موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل بين تفجير كنس بغداد ومجزرة رفح

كان هذا شلومو هليل، الذي شغل منصب رئيس الكنيست أواسط الثمانينيات، الذي أرسل عام 1948 ضمن فريق من عملاء " الموساد " لتنفيذ مهمة واحدة ووحيدة، ألا وهي تفخيخ وتفجير كنس يهودية في أرجاء العراق. القرار الذي اتخذه رئيس وزراء إسرائيل الأول دفيد بن غوريون جاء بعدما رفض معظم اليهود في العراق مغادرة وطنهم والهجرة للكيان الصهيوني، فتفتق ذهن بن غوريون عن وسيلة أخرى لإجبارهم على الهجرة لإسرائيل. وقد استعان فريق الموساد بعدد من العملاء من العراقيين، الذين تم تجنيدهم بواسطة ممرضة يهودية عراقية كانت مرتبطة بالموساد. وبالفعل فقد بدأت عمليات التفجير، وتحقق لبن غوريون ما أراد، وهاجر يهود العراق. قصارى القول أن الذي يضبط إيقاع الاستراتيجية الإسرائيلية هو المبدأ الميكيافيلي القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة. وعلى هذا يمكن القياس، فإن كانت إسرائيل كانت مستعدة للتضحية بحياة اليهود لمجرد أن تحقق مكاسب استراتيجية، فهل يعقل أنها ستتردد في المس بحياة الآخرين لتحقيق هذه الأهداف. من هنا لم يكن من الحكمة استبعاد الدور الإسرائيلي في الهجوم على الجنود المصريين في رفح، والذي أسفر عن مقتل 16 جندياً مصرياً. إن هناك الكثير من المؤشرات الظاهرة التي تؤكد إن إسرائيل كانت على علم مسبق بما جرى في رفح بشكل دقيق، وأن الأمر لم يكن مجرد توفر معلومات عامة مسبقة غير محددة لديها عن الجريمة وتفاصيلها، كما زعم المتحدثون باسم الحكومة الإسرائيلية. فقد أصدرت ما يعرف بـ " هيئة مكافحة الإرهاب " التابعة لديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحذيرات عاجلة بمغادرة السياح الإسرائيليين سيناء قبل ثلاثة أيام من الهجوم، بحجة أن هناك معلومات مؤكدة حول نية " إرهابيين " ضرب أهداف إسرائيلية في سيناء. وقام الجيش الإسرائيلي بإصدار تعليمات مشددة لسكان مستوطنة " كيرم شالوم "، المتاخمة لمعبر " كرم أبو سالم " بالتزام الملاجئ قبل تنفيذ العملية، علاوة على أن طائرات الاستطلاع بدون طيار لم تغادر قبل ساعات من العملية أجواء مثلث الحدود بين غزة ومصر والكيان الصهيوني. إلى جانب ذلك، فإن السلوك الإسرائيلي بعد تنفيذ الجريمة بدا وكأنه يسير وفق خطة محكمة، حيث شنت إسرائيل حملة إعلامية مركزة، تبادل فيها كبار الوزراء والقادة العسكريين الأدوار من أجل استنفاذ أكبر قدر من المكاسب الاستراتيجية والسياسية من هذه الجريمة. إن مؤشرات التورط الإسرائيلي فيما حدث في رفح مرتبط بشكل أساسي بالسمات العامة لما يعرف بـ " المجموعات الجهادية "، التي ادعت إحداها المسؤولية عن تنفيذ الهجوم. فهذه المجموعات التي انتشرت مؤخراً في المنطقة، وتحديداً في سيناء، تجعلها أكثر قابلية للاختراق والتوجيه المباشر وغير المباشر من قبل الأجهزة الاستخبارية ( ليس بالضرورة الإسرائيلية فقط ). فهذه التنظيمات ذات أُطر تنظيمية فضفاضة، ولا تملك نسقاً قيادياً ناظماً يوجهها، لديه قدرة على فرض رقابة حقيقية وفعالة على المنتسبين لها. وقد أسهم ذلك في تفريخ وتوالد الكثير من هذه المجموعات، دون أن يكون من اليسير التحقق من مدى تطابق أهدافها المعلنة وأهدافها الحقيقية. فيكفي أن يتم الإعلان عبر الانترنت عن ولادة إحدى هذه المجموعات، بعد أن تنسب لنفسها عمل ما، ثم تختفي حتى بدون أن يكون الأمر مقترن بإجراء أمني اتخذ ضدها، وكأن المطلوب منها فقط القيام بهذا العمل والتلاشي بعد ذلك. ومما ضاعف من سهولة اختراق هذه المجموعات حقيقة أن منتسبيها عادة من ذوي التحصيل العلمي المتواضع، والذين لم يسبق لهم خوض غمار تجارب العمل المقاوم، مما أفقدهم في كثير من الأحيان الحس الأمني، الذي يدفع دائماً إلى إبداء الحذر وطرح الأسئلة الصحيحة وعدم منح الثقة بسهولة. وتدل التجربة التاريخية على أن المخابرات الإسرائيلية حاولت اختراق هذه المجموعات، حيث أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت اتخذت قراراً في مايو 2006 باعتبار ما أسمته في حينه " تنظميات الجهاد العالمي "، أحد مصادر التهديد الاستراتيجي على إسرائيل، وكلفت جهاز الموساد بمواجهة هذه التنظيمات وتركيز العمل ضدها. ومن نافلة القول أن أحد متطلبات مواجهة هذه التنظيمات التي حرص الموساد على الوفاء بها، هو محاولة اختراق هذه التنظيمات ليس فقط لإحباط ما تخطط له من عمليات، بل وتوجيهها للقيام بهذا الفعل أو ذلك. والحقيقة أن هناك تجارب تؤكد سهولة اختراق هذه التنظيمات. ففي العام 2002 عرض الأمن الفلسطيني شهادة فتى فلسطيني لا يتجاوز عمره السابعة عشر، حيث كان هذا الفتى يعتقد أنه يعمل ضمن مجموعة " جهادية "، وتبين له فيما بعد أن الشخص الذي اتصل به وقدم نفسه على أن أحد قيادات العمل " الجهادي " في الخارج، لم يكن سوى ضابط مخابرات إسرائيلية.

بدلاً من استبعاد الدور الصهيوني في هجوم رفح يتوجب التكاتف من أجل سد الثغرات التي تسمح للصهاينة بالنفاذ إلى داخلنا لتحقيق مخططاتهم.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر