسطينية ، بالطبع نقصد هنا اليهود الذين قدموا للاستيطان لدوافع اقتصادية . من هنا يصل الكاتب عكيفا الدار ، ومعه كثيرون الى استنتاج مفاده ان المستوطنات فشلت في درء المخاطر الديموغرافية للوجود الفلسطيني (30)  . هذا كان جزءا من الجدل الذي سيطر على الساحة الاسرائيلية بخصوص الواقع الديموغرافي ، في اعقاب نشر المعطيات المفاجئة التي اكدت ان  غير اليهود  اصبحوا فعلا اكثرية في المنطقة الممتدة بين نهر الاردن وحوض الابيض المتوسط . بالطبع كل من علق على هذه المعطيات لم يفوته ان يربط بين هذه المعطيات وتأثير الانتفاضة على مراكمتها . من هنا فأن انتفاضة الاقصى والواقع الديموغرافي الذي ساهمت في بلورته على النحو الذي سبقنا الاشارة  اليه ، اثر بشكل كبير على الطروحات الفكرية للاحزاب الاسرائيلية واسهم في احداث انقلابات فكرية ، تعتبر غير مسبوقة ، بالذات لدى اجزاء كبيرة من اليمين الاسرائيلي  . فقد اقنع الواقع الديموغرافي المتأثر بالانتفاضة الفلسطينية الكثير من قادة ومنظري وساسة اليمين الاسرائيلي ، وبالذات اليمين العلماني ، انه يتوجب احداث تغيير في  بعض المنطلقات الايدلوجية من اجل الحفاظ على الدولة العبرية ولدرء الاخطار عنها . اللافت للنظر ان هناك بعض من يوصفون ب " صقور اليمين " ، اخذوا يقرون انه لا يمكن مطلقا الاحتفاظ بالطرح الايدلوجي المتعلق باحتلال الاراضي الفلسطينية جراء الواقع الديموغرافي الذي تلعب الانتفاضة دورا هاما في دفعه في غير صالح اليهود . فهاهو يوفال شطاينتس ، رئيس لجنة الخارجية والامن ، والذي يوصف على نطاق واسع بانه " اكثر صقور الليكود تطرفا " ، يقول " المجنون فقط يظن انه بالامكان الاحتفاظ بجميع الاراضي التي احتلت في العام 1967 حتى ما لا نهاية ، واضح تماما ان الاحتفاظ بهذه الاراضي قد ترافق مع مخاطر جدية على الدولة العبرية ، عندما تبين ان الاحتلال ترافق مع تحقيق الفلسطينيين لتفوق ديموغرافي قاتل ، انني ارى انه يتوجب التنازل عن بعض الاراضي من اجل الزج بنسبة كبيرة من الفلسطينيين بعيدا عن مسؤولية الدولة العبرية " (31) . اما وزير القضاء الاسرائيلي طومي لبيد ، فقد اعتبر ان الحل الوحيد امام اسرائيل من المعضلة الديموغرافية والانتفاضة هو " التنازل " عن قطاع غزة واكبر مساحة ممكنة في الضفة الغربية ، " والا انه لن يتأخر اليوم الذي يعتبر فيه العالم دولة اسرائيل دولة تطبق نظام الفصل العنصري (32)

وقد تجلى تأثير الانتفاضة على بلورة الحلول المقترحة للواقع الديموغرافي على النحو الاتي :

 

اولا : الحلول احادية الجانب :  هناك علاقة وثيقة بين الطفرة في الحلول احادية الجانب التي زخرت بها الساحة الاسرائيلية مؤخرا وبين الواقع الديموغرافي والانتفاضة . فخطة تفكيك المستوطنات السبع والسبعين التي اعلن عنها القائم باعمال رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ، الى جانب خطة اخلاء مستوطنات قطاع غزة التي اعلن عنها رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون ، فضلا عن اقتراح اليمين المتطرف بالعودة الى " الخيار الاردني "  ، كلها وليدة الادارك المتراكم بوجوب وضع حل للواقع الديموغرافي الناجم عن تصاعد الانتفاضة . فلدى تقديمه لخطته المقترحة ، قال اولمرت ان القنبلة الديموغرافية ستنفجر في وجه الدولة العبرية ، وانه يتوجب القيام بخطوات احادية الجانب من اجل تقليص الاضرار الناجمة عن انفجار هذه القنبلة (33) . واضاف اولمرت ان استمرار الانتفاضة سيعمل على تعميق المعضلة الديموغرافية للدولة ، على اعتبار ان استمرار الانتفاضة سيكون مرتبط بمواصلة تدهور مستويات الامن الشخصي للاسرائيليين ، الى جانب تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، بما يضمن مواصلة نزوح مزيد من اليهود عن الدولة في صورة تعكس حالة انهيار اهم دعائم البقاء للدولة  العبرية . والتاييد الكبير لخطة شارون لاخلاء مستوطنات قطاع غزة يندرج في نفس التصور الاسرائيليي لحل الازمة الديموغرافية وتحديات انتفاضة الاقصى ، كما يقول رئيس مركز الابحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية سابقا الجنرال عاموس جلبوع . فجلبوع يعتبر ان خطة فك الارتباط تعتبر فرصة تاريخية للتخلص من الاعباء الناجمة عن الديموغرافيا وعن الانتفاضة (34).

 

ثانيا : تشجيع العمال الاجانب على التهود واضفاء مرونة على معايير استقبال المهاجرين

الازمة الديموغرافية الناجمة بشكل اساسي عن الانتفاضة ، دفعت الكثيرين في اسرائيل الى طرح ما يوصف ب " حلول ابداعية " للتغلب على المشكلة الديموغرافية . ويتمثل بعض هذه الحلول في تشجيع العمال الاجانب على التهود ، فضلا عن منح هؤلاء العمال " المواطنة الاسرائيلية " ، الى جانب تقديم تسهيلات على استيعاب المهاجرين ، حتى من غير اليهود ، في حال ابدوا استعدادا للتهود بعد ان يتم نقلهم للدولة  . وقد وردت هذه الدعوات في المؤتمر الصهيوني الاسرائيلي الذي انعقد في تل ابيب (35) . مع العلم ان مثل هذه الدعوات ، كانت تعتبر خيانة للفكر الصهيوني ، قبل عدة سنوات .لكن الواقع الديموغرافي لم يدع مجالا امام الذين يعنيهم الخروج من هذا الواقع ، الا طرح مثل هذه الافكار "  الابداعية " ، للاحتفاظ بالطابع اليهودي للدولة ، الذي يعتبر تفوق اليهود ديموغرافيا ، هو  اهم مركباته الاساسية .

 

حل " إبداعي "

وهناك ما تطلق عليه الدوائر الصهيونية " الحلول الإبداعية "، للتعامل مع الخطر الديموغرافي، وأحد أهم هذه الحلول أوصى به طاقم من الباحثين منبثق عن " المعهد لتخطيط سياسات الشعب اليهودي"، الذي يرأسه المبعوث الامريكي الأسبق دينيس روس. ويرأس الطاقم البروفيسور سيرجيو دي لا فيرغولا، وهو خبير في الدموغرافية اليهودية واستاذ في الجامعة العبرية في القدس.. ويرى دي لا فيرغولا انه "على ضوء الاعتراف بعلاقة كافة اليهود في العالم بالصراع الاسرائيلي-الفلسطيني فانه يتوجب اشراك ممثلي كافة جاليات الشعب اليهودي (في العالم) في حسم قضية الصراع، بالرغم من ان اتخاذ القرارات الفعلية هو حق حكري لاسرائيل". ومن ضمن ذلك مشاركة اليهود في مختلف أنحاء العالم بالتصويت للإنتخابات في إسرائيل، وذلك للقضاء على أي ثقل انتخابي للفلسطينيين داخل حدود فلسطين 48.(36). الى جانب ذلك فقد اوصى دي لا فيرغولا باشراك ممثلي اليهود في العالم ليس فيما يتعلق بالصراع فحسب، بل يتوجب ان تأخذ كافة قرارات حكومة اسرائيل بالحسبان انعكاساتها على اليهود في العالم. "ويتضمن ذلك قرارات الحكومة الاسرائيلية المتعلقة بالقضايا الهامة مثل الخطر الديموغرافي و القضايا الامنية الآنية، مثل عملية اغتيال الشيخ (احمد) ياسين. ولا يعني الاكتراث باليهود في العالم الغاء احتياجات اسرائيل ولكن الاخذ بالحسبان على الاقل انعكاسات ذلك على اليهود في العالم وان يتم اتخاذ الحيطة" بما يتلاءم مع السياسة التي تقررها الحكومة الاسرائيلية.واشار الصحفي يئير شيلغ، الذي كتب حول الموضوع في صحيفة "هآرتس"، الى ان التقرير سيثير جدلا كبيرا. اذ "انه مجرد اعتبار دولة اسرائيل ويهود العالم كيانا واحدا لن يفرح مواطني اسرائيل العرب واليساريين اليهود غير الصهيونيين". ويوصي التقرير ايضا "بتعزيز الطابع اليهودي لاسرائيل بواسطة منح الاولوية للهوية اليهودية في جهاز التعليم والاعتراف بمكانة الحركات اليهودية غير الارثوكسية، تقديم الدعم المالي لجهاز التعليم اليهودي في انحاء العالم، انشاء اكاديمية يهودية لاعداد قيادة مستقبلية لترأس الجاليات اليهودية في العالم، بلورة سياسة يهودية عامة تجاه العالم عامة والاسلام خاصة، انتهاج سياسة فعالة لتشجيع تهويد ابناء العائلة غير اليهود في العالم وفي اسرائيل". وهناك توصية اخرى: "زيادة المشاركة اليهودية العالمية في قضايا حقوق الانسان تحت اسم "تصحيح العالم" لكن ذلك يتم ايضا لاعتبارات سياسية، أهمها. (

 

ثالثا : انتعاش فكرة الترانسفير

على الرغم من التأييد الواسع والمفاجئ احيانا في اوساط اليمين الاسرائيلي لفكرة الحلول احادية الجانب ، وما يترافق معها من استعداد للانسحاب من بعض الاراضي الفلسطينية المحتلة ، الا ان الواقع الديموغرافي والانتفاضة ساهما الى حد ما في تصاعد الدعوات لطرد الفلسطينيين . وان كانت فكرة " الترانسفير ، في الماضي ، مقتصرة على حركة " موليدت " ، التي يتزعمها ، وزير السياحة الاسرائيلي الحاخام بني ايلون ، فان الدعوات لتطبيق هذه الفكرة اصبحت تتردد على السنة مزيد من الساسة والمفكرين المحسوبين ليس فقط على اليمين ، وبل على الوسط . وقد كانت اكثر الدعوات للترانسفير ،اثارة للاستغراب ، تلك الصادرة بن بني موريس ، احد اهم المؤرخين الجدد ، الذين يوصفون على نطاق واسع بانهم الذين كشفوا الوجه السئ للصهيونية . فقد قال موريس " أنا لا اؤيد إبعاد الفلسطينيين والتطهير العرقي، ولكن هذه مسألة محتملة اذا ما واصل العرب عداءهم للدولة اليهودية وهددوا وجودها. والفلسطينيون هم الذين يتحملون مسؤولية الجدار " (37).

 

خلاصة :

على الرغم من توسع الصهاينة في البحث عن حلول لمواجهة الخطر الديموغرافي الفلسطيني، إلا ان ذلك لا يعني أن مثل هذه الحلول يمكن تطبيقها، وحتى وإن تم تطبيق بعضها فأن قدرة هذه الحلول على الحد من  تعاظم الثقل الديموغرافي للفلسطينيين تبقى محدودة جداً، فالحديث هنا يدور حرب ارادات، سيما وأن الحركات الارهابية الصهيونية والدولة العبرية ذاتها استخدمت أكثر هذه الحلول تطرفاً كعمليات الطرد القسري، مع العلم أنه يتوجب الإشارة الى أن الظروف السائدة حالياً تختلف تماماً عما كانت عليه الأمور عند الإعلان عن " إسرائيل "، فما كان مسموحاً به في ذلك الوقت ليس مسموحاً به حالياً. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فأن هناك ماكينزمات قصور ذاتي لدى الدولة العبرية تجعل قدرتها على تطبيق هذه الحلول محدودة. فيكفي هنا الاشارة الى تجربة القاسية للمهاجرين الروس والاثيوبيين، التي زادت في أوساطهم معدلات الانتحار بسبب الضوائق الإقتصادية وعدم القدرة على التأقلم في الحياة الجديدة في الدولة العبرية. لكن يبقى أهم وصفة لمواجهة المخططات الصهيونية هو مواصلة المقاومة الفلسطينية، فهذه المقاومة هي التي قضت على الكثير من الأساطير التي حاولت  الدولة العبرية ترويجها، وفرضها كأمر واقع. فعلى الرغم من البون الشاسع في موازين القوى بين الشعب الفلسطيني ودولة الإحتلال فأن الشعب الفلسطيني بمقاومته استطاع إلغاء التفوق الصهيوني في مجال الإمكانيات. فتقلص عدد اليهود الذين يهاجرون الى إسرائيل، وتعاظم الهجرة العسكية من إسرائيل للخارج تسنيا فقط بعد أن اشتعلت المقاومة الفلسطينية ضد المحتل الغاصب. من هنا فأن الذي يقف سداً منيعاً أمام المخططات الصهيونية هي المقاومة الفلسطينية الباسلة. بكل تاكيد فأن على الشعب الفلسطيني أن يكون مستعداً لمواجهة المخططات الصهيونية كما لو كانت حدثاً مؤكداً. لكن وإن كان الشعب الفلسطيني قد دلل على قدرة كبيرة على التمسك بأرضه والتشبث به رغم كل ما يحاك ضده من مؤامرات، إلا أن هذا لا يعفي الدول العربية والأمة الأسلامية من المسؤولية عن رفد كل عوامل صمود الشعب الفلسطيني على أرضه سواء على جميع الصعد: العسكرية والاقتصادية والسياسية.

قصارى القول ان احدا يتابع تأثيرات الانتفاضة على الواقع الاسرائيلي ، لا يمكنه الا ان يكتشف سريعا ، التأثير الهائل للانتفاضة على  الواقع الديموغرافي في داخل الدولة العبرية لصالح الشعب الفلسطيني . وان كان اليهود من سكان الدولة العبرية قد تضرروا من عمليات المقاومة الفلسطينية ، بحجم اقل بكثير من تضرر ابناء الشعب الفلسطيني من عمليات القمع الممنهج الذي تقوم به سلطات  الاحتلال ضد ابناء الشعب الفلسطيني ، فان هذا يدل على الفرق الهائل بين اصحاب الحق الذين يؤمنون بحقهم في هذه الارض ومن اجل التشبث بها ، و يبدون استعدادا لانهائيا لتحمل الاذى ، وبين المغتصبين الذين تحتاج حكوماتهم الى الخروج عن طورها من اجل اغرائهم للبقاء فيها . هذا ان دل عن شئ فانه يدل على مساهمة الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية في تقريب الشعب الفلسطيني من تحقيق هدفه المتمثل في تحرير ارضه من المحتل الصهيوني الغاصب.

مراجع الدراسة

 

( 1) تصريحات ، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الجنرال اهارون زئيفي فركش ، للقناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي بتاريخ 15-1-2002

(2) " تقرير ميزان المناعة القومية " ، الصادر عن مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات في اذار ، 2001

(3) يديعوت احرنوت " ، 2-1-2004

(4) http://www.cbs.gov.il/hodaot2004/01_04_94.htm

(5) يديعوت احرنوت، 12-2-2003

(6) موقع " عرب 48" على شبكة الانترنت( http://www.arabs48.com/) بتاريخ 26-6-2004

(7)صحيفة ياتيد نئمان 26 –11-2002

 (8) فصلية نتيف ، العدد العاشر ، 2002

(9) القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي ، 12-11-2002

(10) صحيفة " جلوبس "، 5-2-2004

(11)ورد على لسان الجنرال اوري ساغيه ، رئبس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الاسبق في مقابلة مع التلفزيون الاسرائيلية بتاريخ 10-10-2003

 

 

(12) الاذاعة الاسرائيلية بتاريخ 23-11-2003

(13) يديعوت احرنوت ، 5-11-2003

(14) تقرير صادر عن وزارة الاستيعاب الاسرائيلية بتاريخ 23-12-2003

(15) صحيفة جلوبس ، 3-11-2003

 (16) معاريف ، 13-1-2003

(17) شبكة الاذاعة العامة 14-1-2003

(18) " القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي 13-1-2003

 (19) معاريف 9-1-2004

(20) معاريف 22-7-2003

(21) المصدر السابق

(22) معاريف 9-1-2004

(23) معاريف 13-1-2003

(24) النشرة الدورية الخاصة باتحاد الصناعيين في اسرائيل ، 18-1-2003

(25) يديعوت 11-11-2003:

(26) يديعوت احرنوت ، 20-11-2003

(27) هآرتس –24-9-2003

(28) القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي ، 25-12-2003

(29) الاذاعة الاسرائيلية العامة ، 15-2-2003

 (30) القناة  الثانية في التلفزيون الاسرائيلي ، 24-1-2004

(31) مقابلة مع شبكة الاذاعة الاسرائيلية العامة ، بتاريخ 23-12-2003

(32) حديث مع القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي  بتاريخ 29-11-2003

(33) يديعوت احرنوت 11-11-2003

(34) معاريف ، 16-2-2004

(35) هارتس 24-6-2004

 (36) يديعوت احرنوت ، 11-11-2003

(37) هارتس ، 22-1-2004

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر