موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
" الكيماوي " يرفع قيمة نظام الأسد لدى إسرائيل

أشرنا في مقال السابق عن حالة الفزع التي تلبست إسرائيل بسبب المخاوف من تسرب السلاح الكيماوي السوري لجماعات معادية لها، في حال سقط النظام. وقد شكل تفجر هذه القضية مسوغاً للكثير من النخب الإسرائيلية التي باتت تؤمن بأن بقاء نظام الأسد هو الخيار الأفضل الكيان الصهيوني. وتشير هذه النخب إلى حقيقة أنه في حال سقط النظام، فإن هناك خطر داهم يتمثل في إمكانية سيطرة الحركات الإسلامية أيضا الترسانة العسكرية السورية، سيما المخزون السوري من الصواريخ، التي يغطى مداها جميع المدن في إسرائيل، ومما يفاقم هذا الخطر حقيقة تأكد إسرائيل من أن الكثير من هذه الصواريخ مزودة برؤوس كيماوية. ومن " فضائل " بقاء النظام السوري في نظر الإسرائيليين هو حقيقة أن الحدود بين إسرائيل وسوريا حالياً هي الحدود الأكثر هدوءً مقارنة مع الحدود مع الدول العربية الأخرى، على الرغم من إن سوريا في حالة حرب مع إسرائيل من ناحية رسمية. ولم يكن من سبيل المفارقة إن تستقطب هضبة الجولان أعداداً كبيرة من المستوطنين اليهود الجدد للإقامة فيها بفعل الهدوء التام على جانبي الحدود. في الوقت، ذاته في أن النظام القائم في دمشق حالياً أراح إسرائيل من تبعات الخوض في سباق تسلح معه، حيث أن هذا النظام سواء في عهد بشار أو والده لم يضع مسألة تغيير ميزان القوى الاستراتيجي الذي يميل لصالح إسرائيل على الأجندة الوطنية السورية بشكل جدي. وفي المقابل فإن كل ما يعني النظام هو الحفاظ على حكم الأقلية العلوية، مع كل ما يعنيه هذا من حشد موارد سوريا لمتطلبات الأمن الداخلي التي تضمن استقرار الحكم ومواجهة المعارضة من الداخل. وقد أسهم هذا الواقع من تمكين إسرائيل من تطوير قدراتها الحربية والتقنية لمواجهة تهديدات أخرى. وفي تل أبيب يرون أن النظام السوري يمثل نموذجاً للنظام العربي الذي نجحت إسرائيل في مراكمة قوة الردع  إزائه بشكل واضح، والدليل على ذلك عدم محاولة هذا النظام الرد على الاستفزازات الإسرائيلية التي تمثلت في قصف المنشأة البحثية النووية السورية في شمال شرق سوريا أواخر عام 2006، وقيام الموساد بتصفية عدد من المسؤولين عن البرنامج النووي السوري، علاوة على تصفية قائد الذراع المسلح لحزب الله عماد مغنية. وبسبب المخاوف من سقوط السلاح الكيماوي في ايدي الجماعات الإسلامية، فإن الصهاينة يعون تماماً أن سقوط النظام القائم يعني المخاطرة بصعود الإسلاميين للحكم، سيما جماعة الإخوان المسلمين، على اعتبار أنها أكثر جماعات المعارضة السورية تنظيماً، ويسهم هذا السيناريو في تغيير البيئة الإستراتيجية لإسرائيل بشكل سلبي للغاية، لأنه سيتزامن مع الصعود المتوقع لتأثير نفس الجماعة على دائرة صنع القرار في مصر. وقلق إسرائيل كبير سواء سقط النظام أو ضعف الى حد كبير لأن هذا الوضع في الحالتين سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الخطيرة في المنطقة، قد تفضي إلى حروب لا ترغب بها إسرائيل. وهناك في إسرائيل من يشير إلى أن أحد أهم أسباب اندلاع حرب عام 1967 كان عدم استقرار الأوضاع في سوريا عشية هذه الحرب، مما دفع حكامها للتحرش بإسرائيل. و حتى لو لم يسقط النظام واندلعت حرب أهلية داخل سوريا، فإن هذا يمثل سيناريو بائس بالنسبة لإسرائيل، لأن نشوب حرب أهلية يحمل في طياته خطر تشكل عصابات مسلحة، ستتجه للعمل المسلح ضد إسرائيل، وسيكون من الصعب جداً على إسرائيل الضغط عليها عسكرياً لعدم وجود عنوان سلطوي واحد وجامع، كما هو الحال مع النطام الحالي. وفي تل أبيب يعون أنه حتى لو تأسس نظام ديموقراطي في سوريا في أعقاب الأسد، فإن هذا النظام سيعمل على إحراج حكومات اليمين في إسرائيل، التي مررت تشريع في الكنيست يقضي بفرض القانون الإسرائيلي على هضبة الجولان، وهذا يعني أن النظام الديموقراطي في سوريا الجديدة سينجح في مضاعفة الضغوط العالمية على إسرائيل للانسحاب من هضبة الجولان، كجزء من تسوية شاملة للصراع. وعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو مستهجناً، إلا أن صناع القرار يربطون بين استقرار نظام الأسد والنظام الأردني، حيث تسود خشية من أن يؤدي سقوط النظام الأسد إلى التأثير سلباً على استقرار نظام الحكم في الأردن، الذي يعتبر أوثق حلفاء إسرائيل في المنطقة، والذي ينطوي سقوطه على تهديد وجودي على إسرائيل، لدوره الحاسم في تأمين الحدود الطويلة جداً التي تفصل الأردن عن فلسطين، والتي يتطلب تأمينها دفع كل ألوية المشاة المختارة في الجيش الإسرائيلي لتنفيذ هذه المهمة، في حال غاب التعاون الأردني. وبالعودة لقضية السلاح الكيماوي السوري، على الأطراف التي ترغب في مساعدة اسرائيل في التخلص منه، سيما الأطراف العربية، عليها أن تذكر أن مخزون السلاح الكيماوي يخص الشعب السوري وليس نظام الأسد، لقد تم تطوير هذا السلاح وانتاجه بعرق السوريين لكي يعمل على تحسين موازين القوى التي تميل لصالح إسرائيل. ولا حاجة للتذكير أن سوريا في ظل نظام الأسد وبعد أن تتخلص منه ستظل في حالة عداء مع إسرائيل التي لا تواصل احتلال أراض سورية، بل أنها ضمت هذه الأراض لها وتتعامل معها كجزء لا يتجزأ من الكيان الصهيوني. وإن كان نظام الأسد الطاغي الفاسد كان حريصاً على اقتناء السلاح الكيماوي لتحسين موازن القوى مع إسرائيل، فإن النظام الوطني الثوري الذي سيخلف الأسد يجب أن يكون أكثر حرصاً على كل ما يعدل موازين القوى مع الكيان الصهيوني.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر