موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
متطلبات الصمود في المواجهة الحتمية مع إسرائيل

بخلاف أولئك الذين يتحدثون عن مضامين ودلالات النصر الكبير الذي حققته المقاومة الفلسطينية في مواجهتها الأخيرة مع الكيان الصهيوني – وهو نصر كبير بكل المقاييس - فإنني سأؤجل الحديث عن هذه المضامين، وأركز الحديث على المواجهة القادمة شبه اليقينية بين غزة وإسرائيل، ومتطلبات تحقيق النصر فيها. لا أشارك الرأي الأخوة الذي غلبهم الحماس، وجزموا بأن المواجهة الأخيرة هي آخر المواجهات وأن الصهاينة " لن يجرؤوا في المستقبل على غزو غزة؛ بل على العكس تماماً، فكل من يعرف العقلية التي تحرك النخب الحاكمة في تل أبيب؛ يدرك أن إسرائيل لن تسلم بنتائج الجولة الأخيرة. وهناك العديد من العوامل التي تدفع الكيان الصهيوني للتخطيط لعدوان جديد وحاسم على قطاع غزة، وذلك لأن هناك قناعة متجذرة لدى الرأي العام والنخب في تل أبيب بإن الكيان الصهيوني قد خرج مهزوماً في المواجهة الأخيرة. ومما زاد من الإحباط لدى الرأي والعام النخب في إسرائيل بأن دوائر صنع القرار في تل أبيب دائماً عرضت غزة ومقاومتها كالحلقة الأضعف، مقارنة بغيرها من الأطراف العربية، وبالتالي لا يوجد تسليم بأن غزة تحديداً هي التي تحقق هذه النتائج. أن السؤال الذي يحرج صناع القرار في تل أبيب، والذي يتكرر باستمرار، يقول: " كيف لم يجرؤ حزب الله بعد حرب 2006، على إطلاق ولو قذيفة واحدة على إسرائيل، على الرغم من أن إسرائيل اغتالت عماد مغنية، قائد ذراعه العسكري؛ وعلى الرغم من أن مخزونه من الصواريخ أكبر بكثير من مخزون حماس، في حين أن  حماس؛ التي اعتقد صناع القرار في تل أبيب أنهم قد راكموا في مواجهتها ردعاً كبيراً في أعقاب حرب 2008، لا تتردد في نسف قواعد المواجهة السابقة، وتقوم بقصف تل ابيب والقدس، بعد اغتيال الشهيد القائد أحمد الجعبري.

لماذا ستخطط إسرائيل لحرب حاسمة على غزة؟

أن سيادة الشعور بالانكسار في إسرائيل في أعقاب المواجهة قد أدى إلى عدد من التحولات، التي تجعل من التخطيط لشن حملة جديدة على غزة شبه يقيني، ويمكن إيجازها في التالي:

أولاً- أصبح في حكم المؤكد أن ملف غزة سيكون على رأس أجندة الحكومة الصهيونية القادمة التي ستشكل في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية التي ستنظم أواخر يناير القادم. فمن الواضح أن نتائج هذه الانتخابات ستتأثر بما آلت إليه المواجهة الأخيرة مع المقاومة في غزة؛ وبشكل أوضح ستفضي هذه الانتخابات إلى تعزيز قوة الأحزاب والحركات التي انتقدت سلوك حكومة نتنياهو تجاه غزة، وطالبت بمزيد من القوة من أجل حسم المواجهة مع القطاع. وعلى راس هؤلاء حزب " البيت اليهودي "، بقيادة شلومو بنت؛ الذي من المتوقع أن يقفز تمثيله في البرلمان من 3 إلى 10 مقاعد؛ في حين ستحصل حركة " إسرائيل قوية " بقيادة الهاذي ميخائيل بن آرييه على تمثيل في الكنيست. كما أن الأحزاب التي تمثل يمين الوسط، والتي ستشارك في الانتخابات لأول مرة، مثل حزب " ييش عتيد "، برئاسة يائير لبيد، والحزب الذي سترأسه تسيفي ليفني، ستحقق انجازات مهمة؛ وقادة هذين الحزبين لا يخفيان حماسهما لخيار القوة مع غزة.

ثانياً: نتنياهو أصبح بعد مواجهة غزة نمر جريح؛ حيث أن استطلاعات الرأي تتوقع تراجع كبير في عدد المقاعد التي ستحصل عليها القائمة الموحد لحزبي " الليكود " و " إسرائيل بيتنا "؛ كما أن من المتوقع أن تسفر الانتخابات التمهيدية التي أجريت في الليكود لاختيار مرشحي الحزبين للكنيست، والتي سيعلن عن نتائجها صباح اليوم الإثنين ستسفر عن تحقيق متطرفي الحزبين انجازات مهمة؛ وهذه بحد ذاته سيضمن أن تكون الحكومة القادمة بالغة الحساسية تجاه أي سلوك من غزة؛ حيث ستستغل ذلك من أجل مراكمة قوة الردع مجدداً في مواجهة القطاع.

استراتيجية موحدة للمقاومة ومواجهة العبث

أن أبسط مقومات الحكمة أن يبني أي طرف في صراع ما مخططاته تجاه عدوه على أساس أسوأ السيناريوهات؛ حتى لا يكون عرضة للمفاجآت؛ من هنا، فإن المقاومة الفلسطينية مطالبة، إلى جانب الاستعدادات العسكرية والحرص على توفير كل أسباب القوة والمنعة العسكرية أن  تبلور استراتيجية موحدة والتزام الجميع بها. فلا يعقل بحال من الأحوال العودة للظروف التي كانت سائدة قبل المواجهة الأخيرة، حيث كان يفعل كل فصيل ما يحلو له. وأن يكون العمل المقاوم مرتبط بالاعتبارات الفلسطينية المحضة وليس بأي اعتبار آخر. فلا يعقل أن يجر تنظيم ما التنظيمات الأخرى والجماهير لمواجهة بناء على اجتهاد خاص به. ولا يعقل أن تقوم بعض المجموعات الصغيرة قبل المواجهة الأخير بإطلاق الصواريخ على الاحتلال وتزعم أن هذا يعكس حقها في الجهاد والمقاومة؛ ثم عندما تندلع المواجهة الشاملة مع الاحتلال تلتزم الصمت !!!. أن هذا العبث يجب أن يتم وضع حد له؛ فلا يعقل أن تستدرج المقاومة، ومعها الجماهير الفلسطينية لتبعات مواجهة بناءً على اعتبارات مجموعات صغيرة، هناك جدل كبير حول دوافعها الحقيقية.

مراعاة قدرة الناس على الصمود

لقد دلل  الشعب الفلسطيني – بحق وبدون أية مبالغة – أنه شعب عظيم؛ مستعد لتقديم أعظم تضحية  من أجل قضيته؛ وتسطير أسمى مظاهر الصمود في سبيلها؛ ولولا هذا الصمود لما حققت المقاومة أي من انجازاتها؛ فصمود الناس واحتضانهم للمقاومة المتطلب الرئيس للنصر. لكن تعزيز قدرة الناس على الصمود والثبات يتطلب أولاً وجود استراتيجية موحدة للمقاومة، وهذا ما يجعل بلورة هذه الاستراتيجية أمراً ملحاً.  ومن الأهمية بمكان أن يقتنع رجل الشارع الفلسطيني أن هناك أهداف واضحة للمقاومة يمكن تحقيقها، المواطن معني بالتخلص من ظاهرة " عشوائيات المقاومة "، المستلبة لها بعض المجموعات. ومن نافلة القول أن أحد الشروط التي يجب أن تفي بها استرايجية المقاومة هو مراعاة قدرة الناس وإمكانيات تحملهم ردات فعل العدو.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر