موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تأثيرات الانتفاضة على الوافع الديموغرافي والاجتماعي والفكري في اسرائيل

صالح محمد النعامي   ( مركز دراسات الشرق الاوسط، عمان )

في كتابه " يوم الحساب " ، يعتبر المفكر والكاتب الاسرائيلي الشهير باروخ كلمبرينغ انتفاضة الاقصى نقطة تحول هامة في تاريخ الدولة العبرية ، ويشير المفكر -  الذي يتلقف القائمون على دوائر صنع القرار في الدولة العبرية كتاباته – الى ان انتفاضة الاقصى قد "عرت " الكثير من المسلمات والفرضيات التي كانت تحكم تعامل الدولة العبرية مع الشعب الفلسطيني ، وفي نفس الوقت  يؤكد ان  الانتفاضة قد عصفت بالنظم البنيوية للمجتمع الاسرائيلي بشكل ضاعف حجم التحديات التي تقف امام هذا المجتمع  . ويرسم المفكر الصهيوني علامات استفهام كبيرة حول قدرة المجتمع الصهيوني على مواجهة ما يسميه "الآثار الكارثية للانتفاضة على المجتمع الاسرائيلي " . اما المفكر والجنرال المتقاعد  رؤفين فيدهستور فيصل الى حد اعتبار انتفاضة الاقصى اهم تحدي يواجه الدولة العبرية .ولا يخفي  فيدهستور شعوره بالخوف من ان تمثل الانتفاضة تهديد وجودي للدولة العبرية  ( القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي بتاريخ  28-10-2002)  . ونحن سنحاول مناقشة مظاهر تأثير انتفاضة الاقصى على التركيبة السكانية في الدولة العبرية الى جانب تشخيص مظاهر تأثيرها على المجتمع الاسرائيلي .

 

 

اولا : مظاهر تأثير الانتفاضة على الواقع السكاني في الدولة العبرية

 ****** نزوح المستوطنين عن المستوطنات وتقلص عدد المتجهين للاستقرار فيها

 

تدل المعطيات الرسمية الاسرائيلية على ان اندلاع انتفاضة الاقصى وعمليات المقاومة الفلسطينية التي تتخللها قد ادت الى تآكل المسوغات التي جعلت المستوطنات اليهودية في ارجاء الضفة الغربية وقطاع غزة  ، بيئة مغرية  للاستقرار بالنسبة لكثير من اليهود .وقد وجد هذا التأثير ترجمته في مظهرين هامين ، الاول " تقليص عدد اليهود الذين يتجهون للاستقرار في هذه المستوطنات ، المظهر الثاني : نزوح الكثير من المستوطنين عن هذه المستوطنات . وحسب معطيات مكتب الاحصاء المركزي الاسرائيلي فانه في العام 2002 طرأ انخفاض بنسبة 62% على عدد اليهود الذي قدموا للاستقرار في المستوطنات ، عما كان عليه الحال في العام 1999 ( بيان صادر عن قسم تسجيل الانفس في وزارة الداخلية الاسرائيلية بتاريخ ( 15-1-2003). اما فيما يتعلق بنزوح المستوطنين عن مستوطناتهم ، فحسب معطيات حركة " السلام الان " الاسرائيلية  فقد نزح في العام 2002 حوالي 45% من المستوطنين اليهود بحيث اتجهوا للاستقرار داخل حدود اسرائيل. لكن في كل ما يتعلق بالمستوطنات التي تعرض سكانها بشكل مباشر لعمليات المقاومة فقد كانت حركة النزوح عنها اكبر بشكل واضح ، فمثلا مستوطنة " عموانئيل " ، الواقعة شمال نابلس و التي تعرضت لعمليتين استشهاديتين نفذتهما " كتائب عز الدين القسام " ، الجناح العسكري لحركة " حماس " ، فقد هجرها 60% من سكانها (  صحيفة ياتيد نئمان 26 –11-2002) ٍ. ويشير البرفسور حانوخ بيرمان ، المختص بدراسة اتجاهات المستوطنين ان الانتفاضة والعمليات الفدائية الفلسطينية قد اثرت بشكل كبير على ذلك القطاع من المستوطنين الذي قدم للاستقرار في الضفة الغربية وقطاع غزة لاسباب اقتصادية وللبحث عن ظروف حياة اسهل ، مع العلم ان هذا القطاع يشكل اكبر من 60% من المستوطنين . ويؤكد بيرمان انه بالنسبة لهذا القطاع من المستوطنين فانه في حال توفر جهة حكومية اسرائيلية تبدي استعدادها لتعويضهم عن المنازل التي بنوها وتضمن لهم توفير فرص عمل في مكان اخر ، فان ايا من هؤلاء لن يبقى في المستوطنات ، حيث يصرح هؤلاء انهم لم يقدموا لدوافع ايدولوجية ، وبالتالي فانهم لا يجدون ان هناك أي مبرر يدفعهم للتضحية بالبقاء في هذه المستوطنات  ( مجلة نتيف العدد العاشر ، 2002 ) .

لكن هنا على الباحثين توخي الحذر في التعاطي مع المعطيات التي تقدمها المؤسسات الرسمية الاسرائيلية بشأن مظاهر تأثير الانتفاضة على الاستيطان  . فمثلا يتعمد مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة دوما الادعاء بان الانتفاضة لم تؤدي الا لزيادة عدد المستوطنين ، ويمارس مجلس المستوطنات اليهودية ضغوط كبيرة على العديد من مؤسسات الدولة ووزاراتها لكي توائم معطياتها بشان الاستيطان مع هذا التوجه . وقد فضح هذا التوجه الصحافي الاسرائيلي   امنون ابراموفيتش في القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي بتاريخ 12-11-2002. 

 

***** انخفاض الهجرة لاسرائيل وتعاظم الهجرة العكسية منها

وقد وجدت الانتفاضة تأثيرها بشكل واضح على حركة الهجرة اليهودية لاسرائيل .  ففي العام 2002 طرأ انخفاض بنسبة 23% على عدد المهاجرين اليهود الذين وصلوا للدولة العبرية من ارجاء العالم  ( معاريف 13-1-2003 ) . ويؤكد سالي مريدور رئيس الوكالة اليهودية ( المؤسسة الصهيونية التي تعنى بتهجير اليهود من ارجاء العالم للدولة العبرية ) ان اليهود الذين ينتشرون في ارجاء العالم عندما يشاهدون عبر شاشات التلفزة  اشلاء سكان المدن الاسرائيلية وهي تتطاير في اعقاب تنفيذ عمليات التفجير التي يقوم بها الفلسطينيون فانهم سيفكرون الف مرة قبل التوجه لاسرائيل . ويؤكد مريدور انه لولا حدود اضطرابات كما حدث في الارجنتين لكانت نسبة انخفاض الهجرة اليهودية لاسرائيل اكبر مما عليه الان ( شبكة الاذاعة العامة 14-1-2003) . وهنا يجدر التنبيه الى نقطة هامة وهي ان يتوجب النظر بالشك الى معطيات الدوائر الرسمية الاسرائيلية في كل ما يتعلق بمعدلات الهجرة . وقد اكد الصحافي رونين بريغمان ان هناك دلائل تؤكد ان الانخفاض في عدد اليهود الذين هاجروا للدولة العبرية خلال العام 2002 هو اكبر من الاعداد التي تفصح عنها الوكالة اليهودية " القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي 13-1-2003 ) . وقد انخفضت نسبة الهجرة اليهودية على الرغم من ان  الوكالة اليهودية بالتعاون مع وزارة الاستيعاب الاسرائيلية قامت خلال عام 2002 بحملات " توعية " في جميع الدول الذي تتواجد فيها اقليات يهودية من اجل اقناعها انه من الاجدر باليهود العيش في اسرائيل وان الانتفاضة لا تؤثر بشكل فعلي على مجريات الحياة في الدولة  . ويشير يولي ادلشتاين ، نائب وزير الاستيعاب الاسرائيلي الى ان انتفاضة الاقصى كان لها تأثيرين سلبيين على حركة الهجرة اليهودية لاسرائيل . الاول : الخوف من العمليات الاستشهادية التي تنفذها الحركات الفلسطينية . الثاني : بسبب التدهور الاقتصادي الناجم عن الانتفاضة ، فلم تعد اسرائيل مغرية لكثير من قطاعات اليهود في ارجاء العالم ( تقرير صادر عن وزارة الاستيعاب الاسرائيلية 20-10-2002 )  . لكن يتضح ايضا ان الانتفاضة لم تؤثر سلبا فقط على حركة الهجرة اليهودية الى اسرائيل بل انها شجعت وبشكل كبير الهجرة العكسية من اسرائيل الى العالم الخارجي ، وهذا يتضح بشكل واضح حتى من المعطيات الاسرائيلية الرسمية نفسها . ويتضح ايضا انه مقابل كل مهاجرين يهوديين وصلا اسرائيل في العام 2002 ، غادر يهودي اخر اسرائيل للخارج  ، في حين ان تقديرات الجهات الرسمية ذات العلاقة بالهجرة تؤكد ان نسبة المهاجرين من اسرائيل ستصل الى خمسين بالمائة من المهاجرين لها  ( معاريف 13-1-2003 )  . لكن انتفاضة الاقصى لم تجبر فقط  المهاجرين الجدد على مغادرة الدولة العبرية ، بل انها دفعت فئتين من اهم الفئات في المجتمع الاسرائيلي للهجرة . الفئة الاولى : قطاع المستثمرين ورؤوس الاموال . وحسب معطيات جمعية الصناعيين في اسرائيل فقد غادر اسرائيل في كل من العام 2001 والعام 2002 اكثر من 850 مستثمر اسرائيلي يملكون رأس مال يفوق العشرين مليار دولار  ( النشرة الدورية الخاصة باتحاد الصناعيين في اسرائيل ، 18-1-2003) . وهنا يتوجب الاشارة الى ما اصبح معروفا للجميع وهي قيام شركة بناء كندية عملاقة ببناء عشرات الفيلل لرجال الاعمال الاسرائليين في كندا بناء على طلبهم وذلك تمهيدا لانتقالهم للعيش هناك بشكل دائم ، ونظرا للاقبال على عروض الشركة الكندية فقد قامت الشركة بنشر اعلانات في الصحف وقنوات التلفزة الاسرائيلية .  اما الفئة الثانية ، فهم اصحاب المؤهلات العلمية والاكاديمية الذين تعذر استيعابهم في المرافق الاقتصادية بسبب التدهور الاقتصادي الذي ادت اليه الانتفاضة ، فغادروا اسرائيل وبشكل خاص الى الولايات المتحدة واوروبا .

وهنا يتوجب الاشارة الى ان الدولة العبرية تعتبر دولة رفاه ، بحيث ان الفرد يحصل على مخصصات اجتماعية كبيرة ومتنوعة ، ابتداء بمخصصات البطالة ومخصصات الاطفال ، فضلا عن التسهيلات التي تمنح للاسر كثيرة  الاولاد ، ولولا مواصلة الدولة دفع هذه المخصصات ، فانه مما لا شك فيه ان ظاهرة الهجرة العكسية ستكون اوسع مما هي عليه الان . مع العلم ان قدرة الدولة العبرية على مواصلة دفع هذه المخصصات في المستقبل غير مضمونة في ضوء التدهور الحاصل في الاقتصاد الاسرائيلي .

 

****** الهجرة الداخلية

على الرغم من منطقة ان  " تل ابيب " وما يحيط بها من مدن شكلت ومازالت تشكل نقطة جذب لمعظم الاسرائيليين كونها تضم البنية التحتية الصناعية والتجارية في الدولة العبرية ، فضلا عن انتشار مرافق اللهو والترفيه فيها ، لكن ومع ذلك فقد ادت الانتفاضة الى انتقال عدد من اليهود القاطنين في هذه المنطقة الى اطراف الدولة العبرية خلال العامين الماضيين  . فمن المعروف ان منطقة تل ابيب والمنطقة المجاورة لها والتي يطلق عليها منطقة " المركز " قد شهدت العدد الاكبر من العمليات الاستشهادية في انتفاضة الاقصى . وحسب رون خولدائي رئيس بلدية "تل ابيب " فان هناك علاقة وثيقة بين هذه الظاهرة والعمليات الاستشهادية . ويؤكد ان قسم الرفاه الاجتماعي في البلدية قد اعد دراسة اكدت ان معظم الذين تركوا المنطقة اقدموا على ذلك بسبب الخوف من امكانية تعرضهم للاذى في عمليات استشهادية ( اسبوعية تل ابيب ، 23-9-2002)  .

 

******* الانتفاضة تفاقم الخطر الديموغرافي

اعتبرت الحركة الصهيونية وجميع دوائر صنع القرار في الدولة العبرية ان الحفاظ على التفوق الديموغرافي لليهود في فلسطين هو اهم هدف يتوجب ليس فقط تأمينه في الوقت الحاضر ، بل والحرص على ضمانه في المستقبل . ولما كانت الهجرة اليهودية لفلسطين هي اهم وسيلة لتعزيز الثقل الديموغرافي لليهود ، فان أي عامل يؤثر سلبا على الهجرة اليهودية ، انما يفاقم الخطر الديموغرافي . وفي المؤتمر الذي عقده " مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات " ، طالب  وزير البنى التحتية الصهيوني  ايفي ايتام ، رئيس حزب " همفدال " الديني باعتبار انتفاضة الاقصى  احد اهم العوامل التي تعمل على تقليص الفجوة بين عدد اليهود والفلسطينيين في ارض فلسطين . ولذا لم يتردد ايتام في اعتبار الانتفاضة " خطر وجودي من الطراز الاول " ( اذاعة الجيش الاسرائيلي  22-11-2002) .

 

 

 

ثانيا ****** مظاهر تأثير الانتفاضة على الواقع الاجتماعي في الدولة العبرية

 

***** تغيير انماط الحياة والسلوك الاجتماعي للاسرائيليين بسبب الانتفاضة

 تشير الدكتورة سيغال اهارونشكي استاذة العلوم الاجتماعية في جامعة تل ابيب الى انه منذ تأسيس الدولة العبرية وحتى الان لم يؤثر حدث على انماط الحياة و السلوك الاجتماعي للاسرائيليين مثلما اثرت انتفاضة الاقصى .وحسب معطيات دائرة العلاقات العامة في  شركة " ايغد " الرسمية للنقل العام   فقد ادى الخوف من العمليات الاستشهادية الى حدوث انخفاض بنسبة 43% على عدد الاسرائيليين الذين يستخدمون عادة وسائل النقل العامة حتى اواخر العام 2002 ، حيث انها كانت هدفا مفضلا لمنفذي العمليات الاستشهادية ، وفي البداية حدث ارتفاع في عدد المتجهين لاستخدام القطارات ، لكن بعد ان تم استهداف القطارات ومحطات السكك الحديدية من قبل المقاومين الفلسطينيين حدث انخفاض على عدد الذين يستخدمون القطارات . وفي المقابل زادت نسبة الذين يستخدمون سيارات الاجرة " التاكسي " واولئك الذين يتجهون لاعمالهم مشيا على الاقدام .  ونظرا لاستهداف الفنادق والمطاعم بالعمليات الاستشهادية فقد زادت نسبة الاسرائيليين الذين اصبحوا يقيمون حفلاتهم الخاصة في بيوتهم بدلا من اقامتها في الفنادق والمطاعم . وحسب معطيات اتحاد الفنادق في اسرائيل فانه خلال العام 2001 وحتى اواخر العام 2002 طرأ انخفاض بنسبة 61 % على عدد الاسرائيليين الذين يحتفون بمناسباتهم الخاصة في الفنادق والمطاعم وصالات اللهو الكبيرة ، وفي نفس الفترة طرأ انخفاض بنسبة 59% على عدد الشبان اليهود الذين يتجهون للمراقص الليلية في اعقاب استهدافها من قبل الاستشهاديين  ( دائرة العلاقات العامة في اتحاد الفنادق ،( 15-2-2003) . وبسبب الخوف من العمليات الاستشهادية حدث انخفاض على عدد الاسرائيليين الذين يتجهون الى شبكات التسوق الكبيرة ، وحسب معطيات اتحاد الغرف التجارية في الدولة العبرية فقد طرأ انخفاض بنسبة 35 % على ارباح شبكات التسوق الكبيرة بسبب تقلص عدد الاسرائيليين الذين يتجهون اليها ( قناة التلفزة الاسرائيلية الاولى 9-8-2002 ) ، مع العلم ان هذه الشبكات كانت ايضا هدفا لعدد من العمليات الاستشهادية  .  الى ذلك ادت الانتفاضة الى  تقلص عدد الاسرائيليين الذين يقضون اجازاتهم في المنتجعات السياحية في مدن وسط اسرائيل بنسبة 43 %  في العام 2001 ،  وفي نفس الو زادت نسبة الاسرائيليين الذين يتجهون الى مدينة " ايلات " للاصطياف لان الاسرائيليين يعتقدون انها بعيدة عن ايدي منفذي العمليات الاستشهادية ( صحيفة  تل ابيب 14-3-2002 ) . الى جانب ذلك زادت نسبة الموسرين الاسرائيليين الذين يتجهون الى قضاء اجازاتهم في الخارج في العام 2001 بدلا من قضائها في اسرائيل كما دلت على ذلك معطيات اتحاد شركات السفر والسياحة الاسرائيلية .الى ذلك ادت الانتفاضة الى اتجاه مزيد من الاسرائيليين الى تقليص عدد الساعات التي يقضونها خارج البيت ليلا ، فسحب استطلاع اجراه معهد " سميث " لاستطلاعات الراي وعرضت نتائجه القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي ( 23-6-2002 ) فانه بعد عامين من الانتفاضة فان 40% من الاسرائيليين اصبحوا يحرصون على العودة للبيت مبكرا بسبب الوضع الامن المتدهور الذي ارتبط بالانتفاضة .

وواضح تماما ان اتجاه الاسرائيليين لتغيير انماط احياتهم مرتبط بشكل اساسي بتدهور مستويات الشعور بالامن الشخصي في الدولة العبرية كنتاج للانتفاضة ، وهنا يتوجب الاشارة الى ان قدرة الاسرائيليين على موائمة انماط حياتهم مع ما تفرضه الانتفاضة ليست بنفس النسبة ، وانه يمكن الافتراض ان من يفشل في موائمة نفسه مع الانتفاضة فانه قد يندفع نحو الهجرة للخارج .

****** ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في الاراضي المحتلة وتعاظم الاستقطاب المجتمعي

انشغلت اسرائيل على مدى العامين الماضيين بظاهرة رفض الخدمة العسكرية في الاراضي المحتلة ، حيث ان عدد الشبان الاسرائيليين الذين يرفضون الخدمة في الجيش الاسرائيلي  يصل الى الف شاب ، وهؤلاء يرفضون الخدمة لاسباب ضميرية ، بمعنى انهم لا يريدون ان يكونوا جزءا من جيش احتلال يمارس القمع ضد الشعب الفلسطيني   ، وان كان مكتب الناطق بلسان جيش الاحتلال يدعي ان عدد الرافضين للخدمة يصل في احسن الاحوال الى اربعمائة شاب فقط " ،  لكن حركة " السلام الان " الاسرائيلية تؤكد انه منذ اندلاع الانتفاضة الاقصى وحتى نهاية العام 2002 فقد بلغ عدد الجنود والضباط الذين يرفضون الخدمة في الجيش لاسباب ضميرية اكثر من الف جندي وضابط ( مكتب الناطق بلسان الحركة ، 15-2-2003 ) . لكن هناك نسبة اخذة بالتعاظم داخل الاوساط الشبابية اليهودية ترفض الخدمة في الجيش الاسرائيلي ليس لاسباب ضميرية ، بل لانهم يعتبرون ان الخدمة العسكرية في الاراضي المحتلة اثناء الانتفاضة مع كل ما يتضمنه ذلك من مخاطر انما يعكس تكريس للغبن والتمييز الذي تمارسه الدولة ضدهم ، حيث ان هؤلاء الشباب يشيرون الى ان هناك عشرات الالاف من الشباب اليهود المتدينين الذي ينتمون  للاحزاب الدينية الارثوذكسية اليهودية ويتم اعفاؤهم من الخدمة العسكرية " بدون وجه حق " ، فقط لان  رؤساء الحكومات الاسرائيلية المتعاقبين  يبدون حرصا علىضم الاحزاب الدينية الى الائتلافات الحكومية التي يشكلونها ، وهذه الاحزاب ترفض تجنيد منتسبيها في الجيش . وفي خضم الانتفاضة تداعى الالاف من ضباط وجنود الاحتياط في الجيش الاسرائيلي الى تشكيل جمعية تدعى " كفى استغلالا "وتدعو الى  اعفائهم من الخدمة العسكرية في الوقت الذي لا يتم فيه تجنيد اتباع الاحزاب الدينية الارثوذكسية اليهودية . وقد ادت سيادة هذه المناخ الى بروز جماعات ضغط مجتمعية غير سياسية وحزبية تدعو الى اعادة الجنود الى داخل اسرائيل وعدم ارسالهم للتعرض للمخاطر في الانتفاضة ، والانسحاب من الاراضي المحتلة ، مثل جماعة " نساء بالسواد " ، التي عادت لتنشط بعد اندلاع انتفاضة الاقصى  . الى جانب ذلك فان هناك تيار متنامي داخل الاسرائيليين يرفض التضحية من اجل المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة . وقد وصل الامر حتى  بنائبة يمينية  في البرلمان الاسرائيلي وممثلة عن حزب الليكود الحاكم و تدعى نحميا رونين الى دعوة الجيش الى تسريح زوجها الذي يعمل ضابط احتياط في الضفة الغربية . وقالت رونين في مقابلة مع القناة الاولى في التلفزة الاسرائيلية بتاريخ 29-8-2002 " لقد صعقت عندما اكتشفت ان زوجي وعشرة من جنوده يقومون بحراسة  بؤرة استيطانية مكونة من "بيت متنقل " واحد وكلب وحصان يعودان لمستوطن لا يصل النقطة الا مرة في الشهر  ، لذا فانا لا اخجل من مطالبة الدولة بتسريح زوجي من هذه الخدمة " . وتصل رونين الى قناعه مفادها ان ما اطلقت عليه " هذا الغبن المجتمعي  " يستدعي اصلاح ولو ادى ذلك الى انسحاب اسرائيل من الضفة الغربية ، على الرغم من انها تنتمي الى حزب يرفض الانسحاب لدوافع ايدلوجية .

وعلينا هنا ان نشير الى ان اهمية هذا التطور تكمن في حقيقة ان الجيش والخدمة العسكرية كانا دوما محط اجماع صهيوني عام ، ومما لا شك فيه ان التعرض لمحور هذا الاجماع الهام يمثل تطورا لم يكن ليتسنى حدوثه لولا الانتفاضة . ومما لا شك فيه ان كسر الاجماع الصهيوني حول الخدمة العسكرية في الجيش يمثل خطرا كبيرا يعمل على تآكل قدرة الدولة العبرية على مواجهة الانتفاضة ومقاومة الشعب الفلسطيني ، من هنا كانت الحساسية الكبيرة التي ابدتها مؤسسات الدولة لظاهرة رفض الخدمة العسكرية .

 

******* ازتفاع معدلات الجريمة وزيادة معدلات الطلاق

حسب المعطيات المتوفرة لدى مكتب الناطق باسم الشرطة الاسرائيلية فانه منذ اندلاع انتفاضة الاقصى طرأت زيادة مرتفعة في معدلات الجريمة والعنف داخل المجتمع الاسرائيلي . وكما تدل هذه المعطيات فان حجم الجريمة ازداد بنسة 15% في اواخر العام 2001 عما كان عليه في العام 1999 ، كما انه زاد بنسبة بنسبة 35% حتى منتصف العام 2002 مقارنة مع نفس الفترة في العام 1999 ، حسب معطيات مكتب الناطق باسم الشرطة الاسرائيلية  . الى ذلك فقد زادت معدلات الطلاق  بنسبة 18% حتى منتصف العام 2002 عما كانت عليه حتى اواخر العام 2000 (  العدد السابع من النشرة  الشهرية الخاصة باتحاد منظمات المرأة الاسرائيلية المعروفة ب " نعمات " ) . بالنسبة لارتفاع معدلات الجريمة فان البرفسور ايلان يادين استاذ العلوم الاجتماعية في جامعة تل ابيب يؤكد ان هناك علاقة وثيقة بين انتفاضة الاقصى وبين زيادة معدلات العنف في المجتمع الاسرائيلي . ويضيف يادين  في برنامج " مباط " الاخباري  الذي بثته القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي بتاريخ ( 19-5-2002) ان  الضباط والجنود الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة  يميلون للعنف بشكل خاص ، اذ ان هؤلاء يكونوا دائما مفوضين لاستخدام قدر كبير من العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، الامر الذي يفقدهم الاستعداد لابداء أي صبر تجاه أي موقف اسري او اجتماعي يتطلب منهم بعض الصبر .ويؤكد يادين ان الجندي الذي ادى الخدمة العسكرية في الضفة والقطاع يكون بعد عودته الى الحياة المدنية مستعدا للتشاجر مع أي شخص في المحيط الاسرى او العائلة . ويرى ان هناك علاقة بين زيادة معدلات العنف الاسري في الدولة العبرية والخدمة العسكرية في ظل الانتفاضة . ويستند يادين الى معطيات توفرت لديه تؤكد ان ان اكثر من 50% من الرجال الذين تفتح ضدهم ملفات تحقيق بسبب الاعتداء على زوجاتهم هم من ضباط وجنود الاحتياط الذين سبق لهم الخدمة في جيش الاحتلال ضمن انشطة مواجهة الانتفاضة. ويتوقع يادين ان تكون هناك اثار كارثية للخدمة العسكرية للجنود في الضفة الغربية وقطاع غزة على المجتمع الصهيوني في حال تطلب الامر تواصل تواجد الجنود في المناطق الفلسطينية ، اذ ان ذلك سيكون كفيل بزيادة معدلات الجريمة والعنف في الدولة العبرية الى حد كبير . اما عن زيادة معدلات الطلاق في المجتمع الاسرائيلي في الانتفاضة فان يادين يشير جازما الى ان 40% من النساء اللواتي يرفعن قضايا طلاق في المحاكم ضد ازواجهن يكن متزوجات لرجال خدموا كضباط او جنود احتياط في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ويعدد يادين ثلاث اسباب وراء هذه الظاهرة ، اولا : غياب الرجال عن البيت بسبب الخدمة العسكرية .ثانيا : لجوء الرجال للعنف بسبب الخدمة العسكرية في التعامل مع زوجاتهم . ثالثا : تدهور الاوضاع الاقتصادية للعائلة بسبب الخدمة ، اذ ان الكثيرين من الرجال الذين يخدمون في سلك الاحتياط فقدوا اعمالهم ، حيث استبدالهم بعمال اجانب ، ويجزم يادين ان هناك علاقة بين تدهور الاوضاع المادية للعائلة وبين ارتفاع نسبة الطلاق . وعندما يتغلغل تأثير الانتفاضة الى قلب الاسرة الاسرائيلية وعلى هذا النحو ، فان هذا يعكس هشاشة المجتمع الصهيوني في مواجهة الانتفاضة ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فان هذا يدل على حقيقة طالما تجسدت في كل مرة تجرؤ فيه جماعة على استلاب شعب اخر حريته وارضه ، فحصانة المستعمر تتآكل شيئا شيئا بسبب مقاومة الشعب المحتل وارادته الصلبة في التحرير .

********* ازدياد معدلات المرضى النفسيين والاقبال على المخدرات

الاسرائيليون الذين يتعرضون للعمليات الاستشهادية او اولئك الذين يكونوا شهود عيان عند وقوع هذه العمليات اوحتى اولئك الذين يتابعون اخبار العمليات الاستشهادية عبر وسائل الاعلام الاسرائيلية تتأثر اوضاعهم النفسية بشكل مباشر . فحسب معطيات نقابة الاطباء النفسيين الاسرائيليين فانه في  العام 2002 بلغت نسبة الاسرائيليين الذين اضطروا لعلاج نفسي بسبب الانتفاضة 55% من الاسرائيليين الذين زاروا العيادات النفسية ( معطيات العلاقات العامة في نقابة الاطباء النفسيين ، 15-2-2003)    وقد دلت دراسة اجراها قسم العلوم الاجتماعية في جامعة حيفا ان 45% من الاسرائيليين الذين ترددوا على العيادات النفسية في العام 2001 قد اكدوا انهم كانوا اما انهم اصيبوا في عمليات استشهادية او كانوا شهود عيان لها او انهم لم يتعرضوا لها ولم يكونوا شهود عيان لها ، لكن الخوف من السقوط في هذه العمليات قد ادى الى تدهور اوضاعهم النفسية ( الشبكة الاذاعية العامة 25-7-2002) . لكن  تدهور الاوضاع النفسية طال ايضا الجنود والضباط الذين يخدمون في الضفة الغربية وقطاع غزة .فقد ذكرت صحيفة  " معاريف بتاريخ ( 5-11-2002) انه قد تم اقامة قرية خاصة لمعالجة الجنود الذين انهوا خدمتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة نفسيا . وتشير الصحيفة بشكل واضح الى ان الكثير من الجنود قد تدهوروا  الى تعاطي المخدرات شديدة التأثير وذلك في محاولة يائسة للتغلب على الازمات النفسية التي تعصف بهم . لكن تأثير انتفاضة الاقصى على المجتمع الاسرائيلي تجاوز هذا المستوى ، واذا كانت الدولة العبرية تتباهى بانها جزء من العالم الغربي " المتحضر " الذي تسود فيه معايير سلوك تعكس هذا " التحضر " على حد الدعاية الاسرائيلية ، الا ان الانتفاضة بالذات قد دللت على ان المجتمع الاسرائيلي يتشرب حتى احط مستويات السلوك الاجتماعي واكثرها تخلفا . فقد اشارت جميع وسائل الاعلام الاسرائيلية وبتوسع ان الخوف من السقوط في العمليات الاستشهادية قد انعش اعمال المشعوذين المعروفين برجال " هكبلا " ، بحيث ان هؤلاء يقومون ببيع الجمهور الواسع الحجب والتعويذات التي يدعون انها بامكانهم ان تقيهم من التعرض لاذى كنتيجة لهذه العمليات " القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي ، 23- 6-2002) . بكلمات اخرى فان الدولة العبرية التي تتباهى بانها جزء من العالم الغربي ، لم يجد المجتمع فيها بد سوء ابداء انماط سلوك تشى بهشاشة هذا المجتمع وعدم قدرته على مواجهة الضغوط والتحديات التي فرضتها الانتفاضة .

 

ثالثا : تأثير انتفاضة الاقصى على المسلمات الفكرية الصهيونية

انطلقت الممارسات الاسرائيلية في التعامل مع الشعب الفلسطيني والامة العربية من عدة مسلمات وموروث فكري شكل ما اطلق عليه في الدولة العبرية " حدود الاجماع الصهيوني " ، ونحن هنا بصدد  الاشارة الى عدد من هذه المسلمات ومناقشة تأثير انتفاضة الاقصى على تماسكها :

 

****** اقرار متزايد بعجز القوة في مواجهة ارادة الفلسطينيين  في التحرر : احد اهم المنطلقات الفكرية التي شكلت ارضية هامة في تعامل المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة مع الشعب الفلسطيني كان التشديد الصهيوني – سيما وفق المدرسية اليمينية - على انه تحت أي ظرف يجب اقناع الفلسطينيين انهم لن يحرزوا أي مكسب سياسي من خلال استخدام المقاومة المسلحة ، وانه قبل الشروع في أي تسوية سياسية فانه يتوجب  انتهاء كل مظاهر المقاومة الفلسطينية بدون شروط مسبقة . وهذا الفهم جعل دوائر صنع القرار ، سيما في عهد الليكود تستنفذ اقصى طاقة عسكرية في مواجهة المقاومة الفلسطينية . لكن تجربة انتفاضة الاقصى ادت الى تآكل هذا المنطلق الفكري بشكل متزايد ، حيث بات واضحا بالنسبة للكثير من المفكرين و جنرالات الجيش فضلا عن قطاع هام من الطبقة السياسية ومن ضمنها رموز في اليمين الصهيوني ان القوة العسكرية  وحرص اسرائيل على استغلال تفوقها العسكري لن يجبر الفلسطينيين على التسليم  . وفقد وقع اكثر من مائة مفكر وجنرال متقاعد صهيوني على وثيقة تنص على ان استخدام القوة المسلحة وحدها  في مواجهة مقاومة الشعب الفلسطيني لن تؤدي الا لمزيد من التدهور في مستويات الامن الشخصي بالنسبة لمجمل سكان الدولة العبرية . وشدد هؤلاء المفكرين والجنرالات على ان الاسلوب الامثل للخروج من الضائقة الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تواصل الانتفاضة هو استئناف العملية السياسية والمفاوضات (  القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي  ، 9-8-2002 ) . وقد  تسربت هذه القناعات حتى للعديد من مفكري اليمين الصهيوني في الدولة العبرية ، فنجد ان ايال عراد المستشار الاستراتيجي لارئيل شارون يقول " الجميع بات يدرك ان المخرج من الوضع الحالي لا يمكن ان يكون الا بتسوية سياسية وان الانشطة والحملات الامنية التي يقوم بها الجيش لا يمكنها ان تضع حدا للانتفاضة " ( اذاعة صوت الجيش الاسرائيلي 25-10-2002) . ويشهد بنيامين بن اليعازر الذي شغل منصب وزير الدفاع في حكومة شارون قائلا " انني اثق ان شارون وجميع الوزراء بمن فيهم ممثلي الاحزاب اليمينية والدينية باتوا يدركون ان هناك بون شاسع بين المسلمات الايدلوجية المعششة في اذهانهم وبين الواقع على حقيقته ، وهم في قرارة انفسهم يثقون انه لا يوجد حل عسكري للانتفاضة ، وانه بدون الاستعداد لدفع ثمن سياسي للفلسطينيين فان الانتفاضة لن تعمل فقط على تحطيم ما تبقى من الشعور بالامن الشخصي لسكان الدولة ، بل انها ستعمل ايضا على  تآكل الكثير المنجزات الاستراتيجية التي راكمتها اسرائيل على مدى عشرات السنين " ( القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي 3-10-2002) . وحتى المفكرين الاجانب الذين حاولوا دراسة الانتفاضة قد نصحوا دوائر صنع القرار في الدولة العبرية بالاستجابة لمطالب الشعب الفلسطيني قبل ان يكون الامر متأخرا . ففي يوم دراسي عقد في جامعة تل ابيب بمناسبة مرور عامين على اندلاع انتفاضة الاقصى ، وجه  المستشرق الامريكي باتريك دويتش حديثه لعدد من قادة الدولة العبرية الذين حضروا الندوة " يؤسفني ان اقول لكم انكم تقودون دولتكم نحو مغامرة غير محسوبة بالمرة ، ففي هذه المعركة لا امكانية امامكم الا ان تخسروا فقط " 

 

****** استنتاج باستحالة الردع

امنت دوائر صنع القرار في الدولة العبرية منذ تأسيسها انه يتوجب دوما مراكمة عنصر الردع في المواجهة مع العالم العربي ، وتتمثل فلسفة الردع التي تؤمن بها المؤسسات الحاكمة في اسرائيل بانه يتوجب مواصلة تكريس الانطباع الذي تولد بعد الهزائم التي لحقت بالجيوش العربي في الحروب التي خاضتها ضد اسرائيل وهو ان الجيش الاسرائيل " جيش لا يقهر " ، وان الدول العربية تحسن صنعا مع نفسها عندما تقبل على كل الخيارات باستثناء الخيار العسكري في التعامل مع اسرائيل . وكما يؤكد يوسي بيلين احد قادة اليسار الصهيوني واحد مهندسي اتفاق " اوسلو " في محاضرة القاها امام طلبة جامعة تل ابيب بتاريخ ( 15-6-2001 )  ان اتفاق اوسلو شأنه في ذلك شأن اتفاقية كامب ديفيد مع مصر واتفاقية وادي عربة مع الاردن لم يتسنى التوقيع عليها الا بعد ان ادرك العالم العربي ان خيار المفاوضات هو الخيار الاوحد الذي يمكن ان يعود بالنفع على الدول العربية وان هذه الدول لا يمكنها الا ان تخرج مهزومة في كل مواجهة عسكرية مع اسرائيل . لكننا نجد ان ثقة الصهاينة بقوة ردعهم قد تضعضعت بشكل كبير في انتفاضة الاقصى ، وكان هذا التضعضع استمرار لاهتزاز  قوة الردع بعد انسحاب جيش الاحتلال القسري من جنوب لبنان . ويؤكد  الجنرال داني روتشيلد ان الذي كان يشغل منصب مدير قسم الابحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ان  قوة الردع الاسرائيلي في الانتفاضة تضررت وتآكلت بشكل كبير .ويضيف روتشيلد قائلا " طالما كان هناك فلسطينيون يؤمنون انه بالامكان تحقيق  مكاسب عن طريق القوة والعنف وطالما لم تقنعهم قوتنا انهم يقدمون على انتحار حقيقي عبر تصميمهم على استخدام القوة العسكرية فانه يتوجب الاستنتاج بشكل سريع ان عوامل الردع في مواجهتم قد فشلت " ( مجلة بمحنية العسكرية 27-5-2002) . ويصل المفكر والاستراتيجي الاسرائيلي موتي ليرنير الى استنتاج مفاده ان اقتناء الدولة العبرية لاهم تقنيات الاسلحة واشد وسائل الدمار الشامل غير التقليدية فتكا لن تضمن لاسرائيل الامن ، ويذهب الى حد التاكيد ان هذه الترسانة العسكرية هي بالضبط الى ادت الى  تدهور وضع اسرائيل الامني . ويضيف قائلا " الجمود الفكري عند صانعي القرار الاسرائيليين جعلهم يعتقدون ان القوة العسكرية كفيلة بحل المشاكل مع الجيران رغم بطلان هذه النظرية عدة مرات في الماضي " ( هارتس 29-12-2002) . وفي ندوة عقدت بغزة بتاريخ 18-10-2002 يشدد الكاتب والصحافي الفرنسي ايلي بوردو على ان الشعب الفلسطيني قد اثبت ان ارادة الشعوب في التحرر اقوى دوما من كل عناصر القوة العسكرية الي تفتقد لاي بعد اخلاقي .

 

****** الانتفاضة والانقلاب الفكري في اوساط جمهور اليمين الاسرائيلي

لعل احد اهم تجليات تأثير انتفاضة الاقصى على قلب الكثير من المسلمات الفكرية قد تجلت بشكل واضح في التحولات التي طرأت على مواقف الجمهور الانتخابي لليمين الاسرائيلي . فما ادركه معظم المفكرين في الدولة العبرية بات يتشربه ايضا جمهور الاحزاب اليمينية . فحتى  هذا الجمهور الذي كان يؤمن بانه يتوجب الاحتفاظ بالضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارها " جزء لا يتجزأ من ارض الاباء المحررة " ، كما تشدد ادبيات حزب الليكود على سبيل المثال ، حتى هذا الجمهور قد ادرك ان التشبث بهذه المواقف يتطلب منهم  ثمنا امنيا واقتصاديا واجتماعيا كبيرا ، في الوقت الذي تبين لهم ان القوة العسكرية لجيش الاحتلال فشلت وبشكل واضح في توفير الامن وكبح المقاومة الفلسطينية التي اصبحت تهديد مباشر لكل اسرائيلي حيثما كان .هذا الادراك ادى الى تغيير مواقف الجمهور اليميني الاسرائيلي من قضايا هامة ، مثل الموقف من اقامة دولة فلسطينية او تفكيك المستوطنات ، فعلى الرغم من ان البرامج السياسية للاحزاب اليمينية تصر على انه يتوجب عدم اقامة دولة فلسطينية وان اكثر ما يمكن الموافقة عليه هو حكم ذاتي للفلسطينيين ، وفي الوقت الذي تشدد  فيه هذه البرامج ليس على رفض تفكيك المستوطنات ، بل ومواصلة الانشطة الاستيطانية بوتيرة اعلى  . وعلى الرغم من ذلك فاننا نجد ان اقتناع جمهور اليمين الاسرائيلي بعجز القوة العسكرية عن وقف المقاومة الفلسطينية قد ادى الى تغيير مواقف هذا الجمهور من هاتين القضيتين ، فجميع استطلاعات الراي العام الاسرائيلي تشير الى ان اكثر من 50% من مصوتي اليمين الاسرائيلي يؤيدون اقامة دولة فلسطينية وتفكيك معظم المستوطنات اليهودية ، مع انه في زخم تطبيق اتفاق اوسلو كان اقل من 25 % من مصوتي اليمين الاسرائيلي يؤيدون اقامة الدولة الفلسطينية واقل من 20% يؤيدون تفكيك المستوطنات اليهودية . ونشير الى مصوتي اليمين بالذات لان جمهور اليسار والوسط لا يبدي معارضة بشكل تقليدي لهاتين المسألتين . اذن هذا يثبت ان انتفاضة الاقصى قد اجبرت الجمهور الاسرائيلي على   تبني مواقف اكثر مرونة حول القضايا التي تشكل الصراع بين دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني ، مع العلم ان الاحزاب اليمينية لا  تصر فقط  على تجاهل التغييرات في مواقف جمهورها ، بل انها اضفت مزيد من التطرف على مواقفها الايدلوجية ، فنجد ان الدعوة لتطبيق " الترانسفير " عادت بقوة في البرامج الانتخابية من الاحزاب مثل حزب " التجمع الوطني " ، و حركة " حيروت " ، الى جانب تبني مواقف اكثر تزمتا من ملف القدس ، فنجد ان حزب مثل " الاتحاد الوطني " بزعامة ليبرمان يدعو الى السيطرة المباشرة على المسجد الاقصى ومنع المسلمين من الصلاة فيه ، ولو تطلب الامر الى خوض مواجهة شاملة مع العالم العربي والاسلامي ( معاريف 30-12-2002).

 

******* تقلص  الرهان على الفروق الايدلوجية بين الفلسطينيين

المؤسستين السياسية والامنية في الدولة العبرية كانت دوما تراهنان على ان هناك فروق ايدلوجية بين الفلسطينيين يفترض انها تلزم الدولة العبرية باعتماد سبل مواجهة مختلفة مع قوى الشعب الفلسطيني المختلفة ، على اعتبار ان المنطلقات الفكرية للفصائل الفلسطينية كانت تقتضي اتباعها اساليب مقاومة مختلفة   . فمثلا كانت تفترض المؤسسات الصهيونية انه باستثناء الحركات الاسلامية الفلسطينية ، فان بقية الفصائل الفلسطينية لن تعتمد اسلوب العمليات الاستشهادية ، لذا عندما حاول قسم الابحاث في الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية في بداية الانتفاضة  تحديد سمت الاستشهادي الفلسطيني ، استبعد هذا السمت ان يكون الاستشهادي منتميا الى تنظيم غير اسلامي ، لكن انتفاضة الاقصى سرعان ما ادت الى تغيير هذا الانطباع عندما اعتمدت بقية التنظيمات الفلسطينية العمل الاستشهادي كاسلوب من اساليب المقاومة ضد الاحتلال . ويقر وزير الخارجية الاسرائيلي الاسبق شمعون بيريس ان الانتفاضة قد قلصت الفروق الايدلوجية بين الفلسطينيين في كل ما يتعلق بمواقفهم من القضايا التي تشكل الصراع . وحتى شخص مثل السفير الامريكي الحالي في الدولة العبرية دان كيرتسير ، يهودي ومعروف بتعصبه لاسرائيل ، ضاق ذرعا بما اسماه " الغباء الذي يميز تفكير دوائر صنع القرار الاسرائيلي " . ففي مقابلة مع القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي بتاريخ 19-11-2002 ، قال كيرتسير ان التوسع في استخدام القوة ضد الفلسطينيين لم ينجح الا في تجميعهم وتوحيدهم وحشرهم في معسكر واحد ضد اسرائيل .

 

********* الصهاينة : الاسلام اهم قوة دفع وراء الانتفاضة

لا يختلف اثنان من المفكرين والاستراتيجيين الاسرائيليين على اهمية الدور الذي يلعبه الدين الاسلامي في تحريك انتفاضة الاقصى . وبالنسبة لفرايم سنيه ، الجنرال المتقاعد واحد  قادة حزب العمل  فان الدين الاسلامي مثل اهم مصدر لتأجيج انتفاضة الاقصى . وينصح سنيه بالتعجيل  بحل الصراع مع الشعب الفلسطيني عبر تسوية سياسية ، على اعتبار ان مثل هذه التسوية ستقلص دور الاسلام في الصراع وهذا يخدم المصلحة الاسرائيلية ( القناة الثانية في التلفزة الاسرائيلية ، 23-4-2002) . اما المفكر الاسرائيلي الكبير اوري بار يوسيف فيؤكد في كتابه " المشاهد الذي نام " فيذهب ابعد من ذلك عندما يحذر من مغبة عدم حل القضية الفلسطينية وباقصى سرعة ، حيث يرى ان  بقاء هذه القضية بدون حل يوسع دائرة العداء للدولة العبرية في ارجاء العالم الاسلامي . ويضيف " ان المسلمين الفلبينيين والصينيين والاتراك والامريكيين والاوروبيين كما المسلمين الافارقة يشعرون تجاهننا بعداء شديد كلما ذكر اسم القدس في أي نشرة اخبار ، هذا يمثل بؤرة شعور هؤلاء الناس ، ولا يمكن ان نطبع وجودنا ووجود دولتنا في هذا العالم بدون القضاء على كل الاسباب التي تجعل المسلمين في العالم يكرهوننا "   .

 

*********** سقوط مقولة " اسرائيل واحة الديموقراطية "  في المنطقة

عكفت اسرائيل والتها الدعائية على الزعم دوما بانها الدولة الوحيدة التي يحكم فيها نظام ديموقراطي في منطقة الشرق الاوسط . وقد تساوقت المنظومة الغربية مع هذه الدعاية وتعاملت مع اسرائيل والعالم العربي وفق هذه الدعاية . لكن الانتفاضة قد كشفت الوجه الاخر للدولة العبرية ، حيث اثبتت الانتفاضة ان النظام السياسي في الدولة العبرية سرعان ما يتخلى عن المضامين الديموقراطية في لحظات الاختبار الحقيقية . وقد ظهر هذا في الانتفاضة على النحو التالي :

1-  معروف انه من اهم مزايا النظام الديموقراطي ان تخضع المستويات العسكرية في الدولة لدوائر صنع القرار السياسي المنتخبة ديموقراطيا ، لكن في اسرائيل قد حدث العكس تماما ، اذ تبين خلال انتفاضة الاقصى ان الجيش والمؤسسة الامنية هي التي تقرر والحكومة تنجر لتبني هذه القرارات ، وفي كثير من الاحيان مرغمة . وقد عدد المعلق العسكري الاسرائيلي الكبير روني دانئيل عشرات الحوادث التي  اضطرت فيها الحكومة لتعديل مواقفها للتوافق مع مواقف المؤسسة العسكرية (  القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي ، 26-10-2002) .

2-  الصحافة الحرة هي احد اهم ركائز أي ديموقراطية ، وقد دلت تجربة الانتفاضة على  ان الصحافة الاسرائيلية قد تحولت الى بوق دعاية خاص بالحكومة وتجندت بشكل كامل من اجل خدمة المؤسسة الحاكمة وتبنت الرواية الرسمية الاسرائيلية على الرغم من ان هذه الرواية مختلقة في كثير من الاحيان . ويكفي هنا ان نشير الى انه منذ مطلع العام 2001 وحتى الان قد اعد خمس وعشرين بحثا اكاديميا حول تغطية الصحافة الاسرائيلية لاحداث الانتفاضة ، وقد دلت جميع نتائج هذه البحوث على  ان الصحافة الاسرائيلية قد تحولت الى مجرد بوق للدعاية التي تناسب انظمة غير ديموقراطية .

3-  النظام القضائي في الدولة العبرية وفر الغطاء القانوني لكل عمليات المس بحقوق الانسان الفلسطيني ، فما يعرف ب " محكمة العدل العيا " اضفت صفة قانونية على الجرائم بحق الانسانية التي يرتكبها جيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني ، فهذه المحكمة اجازت ان يقوم الجيش بعمليات التصفية والاغتيال التي هي في الحقيقة عمليات اعدام خارج نطاق القانون ، كما اجازت قيام الجيش بتدمير منازل اسر الاستشهاديين على الرغم من ان هذا الاجراء هو صورة من صور العقاب الجماعي  ، الى جانب الاعتقال الاداري الذي يتم بدون مذكرة اتهام ، فضلا عن الكثير من عمليات المس بحقوق الانسان الفلسطيني .

 

 

لدى اجراء عملية تقييم شامل لتأثير الانتفاضة على الدولة والمجتمع الاسرائيلي فاننا نجد ان هذه الانتفاضة قد هزت هذا المجتمع من الداخل بشكل قوي ،  واظهرت بشكل واضح هشاشته ، كما ان الانتفاضة تواصل الاثبات على بطلان المنطلق الاسرائيلي المؤمن بالقوة في مواجهة ارادة الشعب الفلسطيني في التحرر . فالانتفاضة تثبت لمزيد من الاسرائيليين انه يجدر بهم ان يتوقفوا عن الوهم القائل انه بالامكان احتمال الثمن الباهظ الذي يدفعونه بسبب احتلالهم للارض الفلسطينية .

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر