موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تقديم المفكر والكاتب العربي الكبير الاستاذ فهمي هويدي
الصراع حين يدور إعلامياً اذا ما سجل تاريخ العلاقة بين الصحافة والسياسة، فلا بد أن يتوقف ذلك السجل طويلاً أمام تجربة الصحافة الإسرائيلية بوجه خاص – لماذا؟ لأن المشروع الصهيوني من أوله الى آخره انبنى على مجموعة من الادعاءات والأوهام والأكاذيب التي بدأت بأسطورة شعب الله المختار وأرض الميعاد، وانتهت الى تسويغ اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه لتنزيل اساطير من عالم الادعاء والخيال الى أرض الواقع. وظل مطلوباً طول الوقت من الصحافة الإسرائيلية أن تحكم نسج هذه الأكذوبة، وأن تسوغ ممارسات الاحتلال وتتستر على جرائمها، وأن تعيد تشكيل ادراك مجموع المهاجرين الذين تم استجلابهم الى فلسطين، بحيث تضعهم في " الاطار الصحيح ". وهو ما يدعونا الى القول ان بأن الصحفيين في اسرائيل منذ السنوات الأولى للدولة العبرية، مارسوا مهمتهم باعتبارهم كتيبة مقاتلة تتحرك في استراتيجية المشروع الصهيوني وتتولى الدفاع عن كل مخططاته وسياسته الوحشية... كيف؟ مع تطور الحركة الصهيونية، خصوصاً بعد صدور وعد بلفور، أصبحت الصحف العبرية في فلسطين جزءاً من تلك الحركة وبوقاً لها، ومن أجل من أن تقوم بذلك الدور بكفاءة أكثر اتفقت تلك الصحف على تشكيل جسم تمثيلي لها ( عام 1942 ) اطلق عليه في البداية " لجنة الردود ". وهذه اللجنة كانت تتولى نقل التعليمات من الحركة الصهيونية، ثم توصيلها الى وتبنيها من جانت مختلف الصحف الحزبية والدينية اليهودية. بعد الاعلان عن الدولة ( عام 1948) تغير اسم لجنة الردود، فأصبح " لجنة محرري الصحف ". ووجدت اللجنة أنها يجب دور المساعدة على استقرار الحكم العبري في فلسطين، فبادرت الى المطالبة بايجاد رقابة عسكرية على الصحف. بل أنه حتى قبل انتهاء الانتداب البريطاني واعلان الدولة، زخرت الصحف العبرية في فلسطين بالكثير من المقالات التي دعت الى اقامة " جسم رقابي " على ما تنشره الصحف. أكثر من ذلك فأن نقابة الصحافيين تطوعت وقامت بتوفير مقر لأحد العسكريين لكي يقوم بدور الرقيب على الصحف، فأخلت احدى الغرف في مقرها العام في مدينة تل ابيب في العام 1947. هذا الرقيب العسكري كان الناطق بلسان القوات " الهاجناة " ( المليشيا الرسمية للحركة الصهيونية التي أصبحت نواة الجيش الاسرائيلي بعد تشكيل الدولة )، ومن مقر نقابة الصحافيين كان يتولى مراقبة الصحف. وبمضي الوقت انتقل الرقيب الى مقر مستقل وكان يوصف بأنه " مراقبة الصحافة التابع لمكتب الأمن "، وأصبح له مساعدون يتلقون المواد التي تبعث بها الصحف لمراجعتها. وعندما كانت المعلومات ذات الطابع الأمني تتسرب الى الصحافة، وكانت لجنة محرري الصحف هي التي تطالب بتشديد اسلوب الرقابة واحكامه، بشكل يحول دون تسريب المعلومات ذات الطابع الأمني الحساس. هذا الوضع استقر بمضي الوقت وجرى تقنينه، بحيث أصبح القانون يحظر على وسائل الاعلام والمطبوعات نشر وبث موادها قبل أن تحصل على ذلك من سلطات الجيش، ممثلة بمؤسسة الرقابة العسكرية. بل أنه حتى العام 1989 كانت تلك الرقابة تشمل العروض المسرحية لكنها الغيت في وقت لاحق ازاء ذلك، فقد اعترف القانون بحرية التعبير والصحافة، والحق في نشر المعلومات وتمكين الجمهور من ممارسة حقه في المعرفة، وفي الوقت ذاته فأن المؤسسة الحاكمة سمحت باستخدام جهاز عسكري متكامل، وظيفته منع نشر المعلومات. وهو وضع سانده النظام القضائي، فرئيس المحكمة العليا في اسرائيل أهم مرجعية قضائية في الدولة ( القاضي اهارون براك ) قال صراحة أنه: عندما لا يكون هناك مفر من الاختيار بين قيمة الأمن وحرية التعبير، فليس هناك شك في ضرورة تقديم الأمن الذي يمثل قيمة الحياة. هذه القصة كشف النقاب عن تفاصيلها التي تنشر بالعربية لأول مرة في هذا الكتاب لزميلنا: الصحافي الباحث صالح النعامي، المقيم في غزة، والذي عكف على تتبع مسيرة الاعلام الإسرائيلي بتدقيق لافت للانتباه. اننا بإزاء كتاب يضيف الكثير الى معارفنا عن اسرائيل، وهو حين يضيف فأنه ينير، ويوفر للباحثين والمعنيين بالشأن الإسرائيلي مفاتيح مهمة لفهم الكيفية التي يدار بها الصراع في الساحة الاعلامية وهو جهد يستحق عليه زميلنا صالح النعامي كل ثناء وتقدير. فهمي هويدي
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر