موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
جريمة رفح....أصابع إسرائيل وتوظيفها

صدم الهجوم الذي استهدف مساء الأحد الماضي الجنود المصريين المتمركزين في محيط مدينة رفح، الرأي العام العربي بوحشيته وبربريته وانتفاء مسوغاته الدينية والأخلاقية ومبرراته المنطقية. وفي الوقت ذاته أثار الكثير من الأسئلة حول الدوافع الحقيقية للجهة التي نفذته، ومآرب الأطراف التي سارعت لتوظيفه لصالحها.  ومما لا شك فيه أن كل المؤشرات تؤكد أن الكيان الصهيوني هو أكثر الأطراف استفادة من هذه الجريمة، حيث بدا وكأنه كان ينتظر هذا الحدث المؤلم ليحاول تحقيق أهدافاً استراتيجية وضعها على رأس أولوياته. ونحن هنا سنحاول الإجابة على الأسئلة التالية: ما هي مؤشرات التورط الإسرائيلي في الجريمة، وما السمات العامة التي تجعل الجماعات التي تنتمي إليها المجموعة التي نفذت الهجوم ذات قابلية للاختراق والتوجيه من قبل الأجهزة الاستخبارية، وكيف وظفت إسرائيل الحادث؟.

رابط المقال: http://www.aljazeera.net/analysis/pages/a1ade715-ac8d-48b8-ae7a-766d06cb9bc0?GoogleStatID=1

مؤشرات التورط

إن هناك الكثير من المؤشرات الظاهرة التي تؤكد إن إسرائيل كانت على علم مسبق بما جرى في رفح بشكل دقيق، وأن الأمر لم يكن مجرد توفر معلومات عامة مسبقة غير محددة لديها عن الجريمة وتفاصيلها، كما زعم المتحدثون باسم الحكومة الإسرائيلية. فقد أصدرت ما يعرف بـ " هيئة مكافحة الإرهاب " التابعة لديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحذيرات عاجلة بمغادرة السياح الإسرائيليين سيناء قبل ثلاثة أيام من الهجوم، بحجة أن هناك معلومات مؤكدة حول نية " إرهابيين " ضرب أهداف إسرائيلية في سيناء. وقام الجيش الإسرائيلي بإصدار تعليمات مشددة لسكان مستوطنة " كيرم شالوم "، المتاخمة لمعبر " كرم أبو سالم " بالتزام الملاجئ قبل تنفيذ العملية، علاوة على أن طائرات الاستطلاع بدون طيار لم تغادر قبل ساعات من العملية أجواء مثلث الحدود بين غزة ومصر والكيان الصهيوني. إلى جانب ذلك، فإن السلوك الإسرائيلي بعد تنفيذ الجريمة بدا وكأنه يسير وفق خطة محكمة، حيث شنت إسرائيل حملة إعلامية مركزة، تبادل فيها كبار الوزراء والقادة العسكريين الأدوار من أجل استنفاذ أكبر قدر من المكاسب الاستراتيجية والسياسية من هذه الجريمة.

 

 

مجموعات قابلة للاختراق

إن مؤشرات التورط الإسرائيلي فيما حدث في رفح مرتبط بشكل أساسي بالسمات العامة لما يعرف بـ " المجموعات الجهادية "، التي ادعت إحداها المسؤولية عن تنفيذ الهجوم. فهذه المجموعات التي انتشرت مؤخراً في المنطقة، وتحديداً في سيناء، تجعلها أكثر قابلية للاختراق والتوجيه المباشر وغير المباشر من قبل الأجهزة الاستخبارية ( ليس بالضرورة الإسرائيلية فقط ). فهذه التنظيمات ذات أُطر تنظيمية فضفاضة، ولا تملك نسقاً قيادياً ناظماً يوجهها، لديه قدرة على فرض رقابة حقيقية وفعالة على المنتسبين لها. وقد أسهم ذلك في تفريخ وتوالد الكثير من هذه المجموعات، دون أن يكون من اليسير التحقق من مدى تطابق أهدافها المعلنة وأهدافها الحقيقية. فيكفي أن يتم الإعلان عبر الانترنت عن ولادة إحدى هذه المجموعات، بعد أن تنسب لنفسها عمل ما، ثم تختفي حتى بدون أن يكون الأمر مقترن بإجراء أمني اتخذ ضدها، وكأن المطلوب منها فقط القيام بهذا العمل والتلاشي بعد ذلك. ومما ضاعف من سهولة اختراق هذه المجموعات حقيقة أن منتسبيها عادة من ذوي التحصيل العلمي المتواضع، والذين لم يسبق لهم خوض غمار تجارب العمل المقاوم، مما أفقدهم في كثير من الأحيان الحس الأمني، الذي يدفع دائماً إلى إبداء الحذر وطرح الأسئلة الصحيحة وعدم منح الثقة بسهولة. وتدل التجربة التاريخية على أن المخابرات الإسرائيلية حاولت اختراق هذه المجموعات، حيث أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت اتخذت قراراً في مايو 2006 باعتبار ما أسمته في حينه " تنظميات الجهاد العالمي "، أحد مصادر التهديد الاستراتيجي على إسرائيل، وكلفت جهاز الموساد بمواجهة هذه التنظيمات وتركيز العمل ضدها. ومن نافلة القول أن أحد متطلبات مواجهة هذه التنظيمات التي حرص الموساد على الوفاء بها، هو محاولة اختراق هذه التنظيمات ليس فقط لإحباط ما تخطط له من عمليات، بل وتوجيهها للقيام بهذا الفعل أو ذلك. والحقيقة أن هناك تجارب تؤكد سهولة اختراق هذه التنظيمات. ففي العام 2002 عرض الأمن الفلسطيني شهادة فتى فلسطيني لا يتجاوز عمره السابعة عشر، حيث كان هذا الفتى يعتقد أنه يعمل ضمن مجموعة " جهادية "، وتبين له فيما بعد أن الشخص الذي اتصل به وقدم نفسه على أن أحد قيادات العمل " الجهادي " في الخارج، لم يكن سوى ضابط مخابرات إسرائيلية.

التوظيف الإسرائيلي

حرصت إسرائيل على الإسراع لتوظيف جريمة رفح لتحقيق أهدافاً استراتيجية، تندرج ضمن مساعي الكيان الصهيوني للتعويض عما فقده من أوراق في أعقاب تفجر ثورات التحول الديموقراطي في العالم العربي، وعلى وجه الخصوص في أعقاب ثورة 25 يناير في مصر. وقد بدت مظاهر التوظيف الإسرائيلي للجريمة على النحو التالي:

أولاً: محاولة ضرب العلاقة بين مصر وقطاع غزة، والتي انتقلت إلى عهد جديد في أعقاب الثورة المصرية وانتخاب الرئيس محمد مرسي، وذلك عبر الزعم أن جهات في غزة على علاقة بجريمة رفح؛ مع العلم أن كلاً من روني دانئيل، معلق الشؤون العسكرية في قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية وألون بن دافيد، معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة قد أكدا أنه لا يوجد لدى الأجهزة الأمنية الصهيونية أي دليل يربط قطاع غزة بما جرى في رفح. ومن الواضح أن صناع القرار في تل أبيب معنيون بتقليص هامش المناورة أمام الرئيس مرسي وإحراجه داخلياً لإجباره على التراجع عن التفاهمات التي توصل إليها من رئيس حكومة غزة إسماعيل هنية، والمتعلقة بتخفيف مظاهر الحصار على قطاع غزة، من خلال الإدعاء أن غزة ترد على خطوات مرسي الإيجابية تجاهها باستهداف الأمن القومي المصري.

ثانياً: تأليب الرأي العام المصري على المقاومة الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص حركة حماس. وقد بات هذا الهدف يقع على رأس أولويات القيادة الإسرائيلية، على اعتبار أن تحقيق هذا الهدف يسهم في تمكين إسرائيل من تنفيذ مخططاتها العدائية ضد قطاع غزة. فققد أكدت كل التقييمات التي قدمتها هيئات التقدير الاستراتيجي في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية للمستوى السياسي الحاكم في تل أبيب أن تنفيذ حملات عسكرية واسعة ضد قطاع غزة في أعقاب ثورة 25 يناير بات أمراً بالغ الصعوبة، وذلك بسبب الدور الكبير الذي بات يلعبه الرأي العام المصري في توجيه صناع القرار في القاهرة. وقد أكدت توصيات جميع الدراسات التي أصدرها " مركز  أبحاث الأمن القومي " التابعة لجامعة تل أبيب، أن الرأي العام المصري قد يدفع القيادة المصرية إلى إعادة فتح اتفاقية " كامب ديفيد " في حال تم تنفيذ حملة عسكرية كبيرة على قطاع غزة. وتحذر هذه الدراسات من أن ردة فعل الجمهور المصري يمكن أن تسهم في تراجع مصر كلياً عن اتفاقية " كامب ديفيد "؛ مع العلم أن إسرائيل ترى في هذه الاتفاقيات مركب مهم في الأمن القومي الصهيوني. من الواضح أن تقديم المقاومة الفلسطينية كشريك في جريمة رفح يأتي للتأثير على توجهات الرأي العام المصري من القضية الفلسطينية.

ثالثاً: تفترض إسرائيل أن مثل هذه العمليات ستقلص من قدرة القيادة المصرية الجديدة على إعادة تقييم السياسة المصرية الخارجية وتعيد بلورتها على أسس مغايرة تماماً لتلك التي كانت قائم في عهد الرئيس المخلوع مبارك، سيما في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وقد عبر عن ذلك بشكل فج وبدون مواربة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي قال أن مصر مطالبة بتعلم الدرس مما جرى ف رفح ومواجهة " الأعداء الحقيقيين لمصر "، بالطبع يقصد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

رابعاً شرعت إسرائيل فوراً في توظيف جريمة رفح في ابتزاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حيث شرع ديوان نتنياهو في اتصالات بقيادات ديموقراطية وجمهورية في الكونغرس الأمريكي للضغط على أوباما ليقوم بدوره في الضغط على كل من الرئيس مرسي وقادة العسكر في مصر ومطالبتهم بعدم إحداث أي تغيير على ظروف الحصار على قطاع غزة والعلاقة مع حركة حماس. ويفترض نتنياهو أن أوباما المعني بإعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية سيعمل كل ما في وسعه من أجل استرضاء قادة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة عبر الاستجابة لمطالب إسرائيل. وقد دعت بعض النخب الإسرائيلية الرئيس أوباما لتوظيف المساعدات المالية لمصر لإرغام قيادتها الجديدة على مواصلة الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل، كما كانت في عهد مبارك، بزعم أن هذا ما يفرضه الواقع الأمني في سيناء.

خامساً: تنطلق إسرائيل من افتراض مفاده أن عملية رفح ستضعف الرئيس مرسي على الصعيد الداخلي، وستقلص من قدرته على استعادة صلاحياته، التي سلبها قادة العسكر. ومما لا شك فيه أن إسرائيل ترى في احتفاظ قادة العسكر بمجمل صلاحيات الحكم مصلحة استراتيجية لإسرائيل. وقد عبر عن ذلك بشكل صريح وواضح وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بنيامين بن إليعازر، الذي يوصف في تل أبيب بأنه " مهندس العلاقات المصرية الإسرائيلية "، الذي قال: " عدم خسارة العسكر الصلاحيات لصالح قيادة مدنية منتخبة في مصر أحد أهم متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي " ( صحيفة ذي ماركير الإسرائيلية، 27-4-2012). من نافلة القول أن إسرائيل معنية تماماً بمفاقمة الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها مصر لتكرس مأزق مرسي، ومما لا شك فيه أن جريمة رفح ستمس السياحة التي تعد أحد أهم المرافق الاقتصادية.

أن التاريخ يدلل بما يدع مجالاً للشك أن إسرائيل كانت مسؤولة عن عمليات أكثر تطرفاً من جريمة رفح، فقط من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية. فقد بات الآن في حكم المؤكد أن جهاز الموساد، وبناءً على تعليمات من رئيس وزراء إسرائيل الأول دفيد بن غوريون قد قام أواخر أربعينيات ومطلع خمسينيات القرن الماضي بتفجير العشرات من الكنس اليهودية في أرجاء العراق، بعدما تبين أن أغلبية اليهود العراقيين يرفضون الهجرة لفلسطين المحتلة.

 توظيف الفلول

للأسف أن أوضح مثال على النجاح الجزئي للرهانات الإسرائيلية آنفة الذكر، كان ردة فعل النخب المحسوبة على فلول مبارك، سيما تلك التي تسيطر على وسائل الإعلام المصرية، والتي بدت كما لو كانت تنتظر بفارغ الصبر مثل هذه الجريمة لكي تجاهر بإضفاء الشرعية على سياسات القمع والحصار التي كان ينتهجها نظام مبارك ضد الشعب الفلسطيني. ففي الوقت الذين انبرى عدد من الصحافيين الإسرائيليين لدحض مزاعم نتنياهو بأن هناك علاقة بين غزة وجريمة رفح، فإن الفلول الذين يسيطرون على معظم الإعلام المصري الخاص والرسمي أصروا على تلقف الرواية الرسمية الإسرائيلية، واستغلوها ليس في مهاجمة غزة وحماس، بل بشكل أساسي الرئيس مرسي في مسعى لنهش شرعيته وتبرير مواصلة تجريده من الصلاحيات والتشكيك في ولائه الوطني. واللافت أن هذا الإعلام هو ذات الإعلام الذي صمت صمت أهل القبور في رمضان الماضي عندما قامت إسرائيل بقتل ستة من الجنود المصريين.

ما يتوجب عمله

أن توظيف إسرائيل وفلول مبارك جريمة رفح البشعة لا يعني بحال من الأحوال تحرر القيادة المصرية من مسؤولياتها بفرض السيادة المصرية على جميع مناطق سيناء، ومواجهة التنظيمات الإجرامية بكل حزم وقوة، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين الدولة المصرية وأهالي سيناء، بشكل يغير البيئة التي تسمح لهذه التنظيمات بالترعرع. وفي الوقت ذاته، هناك حاجة ماسة إلى أقصى درجات التنسيق والتعاون الأمني بين مصر وحكومة غزة، بعد طرح كل الخيارات التي تضمن تقليص هامش المناورة أمام المجموعات المارقة، وضمن ذلك دراسة وضع بدائل لوجود الأنفاق، بشكل يعمل على تحسين البيئة الأمنية بشكل جذري.

لكن على كل الأحوال يجب عدم السماح بتحقيق رهانات إسرائيل على جريمة رفح بمحاصرة غزة واستعادة الشراكة الاستراتيجية بين مصر والكيان الصهيوني.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر