موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما بين صلاح الدين وبيغن ...إسرائيل وصهينة الوعي الفلسطيني

دون أن تحظى الخطوة بأي رد فلسطيني رسمي، أقدمت إسرائيل مؤخراً على إلزام المدارس الفلسطينية في القدس الشرقية بحذف كل ما يتعلق بمعركة حطين والقائد صلاح الدين الأيوبي من كتاب التاريخ للصف الرابع الابتدائي. بلدية الاحتلال برئاسة النازي نير بركات بررت الخطوة بأنها تأتي " لمحاربة مصادر التطرف والتحريض في مناهج التدريس ". وإن لم يكن هذا كافياً، فقد أصدر وزير التعليم الصهيوني جدعون ساعر قراراً يحظر بموجبه على المدرسين في فلسطين 48 التعرض لقضية النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948. ولكي تشدد الرقابة على مناهج التعليم الفلسطينية، فقد استأجرت سلطات الاحتلال مكتب متخصص في الترجمة لمراجعة كتب التدريس والوقوف على ما يمكن اعتباره مضامين " تحريضية " ورفع تقارير للسلطات الصهيونية لكي تقوم بحذفها.

تقديس القتلة

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أن ساعر هذا نفسه قد أصدر تعليماته مطلع العام الدراسي الحالي يتم إلزام جميع طلاب المدارس في إسرائيل بدراسة سيرة مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، ومؤسس وقائد منظمة " ليحي " الإرهابية التي نفذت عشرات المجازر ضد الفلسطينيين قبل الإعلان عن الكيان الصهيوني، وعلى رأس هذه المجازر: مجزرة " دير ياسين "، التي كان فيها بيغن على رأس مجموعات الإرهابيين الذين نفذوا المجزرة. وفي كتابه " التمرد "، الذي ترجم للغة العربية، لا يجد بيغن غضاضة بالتباهي بارتكاب المجزرة، بل أنه يصل إلى حد القول: " لولا الانتصار في دين ياسين، لما قامت دولة إسرائيل ". بكلمات أخرى، فإنه في الوقت الذي تدفع إسرائيل طلابها لرضاعة التطرف والغلو والاستلاب للعنف والإرهاب من خلال تقديس كبار القتلة والمجرمين في التاريخ الإنساني، فإنه تحظر على الفلسطينيين تدريس أنبائهم الرواية الوطنية التاريخية لأحداث الصراع، وهذا من أبسط حقوق.

ثقافة العنصرية

 أن هذه القضية تصلح لتشكل دليلاً آخر على حجم الخطايا التي ترتكبها سلطة أوسلو، والتي بدت مستسلمة للسلوك الإسرائيلي العدواني ضد الشعب الفلسطيني، مع أنه – لو أرادت – لكان بإمكانها التسبب في كثير من الأذى لإسرائيل في كل ما يتعلق بالتحريض، وما عليها إلا متابعة ما يصدر عن مراكز الأبحاث الصهيوني من دراسات بشأن مضامين التعليم في إسرائيل. فقد دلت معطيات بحث انجز في إسرائيل حديثاً على أن كتب التعليم الإسرائيلية حالت دون تحقيق السلام مع العرب. وحسب البحث الذي أعده الباحث الإسرائيلي ايلي بوديا المحاضر في جامعة حيفا فأن كتب التدريس الاسرائيلية أشعلت طيلة نصف القرن الماضي جذوة الصراع الفلسطيني العربي، وكرست حالة الحرب، وحالت دون التوصل للسلام بين العرب واليهود. ووصف بوديا مناهج التدريس اليهودية ب " المنحرفة "، منوهاً الى أن هذه المناهج تتميز بطغيان الصورة النمطية والأفكار المقولبة حيال العرب، وزرع كراهيتهم في نفوس التلاميذ الإسرائيليين إلى حد الاستنتاج بأن ما جرى داخل جدران المدارس الإسرائيلية قد اثر إلى مدى بعيد في قرار الحرب والسلام لدى قادة الدولة العبرية. البحث الذي جاء تحت اسم " الصراع" الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية العبرية" ، و الصادر عن مؤسسة مدار لدراسة الشؤون الإسرائيلية في رام الله، يؤكد ان الكتب المدرسية الإسرائيلية رعت نوعاً من الصراع الصامت بين الطرفين وحافظت عليه، وقادت بطريق غير مباشر إلى اثارة الصراع المسلح. ولا يفوت بوديا، ان يذكر أن جهاز التعليم الإسرائيلي قد اختار النهج القومي الذي يخضع الماضي لاحتياجات الراهن والمستقبل على حساب الحقيقة والموضوعية في كتابة التاريخ بهدف خلق ذاكرة جماعية متميزة، منوهاً الى أن ثلاثة ارباع الكتب التي تستخدم في المدارس الإسرائيلية ليست مجازة ما يعني انكشاف التلاميذ إلى مواد اكثر خطورة. واكد الباحث أن كتب التاريخ الإسرائيلية التي اخضعها للبحث انشغلت بتعميق القيم الصهيونية ورعاية الأساطير والتمجيد بأبطالها ضمن صهر المهاجرين في بوتقة وذاكرة جماعية واحدة. وينوه البحث إلى أن الكتب المدرسية في إسرائيل تصف الصراع بطريقة تبسيطية أحادية الأبعاد ومشبعة بعدم الدقة إلى حد التشويه. وأوضح الكاتب أن هذه ، من خلالها لشيطنة العرب، وبناء صورة نمطية لدى الطلاب اليهود عن العرب، في حين ظهر اليهود دائماً بصورة الغربيين المتحضرين صانعي السلام مقابل صورة العرب "الخونة العدوانيين المتخلفين والمجرمين والخاطفين القذرين والمبادرين دوماً نحو التدمير". وقد تناولت بعض الكتب

أول مواجهة  بين المسلمين واليهود التي حدثت في المدينة المنورة، حيث يتم وصف القبائل اليهودية في تلك الفترة بأنها " شريفة ومحترمة وشجاعة، بينما وصف العرب بأنهم ماكرون وخونة وبأنهم هزموا اليهود بالخدعة والمؤامرة ".

التعبئة والسراب

لو أن الشعب الفلسطيني استسلم لواقع الاحتلال، لكان يمكن القول أن التاريخ يكتبه " المنتصرون "، لكن معضلة الصهاينة أن الشعب الفلسطيني ليس فقط يقاوم محتليه، بل أنه مؤشرات التراجع لدى هذه المحتلة تبدو ظاهرة للعيان، لدرجة أن وزير الحرب الصهيوني إيهود براك قال ذات مرة يائساً: " الفلسطينيون كالوسادة، كلما وجهت اللكمات إليها كلما استعادت وضعها الطبيعي ". من هنا، فإن الجهود التي تبذلها إسرائيل لصهينة الوعي الفلسطيني ستبوء بالفشل الذريع.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر