موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
فقراء إسرائيل يدفعون فاتورة الربيع العربي

يكاد لا ينتهي الجدل حول ميزانية الأمن الإسرائيلي منذ أن تفجرت ثورات الربيع العربي، وقد تعاظم هذا الجدل في أعقاب فوز محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين بمنصب الرئاسة في مصر. وعلى الرغم من المشاكل الاقتصادية التي تواجها إسرائيل، إلا أن هناك ما يشبه داخل حكومة بنيامين نتنياهو على ضرورة زيادة موازنة الأمن بشكل مطرد لمواجهة تبعات الربيع العربي، مع العلم أن هذا يعني زيادة الأعباء على الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة في المجتمع الصهيوني. ويرى المحللون في إسرائيل إن إسقاطات ثورات التحول الديموقراطي في العالم العربي إسرائيلياً لا تتمثل فقط في زيادة نفقات الأمن بشكل كبير، بل أن هناك مخاوف أن تسهم هذه الثورات في تقليص معدلات النمو وبروز مظاهر الركود الاقتصادي، مما سيجد ترجمته في تراجع إجمال الناتج المحلي الإسرائيلي بشكل كبير. وهذا يعني مضاعفة الحيز الذي تشغله موزانة الأمن من كل من الموازنة العامة للدولة ومن إجمالي الناتج المحلي، أي إن إسرائيل – وفق هذه التوقعات - مهددة بالعودة- لنفس الظروف التي مرت فيها بعد حرب عام 1973، مع كل ما يعنيه هذا من استحالة النمو إلى ركود، واستفحال التضخم. لكن هذه المخاوف لم تؤثر على قادة الجيش والنخبة السياسية الحاكمة، التي تصر على مواصلة زيادة ميزانية الأمن. وقد عبر عن ذلك بشكل واضح رئيس هيئة  الجيش بني جانز الذي قال إن التحولات التي يشهدها العالم العربي توجب تخصيص موازنات إضافية للجيش، معتبراً أن هذه التحولات فاقمت من مستوى وحجم التهديدات على كل الجبهات . وتحدث رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يادلين عن " انقلاب " يجب أن تتشهده موازنة الأمن في حال تحققت التنبؤات السوداوية بانهيار " كامب ديفيد "، بعد فوز مرسي بشكل خاص، و في أعقاب التحولات في العالم العربي بشكل عام. ويعتبر يادلين إن إسرائيل باتت مطالبة بالاستعداد لمراكمة الردع في مواجهة مصر مع كل ما يعنيه ذلك من إدخال تغييرات جذرية على بنية الجيش الإسرائيلي وانتشاره، وهذا ما يعني زيادة حجم ميزانية الأمن بشكل كبير.

ويتفق وزير الحرب الصهيوني إيهود براك مع أولئك الذين يرون أن التحولات في مصر تمثل خطراً حقيقياً على مصير معاهدة " كامب ديفيد "،متوقعاً  أن تتنافس الأحزاب المصرية بعد الثورة فيما بينها على إظهار عدائها لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. ويرى براك إن هذا السيناريو يعني زيادة النفقات الأمنية بشكل جذري، لكن براك يرى إن إسرائيل ليس بإمكانها تأمين النفقات الأمنية لوحدها، لذا لا يتردد في مطالبة الولايات المتحدة بدفع  عشرين مليار دولار إضافية لموازنة الأمن، إسهاماً منها في مساعدة إسرائيل على تحمل تبعات الثورات العربية على أمن إسرائيل القومي. ولم يفت براك أن يذكر الأمريكيين إن استثمار هذا المبلغ سيعود بالنفع على الولايات المتحدة " لأن ضمان تفوق إسرائيل يمثل أحد عوامل الاستقرار في منطقة غير مستقرة ".وعلى الرغم من إن أرباب المرافق الاقتصادية الإسرائيلية يرفضون بشكل تقليدي المسوغات التي تقدمها النخبة الأمنية لتبرير زيادة موزانة الأمن، إلا إن بعضهم يرى إن التحولات التي يشهدها العالم العربي تبرر بالفعل إدخال تغييرات جذرية على هذه الميزانية. ويرى أوري جلاي، مدير عام  المجموعة الاستثمارية " سيجما " إن حجم موازنة الأمن الإسرائيلية اعتمد في العقود الثلاث الماضية بشكل أساسي على حالة الهدوء التي تسود الحدود مع مصر والأردن وسوريا، وهو ما لن يستمر. لذا يتوقع جلاي أن يدفع تعاظم النفقات الأمنية الحكومة الإسرائيلية لتجريد الوزارات المدنية المختلفة من مواردها المالية ونقلها لوزارة الدفاع لتغطية المصاريف الأمنية.

ويتوقع ميشيل ستربتسنسكي، نائب رئيس قسم الأبحاث في بنك إسرائيل أن يتم تجاوز إطار موازنة الأمن بفعل التطورات في العالم العربي، التي ستترك تأثيرها على مصايف الأمن، متوقعاً تجاوز إطار الميزانية..  وينطلق الإسرائيليون من افتراض مفاده إن نجاح الثورة في مصر قد يدفع إلى إحداث تغييرات جوهرية في العالم العربي تمثل تحديات أمنية ذات كلفة اقتصادية باهظة. فهناك شكوك نحو مستقبل التزام الأردن بمعاهدة " وادي عربة " في ظل رأي عام أردني رافض لها. ويرى داني روتشيلد، رئيس " هرتسليا متعدد الاتجاهات "، والذي شغل في الماضي منصب رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إن الذي يفاقم خطورة التداعيات الناجمة عن الثورات العربية حقيقة إنها اندلعت في ظل حالة الجمود الذي تشهده المفاوضات مع الفلسطينيين.ويبرر المطالبون بزيادة موازنة الأمن ذلك بالقول أن النفقات الأمنية تمثل في الواقع استثماراً ذو طابع استراتيجي في النشاط الاقتصادي، لأن هذه النفقات توظف في الجهد الهادف لتقليص المخاطر الأمنية التي تؤثر بدورها على عجلة الاقتصاد.

يتضح مما تقدم إن الاتجاه السائد في تحليلات الإسرائيليين إن الثورات العربية تنذر بتغيير البيئة الاستراتيجية لإسرائيل بشكل، وهو ما يوجب القيام باحتياطات أمنية واسعة تتطلب زيادة مستويات الإنفاق الأمني بشكل كبير، وهذا ما يعني أن تواصل الحكومة الصهيونية تقليص خدمات الرفاه الاجتماعي التي تقدمها بشكل خاص للفقراء، وهذا ما يحولهم للضحايا الرئيسيين للربيع العربي.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر