موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
التحولات الاقتصادية والطبقية والإثنية ودورها في التطرف الصهيوني؟

لا خلاف على أن عملية التسوية قد وصلت إلى طريق مسدود، إسرائيل ترفض الوفاء بالمتطلبات الأساسية لتسوية الصراع سلمياً، وهي ترفض حتى مجرد الوصول لحلول وسط بشأن قضايا الرئيسة، مثل القدس، اللاجئين، وغيره. وفي الوقت ذاته تواصل الاستيطان والتهويد والقمع. تعاظم الاستيطان منذ التوقيع على أوسلو بأكثر من 60%، ومعظم البنى التحتية المرتبطة بالاستيطان دشنت بعد التوقيع.

في الحقيقة لا يمكن بناء تصور إزاء مستقبل التسوية في المنطقة بالنسبة لإسرائيل بدون محاولة رصد العوامل التي تؤثر في إتجاهات إسرائيل إزاء التسوية

عوامل داخلية:

أولاً:  القيود التي تفرضها العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي هي محور إجماع بين مركبات الطيف السياسي والحزبي الإسرائيلي تؤكد على أن إسرائيل لا يمكنها الاستغناء عن العمق الإستراتيجي التي تمثله الضفة الغربية، والذي يحمي – حسب الرؤية الإسرائيلية – حواضر الساحل في الكيان الصهيوني: تل أبيب والمدن الأخرى التي تضم التجمعات السكانية والصناعية الكبرى.

ثانياً: لقد أدت العقيدة الأمنية التي تمثل اجماعاً للأحزاب الصهيونية يمينية ويسارية عملياً إلى تآكل الفروق الأيدلوجية بين الطرفين. فعلى سبيل المثال حزب العمل يرى أن أية تسوية سياسية للصراع يجب أن تضمن احتفاظ إسرائيل بمنطقة غور الأردن والتجمعات الاستيطانية الكبيرة وما يسمى بالقدس الكبرى، وهذه المناطق جميعاً تشكل حوالي 45% من مساحة الضفة الغربية. إلى جانب رفض الحزب حق العودة ومنح أي من مقومات السيادة لأي كيان فلسطيني يتشكل بعد التسوية. وهذا يعني أن الحد الأقصى من التنازلات الإسرائيلية لا يلتقى مع الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية.

ثالثاً: التحولات الديموغرافية والإثنية والطبقية في إسرائيل: لقد خدمت هذه التحولات بشكل واضح اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل. فقد تعاظم الثقل الديموغرافي للمتدينين في المجتمع الإسرائيلي بسبب الزيادة في نسبة الولادات؛ بالإضافة إلى زيادة ثقل القطاعات الإثنية التي تتضامن بشكل تقليدي مع أطروحات اليمين، مثل المهاجرين الجدد من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي، الذين يشكلون لوحدهم 20% من نسبة المستوطنين. وفي الوقت ذاته، فقد تحولت معظم أصوات أبناء الطبقة الوسطى من يسار الوسط واليسار الصهيوني ليمين الوسط، لأن هؤلاء قبلوا نظرية انعدام وجود الشريك الفلسطيني "، التي روج لها إيهود براك بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد، عام 1999. عملياً لقد اصبح التمايز النظري بين الفريقين في السياسات الاقتصادية الاجتماعية، وهو تمايز نظري وغير حقيقي.

رابعاً: الأوضاع الاقتصادية: الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها إسرائيل وارتفاع أسعار السكن تحديداً في المدن الكبرى دفع الكثير من الأزواج الشابة للتوجه للاقامة في المستوطنات، حيث يتم امتلاك الشقق السكنية في ظروف ميسرة جداً، علاوة على تمتع هؤلاء بحوافز اقتصادية تقدمها الحكومات الإسرائيلية. ونظراً لأن التحسن في ظروف حياة هؤلاء ارتبط بالانتقال للمستوطنات المقاومة على الأراضي التي احتلت عام 1967، فإنهم يرفضون أي تسوية يمكن أن تهدد بقاء التحسن في ظروف حياتهم.

رابعاً: إعادة صياغة النخبة في إسرائيل، وعلى وجه الخصوص النخبة الأمنية، والنخبة الإعلامية بشكل يخدم خطاب اليمين الصهيوني ومواقفه من التسوية. في العقدين الاخيرين كثف المتدينون القوميون من اختراقهم للجيش، فعلى سبيل المثال، أصبحت نسبة الضباط من التيار الديني القومي تمثل 60% من الضباط، وهي نسبة تفوق اربعة اضعاف نسبتهم في المجتمع. وإذا عرفنا أن الجيش هو المسؤول عن تقديم التقديرات الاستراتيجية المهنية، التي على أساسها يتم اتخاذ القرار السياسي، إلى جانب أن هؤلاء الجنرالات يصبحون بعد تقاعدهم النجوم التي تتنافس الأحزاب على استمالتها. وما ينطبق على النخبة الأمنية ينطبق على النخبة الإعلامية، حيث أن رجال الأعمال المتضامنين مع اليمين أصبحوا يديرون أهم وسائل الإعلام في إسرائيل.

عوامل خارجية

ثانياً: ثورات الربيع العربي

أثرت ثورات الربيع العربي على التعاطي الإسرائيلي للتسوية في مستويين:

1- منح صدقية لدعاوي اليمين الإسرائيلي ضد التسوية، حيث أن اليمين الإسرائيلي رأي في الإطاحة بالأنظمة العربية الاستبدادية وصعود الإسلاميين دليل على صدقية مواقفه الرافضة للانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل تسويات سياسية، بزعم أن إسرائيل لا يمكنها التفريط في أوراقها الاستراتيجية مقابل تسويات مع أنظمة غير مضمونة الاستقرار. فعلى سبيل المثال، هناك حالة من الرضا التام لأن المحاولات للتوصل لتسوية سياسية للصراع مع سوريا لم تنجح على الرغم من انها كانت قاب قوسين أو أدنى.

2- ولقد ارتأت النخب الحاكمة في تل أبيب أن الثورات العربية تفرض على إسرائيل إعادة بلورة سلم أولوياتها من جديد، بحيث يتم منح أفضلية للسعي لتعزيز القوة العسكرية، وما يتطلبه ذلك من زيادة موازنة الأمن على حساب الموازنات الأخرى، وإعادة بناء الجيش وإعادة الاعتبار لقيادة المنطقة الجنوبية، التي يفترض أن تتحمل عبء أية مواجهة عسكرية على الحدود مع مصر مستقبلاً، وتبني سياسات تفشفية على الصعيد الاقتصادي تسمح للدولة بالوفاء بهذه المتطلبات.

 

ثالثاً: الانقسام الفلسطيني المعيب أضعف الموقف الفلسطيني ومكن إسرائيل من المناورة وتسويغ عدم استعدادها للوفاء بمتطلبات التسوية، بالقول أن التوقيع على تسوية مع الرئيس عباس مخاطرة لانه لا يمثل كل الفلسطينيين، وقد عبر عن هذا الموقف بشكل واضح وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان. وفي الوقت ذاته، فإن سلوك الفلسطيني المقاوم يمنح إسرائيل الفرصة بحرف اتجاه العالم عن أصل القضية، عبر استغلالها عمليات إطلاق القذائف الصاروخية على المستوطنات اليهودية.

ثالثاً: السلوك الدولي: يشجع السلوك الأوروبي والأمريكي إسرائيل على مواصلة خط التطرفن فهي تدرك أنها لن تدفع عملياً ثمن مقابل موقفها من تسوية الصراع. فالرئيس أوباما تراجع عن كل ما عرضه في الخطاب في جامعة القاهرة، بل أنه مؤخراً – ويا للمفارقة –بات يحمل عباس المسؤولية عن الجمود في عملية التسوية. وما ينطبق على الولايات المتحدة ينطبق على الأوروبيين. فمؤخراً الاتحاد الأوروبي وافق على توسيع دائرة التعاون الاقتصادي والدبلوماسي مع إسرائيل في ستين مجالاً. فعملياً الاتحاد الأوروبي يكافئ إسرائيل على تطرفها، وهذا لا يضمن أن تغير إسرائيل من سلوكها.

وقد أدى هذا الواقع إلى:

حرص إسرائيل على إرساء حقائق على الأرض جعلت من فرص التوصل لتسوية سياسية للصراع ضرباً من ضروب المستحيل، وذلك من خلال التوسع في بناء المستوطنات المقاومة على الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، والتي يفترض أن يحسم مصيرها في المفاوضات.

ثانياً: واصلت حكومة اليمين في إسرائيل خلال عام 2011 التشبث بمواقفها التقليدية من الصراع والتي لا يمكن على أساسها التوصل لتسوية سياسية مع أي طرف عربي. فخارطة التسوية التي توافق عليها إسرائيل من أجل تسوية الصراع مع الفلسطينيين تقوم على احتفاظ إسرائيل بحوالي 70% من مساحة الضفة الغربية، إلى جانب عدم الاستعداد لطرح مصير مدينة القدس المحتلة على طاولة التفاوض على اعتبار أنها يتوجب أن تبقى " عاصمة إسرائيل الأبدية الموحدة "، حسب المنطق الإسرائيلي.

خلاصة

مما تقدم يتبين بشكل واضح وجلي أنه في ظل الأوضاع القائمة، وفي حال لم يحدث فإن فرص التوصل لتسوية سياسية للصراع تؤول للصفر.

المقال ملخص المحاضرة التي ألقاها الدكتور صالح النعامي في " حوار باريس الثالث "، الذي نظمه مركز الدراسات الأوروبية العربية في باريس في 18-9-2012.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر