موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الفصل الأول
مقدمة تاريخية حول الصحافة في اسرائيل " يجب على هذه الصحيفة ان تكون درعا وسلاحا للشعب اليهودي ، سلاحا يستخدم ضد اعداء الشعب " ، هذا بعض ما كتبه ثيودور هرتسل ، مؤسس الحركة الصهيونية ، في افتتاحية العدد الاول من اسبوعية الحركة الصهيونية " دي وولت " ، في الثالث من حزيران من العام 1897 وذلك عشية التئام المؤتمر الصهيوني الاول . وقد اكد هرتسل – الذي كان يعمل صحافيا – في كتابه " دولة اليهود " ، على دور الصحافة في تطور المشورع الصهيوني. ادراك مؤسسي الحركة الصهيونية الاوائل المبكر للدور الذي تعلبه الصحافة في خدمة مشروعهم دفعهم منذ البداية الى اقناع اصحاب الصحف اليهودية سواء في فلسطين او انحاء العالم للتجند من اجل العمل لخدمة اهداف الحركة الصهيونية . ويدل تاريخ الصحافة في اسرائيل على ان الصحف العبرية في فلسطين قبل قيام دولة اسرائيل وبعد ذلك تجندت بشكل كبير لخدمة الحركة الصهيونية ، بل انها وضعت نفسها في خدمتها بشكل مطلق . وعند الحديث عن تاريخ الصحافة في اسرائيل فانه من الاهمية بمكان ان نشير الى ثلاث مراحل هامة في هذا التاريخ : 1- الصحافة العبرية في فترة الحكم العثماني وحتى نهاية الحرب العالمية الاولى . 2- الصحافةالعبرية في ظل الانتداب البريطاني وحتى قيام الدولة 3- الصحافة العبرية بعد قيام الدولة . ******الصحافة العبرية خلال الحكم العثماني وحتى فرض الانتداب البريطاني كان اصدار اول صحيفة عبرية في ارض فلسطين في العام 1863 ، حيث قام شابان يهوديان ينتميان الى التيار الديني الارثوذكسي المتزمت ( الحريدي )، و يدعيان موشيه سالمون وميخائيل كوهين باصدار صحيفة اطلقا عليها " هاليفانون " ، في مدينة القدس . وكان الشابان اللذان انهيا دورة في الطباعة في المانيا يهدفان من خلال هذا المشروع الى تحقيق الارباح جراء نشر الاعلانات في الصحيفة ، وبالتالي كانت الدوافع وراء اقامة اول صحيفة عبرية في ارض فلسطين اقتصادية محضة ( 1) وبعد عدة شهور اصدر الحاخام يسرائيل باك ، الذي انشأ اول دار للطباعة في ارض فلسطين صحيفة ثانية اطلق عليها " حافتسيلت " ، وكانت بمثابة الناطق بإسم الجناح الحسيدي في التيار الديني الاشكنازي اليهودي في ارض فلسطين . و نظرا لكون الصحيفتين تتنافسان على ثقة نفس الجمهور اليهودي تقريبا ، فقد دبت الخلافات بين اصحاب الصحيفتين الامر الذي دفعهم للوشاية ببعضهما البعض لدى السلطات العثمانية ، اذ ان الصحيفتين كانتا تصدران بدون اذن هذه السلطات ، فقام الاتراك باغلاق الصحيفتين . اغلاق صحيفة " حفتسيلت " لم يدم طويلا فعادت للصدور من جديد . اواخر الستينات من القرن التاسع عشر حدث تطور هام اثر على تطور الصحافة العبرية في ارض فلسطين ، اذ قام احد المستشارين اليهود لقيصر النمسا فرانس يازيف ، باقناعه بتزويد احد الشباب اليهودي الذي كان قد هاجر لفلسطين باحدث مطبعة انتجت في اوروبا حتى ذلك الحين ، وبعد ذلك توالى جلب المطابع للتجمعات السكانية اليهودية في فلسطين ، الامر الذي ادى الى ازدهار انتاج الصحف العبرية هناك ( 2) . هذا التطور كسر احتكار التيار الديني الاثوذكسي اليهودي للطباعة في ارض فلسطين ، حيث كان التيار الديني ممثلا في الحاخام يسرائيل باك يحتكر المطبعة الوحيدة ، مع العلم ان التيار الديني الارثوذكسي لم يكن يتبنى مواقف الحركة الصهيونية وكان على خلافات معها ، وظلت صحفه تحصر اهتمامها في الجوانب الدينية فضلا عن التعبير عن الخلافات التي كانت مضطربة بين اروقة كبار الحاخامات ، وقد فتح هذا التطور المجال امام قطاعات اخرى من المثقفين اليهود الذين يتبنون مواقف الحركة الصهيونية ويسعون لتحقيق اهدافها لكي ينظروا لمواقفهم في اوساط جمهور المهاجرين اليهود في ارض فلسطين . ومع هذا التطور شرعت الصحافة العبرية في ارض فلسطين في تبنى الخطاب الايدلوجي للحركة الصهيونية التي كان ينشط اعضاؤها في اوروبا الشرقية وروسيا ، و بدأت الصحف العبرية تدعو الى ارساء دعائم مجتمع قوى يكرس الوجود اليهودي في ارض فلسطين . ففي العام 1872 تم اصدار صحيفة " شعاري تسيون " ، وكانت تهدف الى تثقيف الشباب اليهودي وتعميق ادراكه بتراثه اليهودي ، الى جانب حث اليهود على نبذ الخلافات الحزبية والاتحاد حول هدف واحد وهو تعزيز الوجود اليهودي على ارض فلسطين .(3) في العام 1874 صدرت صحيفة " هآريان " ، التي كانت اول صحيفة تدعو الى تكثيف هجرة اليهود لفلسطين وتسريع وتيرة شراء الاراضي من الفلسطينيين واقامة احياء يهودية جديدة ( 4 ) . في العام 1881 هاجر اليعازر بن يهودا من روسيا وهو الذي يوصف بأنه " ابو اللغة العبرية " الى فلسطين ، ، حيث انه احياها من عدم وجعلها لغة تخاطب يومي . وفي العام 1884 اصدر بن يهودا صحيفة " هتسفي " الاسبوعية ، التي اصبحت منذ العام 1908 صحيفة يومية ، وجرى تغييرها الى " هاأور " . وشيئا فشيئا اخذت الصحف في توسيع مجال اهتماماتها . في مطلع القرن العشرين ومع تكثيف الهجرة اليهودية لارض فلسطين ، اصبحت الصحافة العبرية تعبر عن الاختلافات الايدلوجية والحزبية في اوساط المهاجرين .( 5) ففي العام 1907 اسس المهاجرون اليهود من اوروبا ، من الذين ينتمون الى حركة " هبوعيل هتسعير " ، صحيفة اطلقوا عليها اسم حركتهم . بعد عامين اسست حركة " احدوت " صحيفتها الخاصة بها والتي تحمل اسم الحركة في العام 1909 . صدرت صحيفة " هاحيروت " ، التي تعبر عن اليهود الشرقيين في فلسطين في العام 1912 ، وصدرت صحيفة " موريا " التي تعبر عن اليهود المتدينيين الارثوذكس في العام 1910 . لكن السلطات العثمانية اغلقت جميع الصحف العبرية التي كانت تصدر اثناء الحرب العالمية الاولى . ****** الصحافة العبرية في ظل الانتداب البريطاني وحتى قيام الدولة بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين ، وصدور وعد " بلفور " ، ارست الحركة الصهيونية دعائم وجودها في ارض فلسطين بشكل كبير . وقد تطورت الصحافة العبرية في هذه الفترة سريعا . وقد تميزت الصحف العبرية في هذه الفترة بالطابع الحزبي الايدلوجي ، بحيث كانت تعنى بالتركيز على الفروق الايدلوجية بين الاحزاب والحركات السياسية الصهيونية في ارض فلسطين . ويشير الباحث حبيب كنعان الى انه على الرغم من الاختلافات الايدلوجية بين الصحف الا انها كان هناك اجماع بين هذه الصحف على التجند لخدمة اهداف الحركة الصهيونية ومساعدتها في اقامة " وطن قومي لليهود " على ارض فلسطين (6) . واشار كنعان الى ان هذه الصحف اجمعت على : • رفض المس باهداف الوجود اليهودي في ارض فلسطين الذي كان توطئة لاقامة الدولة اليهودية المنشودة . • الدعوة لتكثيف الهجرة اليهودية الى ارض فلسطين • مساندة حق اليهود في البناء والسكن في أي بقعة من ارض فلسطين . • رفع شعار " العامل العبري " من اجل تكريس اعتماد الوجود اليهودي على نفسه وليس على الاغيار .( 7) ومن هذا المنطلق فإن الصحافة العبرية قد تجندت بشكل واضح وجلي ضد " الكتاب الابيض " الذي اصدرته لجنة تقصي حقائق بريطانية في العام 1939 ، الذي دعا الى وقف الهجرة اليهودية في غضون خمسة اعوام من صدور تقرير اللجنة ، مع العلم انه حتى هذا الحين كان يتواجد 450 الف يهودي و930 الف فلسطيني . حتى قيام الدولة العبرية كان هناك 9 صحف عبرية يومية و18 اسبوعية ، 2 نصف شهرية ، 3 شهرية ، 3 تصدر كل شهرين ، 8 فصلية ، واحدة باللغة الانجليزية ، و6 باللغة الالمانية ( 8 ) . في هذه الفترة تم تأسيس الصحف اليومية الرئيسية التي تصدر حتى هذا اليوم ، وهي " هآرتس " و " يديعوت احرنوت " و " معاريف " . ففي نيسان من العام 1918 ، اصدرت قيادة الجيش البريطاني صحيفة رسمية " ذي بلستاين نيوز " ، وكان لها ملحق باللغة العبرية " حدشوت هآرتس " ، وملحق عربي " فلسطين " . بعد ذلك بعام اشترى الطبعة العبرية من الصحيفة ، رجل اعمال يهودي روسي وتحول اسمها الى " هآرتس " لتكون مستقلة ، وقد اشتراها في العام 1937 الاخوان شلومو وزلمان شوكن وخولا الكاتب اليهودي الشهير س ي اغمون لادارتها ، ومازالت الصحيفة تصدر حتى اليوم وتعتبر صحيفة " الصفوة " في اسرائيل ، حيث ان قراءها التقليديين هم من المثقفين واصحاب التوجهات الليبرالية . وفي العام 1939 ، اسس غيرشوم كوماروف صحيفة " يديعوت احرنوت " المستقلة ، وهي اول صحيفة " تابلويد " ، وتعتبر الان اوسع الصحف الاسرائيلية على الاطلاق وتحتكر حوالي خمسين بالمائة من التوزيع . في العام 1948 ، تركت مجموعة كبيرة من العاملين في " يديعوت احرنوت " الصحيفة واسست صحيفة " معاريف " المستقلة ، التي تعتبر الان ثاني اكثر الصحف توزيعا . معظم الصحف التي صدرت في الفترة الواقعة بين فرض الانتداب البريطاني واعلان الدولة كانت صحف حزبية . في العام 1919 صدرت صحيفة " دوآر هيوم " أي ( بريد اليوم ) ، وهي كانت تحمل نفس اسم " Daily Mail "البريطانية ، ونظرا لخطها المتشدد ، اصبح محررها ، زئيف جابوتنسكي مؤسس المدرسية الصهيونية التصحيحية وابو حركة حيروت التاريخية التي ولد من رحمها حزب الليكود الحاكم اليوم . وتبنت الصحيفة خطا يمينيا متطرفا.و في العام 1922 اسست نقابات العمال العامة " الهستدروت " ،التي كان يسيطر عليها حزب " ماباي " ( الابو التاريخي لحزب العمل ) ، صحيفة " دافار " . وكانت هذه الصحيفة نقلة نوعية في تاريخ الصحافة الحزبية الصادرة في التجمعات اليهودية في ارض فلسطين، وبعدها توالى اصدار الصحف الحزبية . ففي العام 1931اسست الحركة التصحيحية العامة صحيفة " هعام " ( الشعب ) ، فاغلقتها سلطات الانتداب ، فاصدرت الحركة صحيفة جديدة اطلقت عليها اسم " هياردين " ، وقد مثل هذا الاسم جزء اساسي من عقيدة هذه الحركة التي ظلت لستة عقود تنادي بان الاردن ايضا جزء من " ارض اسرائيل التاريخية " . في العام 1938 اصدرت الحركة التصحيحية صحيفة اخرى اطلقت عليها " همشكيف " ، وكان رئيس تحريرها جابوتنسكي ، بينما كان سكرتيره بنتسيون نتنياهو ، والد رئيس الوزراء الاسبق ووزير المالية الاسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، وقد اصبح بنتسيون نتنياهو فيما بعد من اهم مؤرخي الوجود اليهودي في الاندلس .في نفس العام اصدرت حركة " همزراحي " الدينية الصهيونية ، التي تمخض عنها حزب " المفدال " الديني " صحيفة " هاتسوفيه " ، والتي ماتزال تصدر حتى اليوم . في العام 1943 اصدر حزب " هشومير هتسعير " صحيفة " مشمار " ، التي تحول اسمها عام 1948 الى " علهمشمار " ، واصبحت ناطقة باسم " حزب العمال الموحد " ( مبام ) . في العام 1947 اصدر الحزب الشيوعي الاسرائيلي صحيفة " كول هعام " أي ( صوت االشعب ) ، وفي نفس الفترة صدرت صحيفة " هموديع " ، الناطقة بلسان حزب " يجودات يسرائيل " الاروثوكسي الاشكنازي الحسيدي . في هذه الفترة انتبه الصهاينة الى اصدار صحف صهيونية باللغة العربية بهدف التأثير على الفلسطينيين ، ومحاولة تغيير مواقفهم من الهجرة اليهودية ، بحيث تعمل هذه الصحف على تسويق الدعاية الصهيونية القائلة ان اقامة الدولة العبرية يأتي لرفعة المنطقة وبث روح الحضارة في الشرق ، وان سكان المنطقة العرب لن يكون امامهم الا الاستفادة في حال تعاونوا مع المشروع الصهيوني . ففي العام 1920 صدرت صحيفتا " بريد السلام " ، و " بريد اليوم " وهي نسخة معربة عن صحيفة " دوآر هيوم " ، مع بعض التعديل ، وقد صدرت عن دار " هاسوليل " ، وقد توقفت بعد عدة اشهر . وصدرت صحيفة " السلام " التي كان يرأس تحريرها الصحافي اليهودي نسيم ملول .وفي العام 1936 صدرت اسبوعية " حقيقة الامر " ، وفي العام 1925 صدرت صحيفة " اتحاد العمال " ، وكانت تصدر كل اسبوعين ، وفي العام 1926 اصبحت تصدر كل يوم جمعة . في العام 1919 صدرت صحيفة " الاخبار " وتولى رئاسة تحريرها نسيم ملول . مع العلم انه في ذلك الوقت كانت الحركة الصهيونية تصدر صحف بالعربية في عدد من الدول العبرية ، مثل صحيفة " اسرائيل " في مصر وفي بغداد صحيفة " منورا " بالعبرية والعربية وفي بيروت " العالم الاسرائيلي " ، وهي صحيفة ظهرت ما بين العامين 1920-1922 " يقول الدكتور مصطفى كبها ، استاذ الاعلام والتاريخ في " الجامعة المفتوحة في اسرائيل ان الصحافة اليهودية قبل قيام الدولة العبرية عملت على تحقيق الاهداف الاتية اولا : تكوين راي عام داخل النقاط الاستيطانية لتأكيد اخلاقية المشروع الصهيوني وشرعيته ، بمعنى بناء شرعية للاستيطان اليهودي في عيون ابناء المستوطنات وذلك من خلال التاكيد على اخلاقية هذا المشروع . ثانيا : التاكيد عى هشاشة العلاقة بين الشعب الفلسطيني والارض التي يقيم عليها . وذلك من خلال التشكيك باصالة هذه العلاقة ، مدعية انها علاقة طارئة ، قياسا بعلاقة اليهود ب ( ارض الميعاد ) . ثالثا : حاولت الصحافة العبرية من خلال الصحف التي اصدرتها الحركة الصهيونية باللغة العربية اقناع الرأي العام الفلسطيني باستيعاب فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين واستساغتها والترويج لها من خلال تجنيد اقلام يهودية تكتب بالعربية من بين المستشرقين الذين يعرفون الاعراف العربية والشرقية .(9) وفي الوقت الذي كان فيه هناك سبعة عشر صحيفة موجهة لاربعمائة وخمسين الف يهودي ، كان هناك فقط ثلاث صحف عربية موجهة لتسعمائة وثلاثين الف فلسطيني ، وكانت هذه الصحف : • صحيفة " الدفاع " ، صدرت بتاريخ 1934 ، وكان محررها ابراهيم الشنطي ، وتطبع عشر الاف نسخة • " فلسطين " ، صدرت عام 1911، مؤسسها عيسى العيسى ومحررها يوسف حنا وتطبع ثلاثة الاف نسخة . • " الصراط المستقيم " ، صدرت عام 1939 ، وكانت صحيفة محدودة التوزيع . اذن على مدار ثمان عقود تقريبا عمل الصهاينة على ارساء بنية تحتية متينة للصحافة العبرية في ارض فلسطين قبل الاعلان عن دولتهم ، ومما لا شك فيه ان لهذا كان دورا كبيرا في اصطفاف اليهود خلف الحركة الصهيونية وتجذير ايمان قطاعات كبيرة من اليهود بشعارات الحركة الصهيونية ازاء ارض فلسطين . ******الصحافة الاسرائيلية بعد قيام الدولة بعد اعلان الدولة العبرية في الخامس عشر من مايو من العام 1948 ، تراجع دور الصحافة الحزبية شيئا فشيئا ، وبرز دور الصحافة المستقلة . فقد تقلصت الحاجة الى وجود الصحافة الحزبية ، اذ انه قبل قيام الدولة العبرية كانت الاحزاب ترى في صحفها الوسيلة الوحيدة للتواصل مع عناصرها ولتعزيز وجودها في الساحة الصهيونية . فقبل قيام الدولة كان رئيس نقابات العمال العامة " الهستدروت " دفيد بن غوريون ، الذي اصبح فيما بعد اول رئيس وزراء للدولة العبرية ، يعتبر صحيفة " دافار " التي تصدر عن " الهستدروت " وسيلته الوحيدة للوصول الى جميع طبقات العمال العبريين. لكن بعد قيام الدولة وتطور المجتمع في الدولة العبرية وزيادة عدد السكان فشلت الصحافة الحزبية في تلبية حاجات الفرد والمجتمع الاسرائيلي ، الى جانب ذلك تقلص استعداد الاسرائيليين للاعتماد على مصدر واحد للمعلومات ، من هنا اكتشف الاسرائيليون الصحافة الخاصة المستقلة القائمة على التنافس وتحصيل الارباح الاقتصادية . وشيئا فشيئا ادركت النخب التي تقود الاحزاب ان افضل طريقة للتواصل مع الجمهور هو من خلال الصحف الخاصة ، من هنا فقد تم اغلاق معظم الصحف الحزبية الصادرة عن الاحزاب العلمانية ، والان لا يوجد صحف تصدر عن الاحزاب العلمانية الاسرائيلية ، في حين ظلت الصحف الصادرة عن الاحزاب الدينية سواء كانت الاحزاب الدينية الصهيونية او الاحزاب الدينية الحريدية قائمة ، لإن الصحافة الخاصة لم تلبي حاجة المجتمع الديني في الدولة العبرية . ***** الصحف المستقلة وامبروطوريات الاعلام العائلية تسيطر الصحافة المستقلة على سوق الاعلام في الدولة العبرية بشكل شبه مطلق . فصحف " يديعوت احرنوت " و" معاريف " و " هارتس " تحتكر سوق الصحافة المكتوبة ، مع العلم ان صحيفة " يديعوت احرنوت " ، وحدها تحتكر خمسين بالمائة من التوزيع ، تليها " معاريف " وتأتي صحيفة " هارتس " في المرتبة الثالثة . هنا يتوجب الاشارة الى ان صحيفة " هآرتس " تعتبر صحيفة صفوة ، حيث دلت استطلاعات الرأي العام والدراسات على ان الذين يحرصون على قراءة الصحيفة هم من ذوي المؤهلات العلمية والثقافية الكبيرة ، مقارنة مع الصحف اليومية الاخرى .بسبب التنافس فيما بينها عملت الصحف الثلاث المكتوبة المملوكة الى ثلاث عائلات الى توسيع قاعدتها الاقتصادية ، الامر الذي ادى الى تولد ثلاث امبروطوريات اعلامية عائلية. فقد لجأت هذه الصحف الى انشاء صحف محلية " مناطقية " ، تختص بتغطية اخبار مناطق محددة في الدولة العبرية ، واصبح لكل صحيفة كبرى شبكة من الصحف المناطقية . ويمكن الاشارة الى بعض التفاصيل المتعلقة بحجم الامبروطوريات الاعلامية الثلاث : 1-عائلة موزيس : تملك صحيفة " يديعوت احرنوت " ، اوسع الصحف اليومية انتشارا ، الى جانب شبكة من الصحف المناطقية ، وصحيفة باللغة الروسية ودار نشر ضخمة " عيدانيم " ، واسبوعية نسائية " للمرأة " ، ومجلة شبابية ، وتملك العائلة اسهم في الشركات التي تدير شبكات التلفزة بالكوابل ، وتملك اسهم في الشركات التي تدير قناة التلفزة الثانية . 2- عائلة نمرودي : تملك صحيفة " معاريف " ، ثاني اوسع الصحف انتشارا ، اصدرت صحيفة مناطقية ومجلة متخصصة للنساء واخرى للشباب ، والى جانب " مكتبة معاريف " لنشر وتوزيع الكتب ، تملك اسهم في شركات التي تدير شبكات التلفزة بالكوابل . 4- عائلة شوكين : تملك صحيفة " هآرتس " ، بالاضافة الى امتلاك اكبر شبكة من الصحف المناطقية في الدولة ، واسبوعية باللغة الروسية ، بالاضافة الى مطبعة ودار نشر وشركات حاسوب ، وتملك اسهم في الشركات التي تدير شبكات التلفزة بالكوابل . ****** الصحافة الدينية نظرا لانغلاق المجتمع الديني في اسرائيل على نفسه ، فإنه قد حرص على تطوير وسائل الاعلام الخاصة بكل قطاع من قطاعاته المختلفة . ومن المعروف ان المتدينيين في اسرائيل يشكلون حوالي 22% من سكان الدولة ، مع العلم ان المتدينيين اليهود ينقسمون الى : تيار ديني صهيوني وتيار ديني ارثوذكسي (حريدي ) ، الذي يشكل وحده 7% من المتدينين (10) ، وينقسم المتدينون الارثوذكس الى تيارين اساسيين : التيار الحريدي الحسيدي والتيار الحريدي الليتائي . التمايز بين القطاعات الدينية في الدولة العبرية اظهر حالة استقطاب بين هذه التيارات ، الامر الذي دفعها للتعبير عن نفسها باصدار صحف خاصة بها . فنجد ان التيار الديني الصهيوني ، الذي يمثله حزب " المفدال " يصدر صحيفة " هتسوفيه " اليومية ، والتي صدرت قبل قيام الدولة . في حين انه بالنسبة للتيار الحريدي وحتى العام 1985 لم يكن يملك الا صحيفة حريدية واحدة ، وهي صحيفة " هموديع " التي يصدرها حزب " يغودات يسرائيل " ، احد التيارات الحريدية الحسيدية .لكن الامور تغيرت كثيرا في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي بعد انقسام العالم الحريدي على ذاته ، حيث انشق التيار الليتائي بقيادة الحاخام شاخ عن التيار الحسيدي الذي يمثله حزب " يغودات يسرائيل " ، الامر الذي ادى الى بروز حزب " ديجل هتوراة " الليتائي الذي اسسه الحاخام شاخ ، وحركة " شاس " الحريدية الدينية الشرقية التي اسسها الحاخام عفوديا يوسيف. هذا التطور ادى الى اصدار مزيد من الصحف الحريدية ، فقد اصدر حزب " ديجل هتوراة " صحيفة " ياتيد نئمان " وحركة " شاس " صحيفة " يوم ليوم " . وهنا يتوجب الاشارة الى ان الاشراف على الصحف الحريدية يتم من قبل " لجان روحية " يشكلها كبار الحاخامات واعضاء هذه اللجان يكونون عادة من مدراء المدارس الدينية، وتنفذ اسر التحرير في هذه الصحف تعليمات هؤلاء الحاخامات ولا تحيد عنها ، بحيث ان الكلمة الفصل تكون للحاخامات ( 11) . لكن الثورة الكبرى في الصحافة الحريدية كانت في الصحافة غير الحزبية ، التي لم تكن تخضع لنير " اللجان الروحية " ، وكانت اول صحيفة حريدية تتحرر من قيود اللجان الروحية ، اسبوعية " يوم شيشي " ( اليوم السادس ) ، التي تأسست في العام 1983 . واصبحت هذه الصحف تستقطب القراء من الصحف الحزبية الحريدية ، لكونها تهتم بمناحي الحياة الاخرى التي تهم كل انسان مثل التركيز على الصحة والتكنلوجيا والحوادث ، وهي القضايا التي لا تغطيها الصحف الحريدية الحزبية التي تديرها اللجان الروحية .( 12) . الى جانب ذلك فقد استخدمت الصحف الحريدية غير الحزبية المؤثرات الفنية مثل استخدام الالوان والتصميم والاخراج الانيق . وبسبب نجاح تجربة " يوم هشيشي " صدر مزيد من الصحف الحريدية غير الحزبية مثل مجلة " مشبحا " ( العائلة ) ، و" هشبوع " ( الاسبوع ) اللتان تتميزان بشعبية واسعة في الشارع الحريدي. الذي يميز الصحف الدينية سواء كانت حريدية او صهيونية وسواء كانت حزبية او مستقلة هو تبنيها خطا متطرفا تجاه العرب ومؤيدا لسياسات القمع ضد الفلسطينيين ، لذا فإن الصحافة الدينية تعتبر احد اهم مصادر الاسناد لتعاظم التوجهات المتطرفة في اوساط اليهود في الدولة العبرية . الصحافة الروسية اوائل التسعينات من القرن الماضي ، طرأ تحول فارق في التركيبة الديموغرافية للدولة العبرية ، اذ استغلت الدولة العبرية والوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية صعود الزعيم الاصلاحي ميخائيل جورباتشوف الى سدة الحكم في الاتحاد السوفياتي ، وقامت بتهجير مئات الالاف من اليهود الروس للدولة العبرية . هذا التطور جعل اليهود الروس في الدولة العبرية يمثلون اكبر تجمع اثني في الدولة العبرية ، اذ يشكلون وحدهم قرابة عشرين بالمائة من عدد سكان الدولة . ازدياد عدد المهاجرين الروس بهذا الشكل ، جعل منهم قطاعا اثنيا كبيرا مستقلا ومنعزلا الى حد كبير ، حيث انه على الرغم من انه قد مضى ثلاثة عشر عاما على هذه الموجة من الهجرة ، الا ان نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين لا يتكلمون الا اللغة الروسية ولا يقرأون الا بها ، من هنا اكتشفت امبروطوريات الاعلام في الدولة العبرية المهاجرين اليهود الروس كسوق للاعلام ، فقامت باصدار صحف باللغة الروسية . امبروطورية عائلة " موزيس " ، اصدرت صحيفة " فيستي " ، اوسع الصحف الاسرائيلية باللغة الروسية انتشارا ، الى جانب عدد من الصحف باللغة الروسية . امبروطوريات الاعلام تركت لاسر تحرير هذه الصحف تحديد سياسة التحرير وتوجهات الصحف ، ولم تتدخل فيها ، اذ ان كل ما يعنيها هو الاستثمار الاقتصادي في هذا السوق . من المفارقة ان النخب الثقافية ، وبمن ضمنها النخبة الاعلامية التي اوكلت اليها ادارة تحرير الصحف الروسية في اوساط الجمهور اليهودي الروسي ذات توجهات يمينية متطرفة ، وقد كان لهذا اكبر الاثر في بروز التوجهات اليمينية للمهاجرين الروس الذين تأثروا بالخط الايدلوجي المتطرف للصحف باللغة الروسية. وهناك من يقول ان التوجهات اليمينية لدى النخب الثقافية في اوساط المهاجرين بشكل عام ، قد تطورت في اعقاب حرب الايام الستة والهزيمة المدوية التي لحقت بالجيوش العربية على ايدي الجيش الاسرائيلي ، هذا التطور احيا " الشعور القومي " لدى المهاجرين بشكل عام ، واليهود الروس حتى قبل ان يهاجروا لارض ، كما ان هذا التطور استنهض الوعي الديني لدى قطاع من هؤلاء اليهود ، مع العلم ان اليهود الروس بشكل عام غالبا ما يتخذون مواقف تتعارض مع الدين نظرا لعيشهم لمدة طويلة تحت ظل الحكم الشيوعي (13). ****** الصحافة الروسية وضمانة التوجهات اليمينية نظرا لاستخدام الاغلبية الساحقة من اليهود الروس المهاجرين للدولة العبرية للغة الروسية فقط، فقد كان لذلك بالغ الاثر في اطلاع الصحافة الروسية بدور كبير في رسم توجهات هذا القطاع الاثني الكبير ، وبالفعل فقد كان للصحافة الروسية بالغ الاثر في دفع المهاجرين الجدد للتوجه لتأييد افكار اليمين الاسرائيلي ، فمثلا نجد في انتخابات العام 1992 ، وهي اول انتخابات يشهدها المهاجرون الجدد ، ان معظم المهاجرين يصوتون لحزب العمل بزعامة رابين ، لكن بعد ذلك نشهد ازدياد التوجهات اليمينية المتطرفة لهذا القطاع، وفي اخر انتخابات فقد صوت اكثر من 70% من المهاجرين الروس للاحزاب اليمينية (15) . وواضح تماما ان انكشاف هذا القطاع الاثني لتأثير صحافة تسيطر عليها نخب يمينية متطرفة ، كان له دور كبير في دفع هذا القطاع نحو اليمين ، سيما وان الروس لا يعتمدون على الصحافة باللغة العبرية . وحسب استطلاع للرأي العام تبين ان 90 % من المهاجرين اليهود الروس يبلورون مواقفهم من الصراع العربي الاسرائيلي متأثرين بما تكتبه الصحف التي تعبر عنهم ، في حين ان 61% من اجمالي الجمهور الاسرائيلي يتأثرون بالصحف في بلورة مواقفهم السياسية (16) . الدكتور يعكوف ايزينفيديت ، الباحث في مجال الصحافة الروسية يقول ان الصحافة باللغة الروسية لم تبدي أي حماسا للتسوية السلمية مع العرب وجاهرت بتاييد مواقف اليمين (17) . وكما يقول بن يعكوف ، فان الصحف الروسية تقوم بصياغة عناوينها بشكل يقنع القارئ بتبني التوجهات اليمينية ، الى جانب ذلك فإن معظم الكتاب والمعلقين هم من ذوي التوجهات اليمينية . ويشير الى صحيفة " فيستي " ، اوسع الصحف باللغة الروسية انتشارا قائلا انها ذات توجهات يمينية وانها تقوم بتحرير الاخبار المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي دون توخي أي درجة من معايير المهنية والموضوعية ، ويمكن النظر الى هذه الصحيفة كما لو كانت ناطقة باسم اليمين الاسرائيلي (18) الى جانب كل ذلك فان الصحف الروسية تجاهر بتأييدها لزعماء اليمين المتطرف من بين الساسة الذين يمثلون الروس ، سيما رئيس حزب " الاتحاد الوطني " ، افيغدور ليبرمان الذي يشغل منصب وزير المواصلات في حكومة شارون الحالية ، وهو اكثر الوزراء تطرفا ، وقد سبق له ان دعا الى القاء الاسرى الفلسطينيين في البحر ، ودعا الى تفجير السد العالي وتدمير المسجد الاقصى وتدمير القصر الرئاسي في سوريا وغيرها من المواقف اليمينية المتطرفة . انكشاف الجمهور اليهودي الروسي للخط المتطرف الذي تتبناه النخب المسيطرة على سوق الاعلام باللغة الروسية ينعكس بشكل مباشر على الممارسات العنصرية لجنود الاحتلال من المهاجرين الجدد ، اذ تبين ان هؤلاء الجنود يقومون بشكل خاص بمعاملة الفلسطينيين بشكل غير لائق ، مع العلم ان كل جندي رابع في الجيش الاسرائيلي هو مهاجر جديد (19). الاحزاب اليمينية والدينية اكتشفت الطاقة الكامنة في الصحافة باللغة الروسية ، فقامت باصدار مطبوعات حزبية باللغة الروسية ، الى جانب تدشين عشرات المواقع باللغة الروسية على شبكة الانترنت ، وهناك من الساسة من دشنوا مواقع شخصية لهم باللغة الروسية من اجل التأثير على هذا القطاع الهام ، مثل رئيس الوزراء الاسبق ووزير المالية الحالي بنيامين نتنياهو الطامح الى العودة الى سدة الحكم من جديد . الصحافة الروسية على الرغم من تطرفها السياسي ، الا انها بشكل عام تأخذ خطا معاديا للدين والاحزاب الدينية ، و الاكراه الديني ، وذلك نظرا لان نسبة كبيرة من اليهود المهاجرين هم من غير اليهود ، وهو الامر الذي جعل الاحزاب الدينية الارثوذكسية تشن حرب لا هوادة فيها ضد الهجرة الروسية وتطالب بعدم اعتبارهم يهودا الى جانب مطالبتها بتشديد اجراءات الرقابة على هجرة اليهود الروس . وخرجت الصحافة الروسية ضد قرار المؤسسة الدينية التي رفضت السماح بدفن الجنود الروس الذين يخدمون في الوحدات القتالية في جيش الاحتلال و الذي يقتلون في المواجهات مع المقاومة الفلسطينية في المقابر العسكرية التي يدفن فيها الجنود الاخرين على اعتبار انهم غير يهود . وتدعو الصحف باللغة الروسية الى فصل الدين عن الدولة . ***** اهم الصحف باللغة الروسية تصدر في اسرائيل 137 صحيفة يومية واسبوعية ، وشهرية واصدارات دورية باللغة الروسية ، واهم الصحف الصادرة بالروسية : 1- فيستي 2- ناسا شطيرن 3- فيستي وولي
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر