موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا حماس مطالبة ب " عناق الدببة " مع عباس لمواجهة إسرائيل ؟

تحدثت في المقال الذي نشر في العدد السابق عن الأسباب التي تدفع للاعتقاد أن إسرائيل ستحاول شن حملة عسكرية جديدة على قطاع غزة تكون أكثر قسوة، ولا مجال للعودة لسرد هذه الأسباب. لكن من الأهمية بمكان أن ندرك أن قرار شن إسرائيل عدواناً جديداً لا يتوقف فقط على إرادة إسرائيل وحدها؛ بل هناك مجموعة من العوامل والظروف التي تساعد الكيان الصهيوني على شن الحرب والعدوان. وهذا يعني أنه كلما تم حرمان إسرائيل من توفير هذه الظروف، فإنه سيكون من الصعوبة بمكان على صناع القرار في تل أبيب شن حملة جديدة على القطاع. وأزعم أن أحد أهم الظروف التي تقلص من قدرة إسرائيل على شن العدوان هو تمتين الجبهة الداخلية الفلسطينية والسعي بكل قوة لإنهاء حالة الإنقسام الفلسطيني السائدة حالياً.

الوحدة كعائق أمام عدوان إسرائيل

أعي أن الكثيرين في الساحة الفلسطينية قد يئسوا من سلوك رئيس السلطة محمود عباس ولم يعودوا يثقون بأنه بالإمكان استعادة الوحدة الوطنية، إن كان الأمر يتوقف عليه؛ ليس فقط بسبب مواقفه من القضايا التي أثيرت خلال جولات الحوار الوطني، بل أيضاً بسبب المواقف التي عبر عنها، والتي عكست تخلياً واضحاً عن الثوابت الوطنية، والتي كان آخرها استعداده للتنازل عن حق العودة للاجئين. ولكن  تمتين الجبهة الداخلية، كأحد متطلبات الصمود في وجه العدوان الصهيوني، هو هدف يستحق المثابرة في السعي لتحقيقه، بدون كلل؛ دون أن يقترن الأمر بأي تنازل عن الثوابت الوطنية الفلسطينية. أن أهمية تحقيق الوحدة تكمن في أن الانقسام منح إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية المتحالفة معها هامش مناورة كبير في التعاطي مع الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني في النهاية. فهذه الأطراف تتعامل مع قطاع غزة كجزء من " محور الشر "، الذي يجوز ويتوجب ضربه وعدم السماح بتطوره؛ وفي المقابل تعاملت مع الضفة الغربية، باعتبار السلطة فيها جزء من " محور الاعتدال ". هذا الواقع مكن إسرائيل في الماضي من تسويغ عدوانها على قطاع غزة، في ظل تمتعها بشرعية دولية واضحة، على اعتبار أنه بات في نظر العالم أن هناك كيانان، أحدهما كيان " معتدل و " مسالم "، والآخر كيان " عاق "، بالإمكان ضربه. من هنا، فإنه كلما تمكنا من إنهاء الانقسام، كلما صعبنا مهمة إسرائيل في مراكمة شرعية دولية لضرب غزة ومقاومتها.

 

" الأشرار "  يحظون بالتنازلات

أن هناك فرصة كبيرة لانجاز الوحدة في ظل انتصار المقاومة في غزة، وفي ظل إفلاس خيار المفاوضات؛ فلم يعد أمام عباس ما يدلل به على صدقية برنامجه السياسي. لقد تبين للمواطن الفلسطيني قبل غيره أنه ليس بالضرورة أن يكون طرف ما في " محور الشر "، حسب الاعتبارات الأمريكية الإسرائيلية، ويخسر؛ كما أنه ليس بالضرروة أن يكون المرء ضمن " محور الاعتدال " ويكسب. بل على العكس تماماً فقد تبين أن الطرف الممانع، الذي يرفض الإملاءات الإسرائيلية الأمريكية ويقاوم إسرائيل، هو الذي يحصل في النهاية على التنازلات المؤلمة من إسرائيل. فما لم ينجح عقدان من المفاوضات في تحقيقه حققته المقاومة، عندما تمكنت من الإفراج عن مئات الأسرى في صفقة " وفاء الأحرار "؛ وبفضل المقاومة وتحت وطأتها توافق إسرائيل على توسيع نطاق الصيد للصيادين وتسمح للمزراعين للوصول حتى الخط الحدودي الفاصل بين القطاع والكيان الصهيوني. وفي المقابل  يواصل جيش الاحتلال والمستوطنون كل أشكال العربدة ضد أهلنا في الضفة الغربية؛ ناهيك عن تواصل الاستيطان والتهويد؛ إلى جانب توجيه الإهانات لشخص عباس؛ والتي وصلت إلى حد وصف وزير الخارجية الصهيوني أفيغدور ليبرمان له بأنه " بعوضة ".

" عناق الدببة " لعباس

أن أهمية ما تمت الإشارة إليها سابقاً تكمن في أنه قد تكرس في الوعي الجمعي الفلسطيني أن البرنامج السياسي لعباس قد لفظ أنفاسه؛ ولن يجد هو في النهاية مفر من الوصول إلى أحد استنتاجين، وهما؛ إما التنازل عن برنامجه بشكل نهائي والموافقة على برنامج قواسم مشتركة، يقوم على تخليه عن مواقفه البائسة من المقاومة؛ وينهي الرهان على خيار المفاوضات؛ وإما أن يتخلى عن مسؤولياته؛ إذا ظل مصراً على مواقفه. وحتى يصل عباس لقراره، فإنه يتوجب على حماس التعاطي معه بمنتهى الحكمة، وبكل تأكيد، فإن النصر الكبير الذي حققته المقاومة في المواجهة الأخيرة يمنح حماس هامش مرونة كبير في التعاطي مع عباس من منطلق القوة،  واحتضانه من أجل استدراجه إلى برنامج القواسم المشتركة، لأن عباس في النهاية لا يمكنه أن يتجاهل الوقائع على الأرض. أن أهمية الحرص على اسستدراج عباس وإبعاده عن المربع الذي يقف فيه حالياً، تكمن أيضاً في حقيقة أن هناك قطاعات شعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة تنتمي لحركة " فتح "، وهي – حتى وإن كانت لا تقتنع بما يقدم عليه عباس – فإنها ملتزمة بتأييده لاعتبارات عديدة. من هنا، وفي حال تم انجاز الوحدة الوطنية، فإن هذا يعني حشد أكبر قطاع جماهيري ممكن خلف المقاومة؛ وهذا بكل تأكيد يقلص قدرة إسرائيل على المناورة، ويجعل مهمة مراكمة شرعية دولية لضرب القطاع مسألة بالغة التعقيد والصعوبة.  لذلك يتوجب الإشادة بدعم حماس لخطوة عباس التوجه للأمم المتحدة ومحاولة الحصول على عضوية في الأمم المتحدة. يمكنا هنا التعلم من عالم الحيوانات المفترسة، فالدببة عندما تحاول أن تبطش ببعضها، فإنها تقوم ابتداءً بعناق بعضها البعض، ثم تنقض؛ بالطبع ليست هذه دعوة للانقضاض على عباس، بل استدراجه من أجل مساعدته ومساعدتنا  على التخلص من برنامجه السياسي العقيم؛ لذا يجب أن يتوقف بعض القادة عن تصريحاتهم الاستفزازية ضد عباس بعد العدوان الأخير...فيجب ألا ننسى أن الانتصار يولد التواضل.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر