موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
التحولات في سوق الإعلام الإسرائيلي لخدمة اليمين الصهيوني

من يتصفح موقع صحيفة " إسرائيل اليوم " على شبكة الإنترنت، يصل إلى قناعة مفادها أن هذه الصحيفة تعتمد نفس طرائق عمل صحيفة " الثورة "، الناطقة بلسان حزب " البعث " الحاكم في سوريا، على اعتبار أن السياسة التحريرية لهذه الصحيفة تقوم على تبني الرواية الرسمية لديوان رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، ليس فقط على الصعيد السياسات الخارجية، بل على الصعيد الداخلي. لكن هناك فرق واحد بين صحيفة " الثورة " السورية، و" إسرائيل اليوم "، فالأولى صحيفة حكومية تمثل حزب حاكم في نظام قمعي، بينما الثانية صحيفة " خاصة "، في نظام يدعي أنه " ديمقراطي "، يفترض أن تكون فيه الصحافة أداة رقابة حقيقية. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا تنتهج هذه الصحيفة – التي أصبحت الأكثر انتشاراً من بين الصحف الإسرائيلية – هذا النهج، الذي لم تتحلل فقط بموجبه من أي دور رقابي على حكومة نتنياهو، بل أصبحت بوقاً رخيصاً لها؟. الإجابة بسيطة، صاحب هذه الصحيفة المياردير اليهودي شيلدون أديلسون أراد – ببساطة شديدة – تسخير هذه الصحيفة لخدمة الخط الدعائي لليمين الإسرائيلي، ومن أجل تحقيق هذا الغرض، فإن هذه الصحيفة هي الوحيدة في إسرائيل التي توزع مجاناً. أدلسون، الذي جمع ثروة هائلة من خلال إقامة كازيونات للقمار في أرجاء الولايات المتحدة يبدي حماساً شديداً لتمويل كل نشاط يمكن أن يخدم اليمين الإسرائيلي. ولهذا الغرض، فإنه لم يتردد في إعلان دعمه مرشح الرئاسة الجمهوري في الولايات المتحدة ميت رومي، وأنفق حتى الآن 80 مليون دولار على حملته الانتخابية، وأعلن أنه قد قرر تخصيص عشرات الملايين من الدولارات لتنظيم حملات لإقناع الناخبين اليهود في بعض الولايات الحاسمة في الولايات المتحدة للانتقال من دعم أوباما لرومني. من الواضح أن دعم رومني جاء لأنه الأكثر توافقاً مع الخط المتطرف لليمين الصهيوني. وفي ذات السياق، فقد استغل المليونير اليهودي المتطرف شلومو بن تسفي الضائقة الاقتصادية التي تمر بها صحيفة " معاريف " وقام بشرائها، حيث أنه ينوي إحداث تغيير جوهري في الخط التحريري للصحيفة، بما يخدم الخط الدعائي لليمين.

يمولون الاستيطان والتهويد

لكن رجال الأعمال والأثرياء اليهود لا يكتفون بتمويل الأنشطة الدعائية لليمين وتحسين ظروف عمل النخبة السياسية لليمين على الساحة الدولية، من خلال التأثير على نتائج الانتخابات الأمريكية، بل أنهم يلعبون دوراً مركزياً في دعم الاستيطان في الضفة الغربية ومشاريع التهويد في القدس المحتلة.فالملياردير اليهودي الأمريكي أورفينغ ميسكوفيتش لا يتردد في تمويل أي مشروع إستيطاني في القدس ومحيطها، وذلك بالتعاون مع منظمة " عطيرات كوهنيم "، التي تتولى الإشراف والتنفيذ على هذه المشاريع. فمن وراء الكواليس وبعيداً عن الأضواء، وعلى بعد آلاف الأميال يتابع ميسكوفيتش أدق التفاصيل المتعلقة بالأنشطة الإستيطانية في القدس.فلا يكاد يخلو تقرير إسرائيلي يتعلق بمشاريع التهويد التي تعصف بالمدينة دون الإشارة للدور الذي يقوم به ميشكوفيتش. فهذا العجوز الذي جمع ثروة طائلة من خلال المضاربات لا يتردد في دفع أي مبلغ بهدف دفع مشاريع التهويد قدماً في المدينة المقدسة، والتي كان أخرها شراء فندق " شبيرد " في القدس الشرقية والذي كان في الأساس منزل الحاج أمين الحسيني مفتي القدس وقائد الثورة الفلسطينية الكبرى التي تفجرت عام 1936. وإلى جانب ذلك فإن هناك تبادل أدوار واضح حكم العلاقة بين ميسكوفيتش من جهة وبين النخب السياسية الحاكمة في تل أبيب بشأن مشاريع التهويد في القدس، حيث أنه في الوقت الذي كانت فيه النخب الحاكمة تحرص على إصدار القرارات والتشريعات المتعلقة بدفع مشاريع التهويد قدماً فإن ميسكوفيتش كان يتولى تمويل هذه المشاريع. وقد نشأت علاقة خاصة بين ميسكوفيتش ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق أرئيل شارون والتي تجذرت بشكل خاص منذ أن كان شارون يشغل منصب وزير الأسكان في العام 1990 والتي أعلن خلالها عن انطلاق مشروع " القدس الكبرى "، والذي كان يهدف إلى رفع عدد اليهود القاطنين في المدينة ومحيطها إلى مليون مستوطن. وقامت خطة شارون على بناء 26 حي يهودي جديد في البلدية القديمة من القدس ومحيطها، حيث لعب ميسكوفيتش الدور الحاسم في تمويل معظم مشاريع البناء التي أقيمت في المدينة منذ ذلك الوقت. ومن نافلة القول أن ميسكوفيتش يعمل من منطلقات دينية متطرفة، حيث أن مشاريع التهويد التي يعكف على تمويلها تهدف إلى  إقتطاع كل المناطق التي يدعي اليهود أنها تنتمي إلى ما يسمى بـ " الحوض المقدس "، الذي يضم قبور أنبياء وملوك اليهود بزعمهم، وهذا هو الذي يفسر حماس ميسكوفيتش الشديد للإستثمار في البناء في بلدة " سلوان "، التي تقع شرق القدس، حيث يعتبر اليهود أن هذه البلدة تحتضن المدينة التي بناها النبي داود قبل ألفي عام. وقد مول ميسكوفيتش شراء 560 دونم في الحي المذكور ، حيث أقيمت على هذه الأرض ما يطلق عليه المستوطنون " مدينة داود "، فضلاً عن مسؤوليته عن شراء معظم العقارات والمنازل في المدينة.

جوتنك يحاول حسم الخليل

وإن كان ميسكوفيتش يتولى تمويل عمليات التهويد في القدس، فإن الملياردير اليهودي الإسترالي اسحاق جوتنيك يتولى تمويل عمليات التهويد والإستيطان في مدينة الخليل ومحيطها. وترى محافل إسرائيلية إن المستوطنين تمكنوا من شراء الكثير من العقارات في الخليل ومحيطها بفعل التبرعات السخية التي يقدمها جوتنيك. جوتنك الذي جمع ثورة طائلة من الإتجار بالمجوهرات يخصص أموال طائلة لدعم البناء في مدينة الخليل وتحديداً في البلدة القديمة منها، فضلاً عن تمويل إقامة أحياء سكنية كاملة في المستوطنات التي تقع في محيط الخليل، مثل مستوطنة " كريات أربع ". ويقوم جوتنيك بتمويل الأنشطة السياسية والإجتماعية التي ينظمها المستوطنون في الخليل الذين يعتبر من غلاة المتطرفين. ويتولى جوتنيك تمويل الأنشطة القانونية التي تخصص للدفاع عن المستوطنين أمام المحاكم، مع العلم أن المستوطنين في الخليل لا يترددون عن الإعتداء على المواطنين الفلسطينيين والتنكيل بهم.

والسؤال البسيط الذي يمكن أن يطرح هنا: إن كان هذا ما يفعله أثرياء اليهود في دعم اليمين الصهيوني، وفي التهويد والاستيطان.... فأين هم الأثرياء العرب من دعم الوجود الفلسطيني في القدس والخليل وغيرها؟.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر