موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا يتوجب على الفلسطينيين التوحد على المقاومة الشعبية ؟

لقد تجسدت البداية الحقيقية للربيع الفلسطيني في الخطوة التي أقدم عليها الشباب الفلسطيني بتدشين قرية " باب الشمس "، تحديداً في المنطقة الفاصلة بين القدس ومستوطنة " معاليه أدوميم "، لإحباط مخطط إسرائيل بإقامة مشروع " E1 ". وعلى الرغم من ان الاحتلال قام بتفكيك القرية، إلا أنه لا يوجد ثمة مبالغة في أن تأثير هذه الخطوة لا يقل عن تأثير صواريخ المقاومة، لأنها تجسد بالفعل المقاومة الشعبية الإيجابية التي تنطوي على أكبر أذى للاحتلال الصهيوني. لقد تباهى وزراء حكومة بنيامين نتنياهو بالقول أن تدشين مشروع " E1 " يأتي لإسدال الستار على أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، على اعتبار أنه يحرم الدولة العتيدة من أحد أهم مقومات الدولة وهو التواصل الإقليمي بين أجزائها.

إبداع مقاوم ذو تأثير هائل

إن ابتكار هذا النوع من أنماط المقاومة الشعبية يشكل نقطة تحول فارقة وعظيمة في تاريخ المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، لأنه يوفر كل مقومات نجاح العمل المقاوم، إذ يستهدف تحقيق هدف آني، وهو إحباط مشاريع الاستيطان والتهويد، وبالتالي وهو يرمي إلى الانتقال من سياسة الشجب والرفض والتنديد في مواجهة المشاريع الاستيطانية والتهويدية إلى الرد العملي الإيجابي على الاحتلال، من خلال الإقدام على فعل عملي معاكس ومضاد. صحيح أن قوات الاحتلال بإمكانها الرد باستخدام القوة ضد أولئك القائمين على هذا  النوع من الأنشطة، لكن السلوك الإسرائيلي العدائي سيكون محسوب بشكل دقيق، لأنه يأتي رداً على فعل مقاوم سلمي، وبالتالي لا يمكن لإسرائيل أن تحظى بغطاء دولي في ردها العنيف على الفلسطينيين الذين يقدمون على هذه المشاريع. ولما كانت كل الدلائل تشير إلى أن الانتخابات الإسرائيلية القادمة التي ستجرى في 22-يناير الجاري ستسفر عن فوز تحالف اليمين المتطرف بشقيه الديني والعلماني، فإنه يمكن القول أن طفرة في المشاريع الاستيطانية تنتظر الفلسطينيين، في حال لم يواجه الكيان الصهيوني بفعل مقاوم مبتكر ومؤثر. من هنا تبرز الأهمية الأكبرى لقيام الفلسطينيين في الضفة الغربية بإقامة هذه القرى في كل أرض تعلن إسرائيل عن نيتها إقامة مستوطنات فيها. أن هذه أفضل وصفة لتقليص قدرة حكومة اليمين المتطرف على التغول على الأرض الفلسطينية واستباحتها. ومن الواضح أن الفلسطينيين قد قصروا في حق أنفسهم، وفي حق قضيتهم عندما لم يقدموا على هذا الفعل المقاوم من قبل؛ فلا يعقل أن يقيم قطعان المستوطنين مئات النقاط الاستيطانية في أرجاء الضفة الغربية بدون إذن حكومتهم، ولا يتحرك الفلسطينيون لإحباط ذلك بفعل مشروع وطنياً ودولياً.

استهداف الإئتمان الدولي لإسرائيل

أن أي رد فعل إسرائيلي عنيف على أولئك الفلسطينيين، الذين يقفون خلف هذا النوع من المقاومة الشعبية، سيلاقى بردة فعل عالمية قوية، وستكون الكثير من الدول، وتحديداً الدول الأوروبية مجبرة على اتخاذ موقف ضد السلوك الإسرائيلي، لأنها ذاتها أعلنت موقفاً قوياً ضد مشروع " E1 "، بل أن الكثير من دول العالم أقدمت على استدعاء سفراء إسرائيل في عواصمها للاحتجاج على الخطوة، وبالتالي عندما يتحرك الفلسطينيون في خطوة سلمية للتعبير عن احتجاجهم العملي على سلب أرضهم ومنع إقامة دولتهم، فإن أحداً في العالم لن يكون بوسعه التغطية على العدوان الإسرائيلي. ومما لا شك فيه أن هذا النوع من المقاومة سيحرج إلى حد كبير إدارة الرئيس أوباما، التي اعترضت أيضاً على مشروع " E1 "، ودعت إسرائيل للتراجع عنه؛ وبالتالي، فإن هذه الخطوة قد تدفع للسطح التناقضات بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما، لأن الرد الإسرائيلي العنيف على الخطوات الفلسطينية النضالية هذه، سيقلص من قدرة أوباما على تغطية إسرائيل في المحافل الدولية. ومما لا شك فيه أن مثل هذه الخطوة سيحقق انجازاً سياسياً هائلاً للشعب الفلسطيني، لأنها ستعمل على تدهور مكانة إسرائيل الدولية بشكل غير مسبوق، مع العلم أن هذه المكانة في وضع سئ أصلاً، وهذا يقلص قدرة إسرائيل على مواصلة الغطرسة، ويجعل الصهاينة يتحققون من النتائج الكارثية لخيارات حكوماتهم. في الوقت ذاته، فإن هذه الخطوة تضمن إعادة الاستقطاب داخل المجتمع الصهيوني على خلفية الموقف من الاحتلال، بعدما تلاشى هذا الاستقطاب نتاج المفاوضات والتعاون الأمني من جانب، وجراء اعتماد الفلسطينيين على المقاومة المسلحة فقط. على الرغم من أن إسرائيل تفاجأت بهذا النوع من الفعل المقاوم، إلا أن التعليقات الأولية أظهرت حجم الحرج الذي علقت فيه القيادة الصهيونية، لإدراكها استحالة الطعن في مشروعية هذا النوع من الأعمال المقاومة.

 

 

 تكريس فعلي للمصالحة الوطنية

أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يكاد لا يترك مناسبة لا يشدد فيها على حماسه للمقاومة الشعبية، وذلك في معرض ذمه للمقاومة المسلحة التي تعبر عنها عمليات إطلاق الصواريخ. ان فكرة إقامة القرى الفلسطينية على الأراضي المهددة بالمصادرة من أجل الاستيطان تشكل في الواقع اختباراً حقيقياً لشعارات عباس. فإن كان عباس يؤمن حقاً بأهمية بالمقاومة الشعبية، فبإمكانه أن يقود هذا النوع من المقاومة الشعبية، ومن حقه دعوة كل الفصائل أن تتجند من أجل انجاحه، بل عليها بالفعل وقف كل أشكال الفعل المقاوم الأخرى من أجل منح هذا النوع من النضال الفرصة. لكن للأسف، كل المؤشرات تشير إلى أن عباس لا يمكن أن يقدم على هذه الخطوة لأنها بالفعل تؤذي الاحتلال أذىً بالغاً ومؤثراً، وهو ما لا يبدو أنه مستعد له. والأخطر من كل ذلك، فإن عباس من المرجح أن يوظف عناصر أجهزته الأمنية في منع الفلسطينيين من مواصلة هذا النوع من التحرك السلمي الشعبي، في إطار التعاون الأمني مع أجهزة الاحتلال المتواصل بدون انقطاع. لكن على كل الأحوال، فإن قدرة عباس على التحرك في انقاذ الصهاينة محدودة أيضاً لأن هذا التحرك سيضعه في تناقض فج وصريح مع كل ما يدعيه، سيما في ظل عجزه عن توفير أدنى مستويات الأمن لمواطنيه، الذين يتعرضون لأبشع صور العسف والقهر من ظلم المستوطنين.

قصارى القول، على الفلسطينيين التوحد على هذا النوع من المقاومة الشعبية الإيجابية، التي لم توضع موضع التنفيذ في السابق، على الرغم من الطاقة الهائلة الكامنة في تأثيراتها الإيجابية.

على الرغم من أن من حق الشعب الفلسطيني ممارسة كل أشكال المقاومة، وضمنها إطلاق الصواريخ، التي شكلت مصدراً لردع الاحتلال ولقمع إرادته في مواصلة العدوان، فإن على الفصائل الفلسطينية أن تدرس بجدية في الوقت الحالي الإلتفات للمقاومة الشعبية في شقها المؤثر والعملي وليس الاستعراضي، الذي يهدف إلى تحقيق أكبر قدر من الإيذاء للكيان الصهيوني.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر